الدين والحضارة

هناك من يعتقد من المفكرين في الشرق والغرب أن الدين عائق لنشوء الحضارات وتقدم الأمم، ويستدلون علي ذلك بان أوربا لم تقم لها قائمة إلا بعد ان تخلصت من سلطة الكنيسة وطغيان رجال الكهنوت، ويعزون تخلف المسلمين اليوم عن الركب الحضاري إلى تمسكهم بالدِّين وتعلقهم بأهدابه.

وفي تصوري أن الأديان لم تكن يوما من الأيام عائقا للتطور البشري والإنتاج الحضاري لأي أمة من الأمم، بل إن الدين يعتبر عامل مهم من عوامل بناء الحضارات وتقدم الأمم، إذ أنه يحفز الناس على النشاط ويحثهم على العمل ويحررهم من الخضوع لسلطة العباد؛ مما يفجر طاقات البشر ويفضي إلى الإنتاج والإبداع الخلاق في شتى مناحي الحياة الإنسانية. وهذا في الحقيقة ليس إلا تحقيقا لمعاني استخلاف الله للإنسان في الأرض وحمله أمانة هذا الاستخلاف بمعنى أنه استخلاف في الأرض بقصد إصلاحها وعمارها لا بإفسادها وخرابها. إلا أن الدين بمرور الزمن وتقادم العهد قد يفقد بعض تلك العوامل الإيجابية التي ذكرناها آنفا بسبب جمود أتباعه وركونهم إلى التقليد وإهمالهم العقل وإغلاقهم باب الاجتهاد والتجديد؛ مما يؤدي إلى الانغلاق والركود والتخلف العلمي والعقلي. وهنا يصبح الدين عبئا وعالة علي أتباعه بدل أن يكون عامل نهوض وبناء ويركن أتباعه إلى الكسل والخمول بعد أن كان يحثهم علي النشاط والعمل.

إن الإسلام فجر طاقات التقدم والرقي في نفوس المسلمين الأوائل واستطاعوا إنشاء حضارة إنسانية راقية في مدة زمنية قصيرة ساهمت في إثراء الفكر الإنساني بصفة عامة وحملت معها مشعل التنوير والعلم والمعرفة. وذلك بسبب الشحنة الإيمانية القوية التي ألقاها القرآن في قلوب المسلمين واستلهامهم روح الإسلام وما أرساه من قيم ومبادئ. لقد انفتحوا على العالم حولهم وانفتحوا كذلك على الآخر وما لديه من فكر وعلم وفلسفة. وفي بدايات العصر العباسي قاموا بأكبر حركة ترجمة في تاريخ العالم. نقلوا التراث العلمي والفكري والفلسفي لليونان إلى اللغة العربية مما كان له دور كبير في النهضة  العلمية للمسلمين الذين أبدعوا في جميع مجالات المعرفة من طب وفلسفة وفلك وفيزياء وكيمياء وغير دلك مما كان له دور كبير في نهضة أوربا العلمية باعتراف كثير من مفكريها ولا ينكر تلك الحقيقة اليوم إلا جاحد أو معاند .

انظر حالنا اليوم وما نحن فيه من تخلف وركود. ماذا حصل وما الذي تغير؟ القرآن هو نفسه القرآن والإسلام كذلك هو الإسلام. وإذا كان الأمر كذلك فما الذي تغير؟ الذي تغير هو فهمنا للدين حيث اختلط الدين بالتراث وتداخل الدين والفهم البشري للدين، وبذلك فقد الإسلام تأثيره الإيجابي على المسلمين وغابت تلك الشحنة الإيمانية القوية إلى فجرت الطاقات البشرية للمسلمين الأوائل. إن علماءنا القدامى كانوا منفتحين على ما لدى الآخرين من علم وفكر؛ لأنهم كانوا واثقين من أنفسهم يستطيعون أن يتواصلوا مع الآخر دون الذوبان فيهم، ولكننا نرى اليوم المسلمين منغلقين منعزلين عن التواصل مع التراث الإنساني بل إن بعضهم يعتبر دراسة العلوم العقلية مثل المنطق والفلسفة زندقة ان لم تكن كفر، كل ذلك ينبئ عن نفس خائفة ومضطربة تخاف من الآخر ومن التواصل معه ينطوي على نفسه يعيد ويكرر قراءة كتب تراثية ألفها أسلافنا لتلبية حاجات عصرهم واستجابة للتحديات التي واجهت مجتمعهم.

نحن اليوم  نواجه تحديات أخرى مختلفة عن التحديات التي واجهه أسلافنا. إنني عند ما أقول ذلك لا أعني ألا نرجع إلى تراثنا فمن لا ماضي له لا مستقبل له ؛ ولكنني أعني أن نقرأه بعين النقد ونأخذ منه ما هو صالح لعصرنا ونتجاوز ما عدا ذلك إلى فضاءات أخرى أكثر تفتحا واتساعا يتيحها لنا العقل ومبادئ وقيم الإسلام مستعينين في دلك بإسهامات الحضارة الإنسانية المعاصرة وما قدمته من علم وفكر وفلسفة، إذ أن الحضارة لا يمكن أن ينسب إلى قوم أو دين أو عرق معين إلا مجازا وإنما هي ملك مشاع للجميع ومساهمة المسلمين فيها كبيرة ويتحمل أمانة هذه المسؤولية كل من توفرت له شروط الاستخلاف والتمكين في الأرض.

رواد النهضة في العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كالإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وَعَبَد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وغيرهم واجهوا أزمة الحداثة في العالم الإسلامي وما تحملها من تحديات هائلة لمجتمعاتنا وبذلوا جهودا جبارة للوقوف على أسباب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم من الأمم خاصة الأوربية. نظرتهم إلى الإصلاح قامت على ركيزتين أساسيتين. أولا: الرجوع إلى مصادر الإسلام الأولى من الكتاب والسنة لتنقية ما علق من الشوائب في التراث الإسلامي وذلك بالعودة به إلى ينابيعه الأولى. ثانيا: التواصل المعرفي مع الحضارة الغربية وما أنتجته من أفكار وعلوم ومفاهيم وقيم إنسانية للاستعانة بها في عملية النهوض بالأمة الإسلامية.

والمفارقة انه في الوقت الذي انشغل فيه هؤلاء الرواد لإصلاح أحوال المسلمين  ودراسة أسباب تخلفهم عن الركب الحضاري وكان همهم الأساسي هو إيجاد جواب مقنع للسؤال المحوري الذي أرق مضاجعهم. وهذا هو السؤال الذي جعله شكيب إرسلان عنوانا لكتابه المشهور في عام ١٩٣٠” لما ذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟” وهو السؤال الحضاري الذي لم يجد له المسلمون الي اليوم جوابا شافيا. إن هذا السؤال المصيري الذي يختصر عمق الأزمة الحضارية التي يعيشها المسلمون تحول بعد ظهور الحركات الإسلامية إلى صيغة أخرى في كتاب أبي الحسن الندوي في عام ١٩٥٠ “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟” فمن عنوان الكتاب ندرك أن السؤال عند الحركات الإسلامية لم يعد عن تخلف المسلمين وإنما عن خسارة العالم بانحطاط المسلمين.

ومن هنا نفهم ظهور أدبيات الخطاب الإسلامي القائمة على الغرور والتضخم وانصب التركيز على الحفاظ علي الهوية الإسلامية وضعف الاهتمام بالإصلاح الفكري والثقافي وأصبحت الحضارة الغربية وقيمها مناقضة بل مضادة كليا لقيم الإسلام ومبادئه مما أدى إلى قطيعة معرفية بين الثقافتين، هذا بالنسبة للإسلاميين الحركيين كحركة الإخوان. أما التيارات السلفية فجل همها منصب على إصلاح عقائد المسلمين من الشركيات علي الطريقة المعروفة في أدبياتهم وعادوا إلى التراث بمعناه الحرفي، ولم تخرج منه تعيد وتكرر المعارك الكلامية التي دارت بين المذاهب الإسلامية في العصور الأولى.

  خلاصة القول علي المسلمين بصفة عامة وعلى الحركات الإسلامية بصفة أخص أن تعود الي سؤال رواد النهضة “لما ذا   تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وتقوم ببلورة مشروع حضاري يمزج بين الأصالة والمعاصرة؛ بمعني العودة إلى التراث الإسلامي واستيعابه ونقده ثم تجاوزه، وفي نفس الوقت تنفتح على الحضارات الأخرى وما انتجته من قيم وأفكار مع مراعاة خصوصية الفكر الإسلامي  وظروف تطور مجتمعاته. لا روح للدين بدون حضارة ولا معنى للحضارة بدون الدين.

%d مدونون معجبون بهذه: