كتبَ تاريخَه بيده

الإنسان يأتي إلى الدنيا أول مرة دون أن يعلم ما قد يواجهه في حياته ، ولكنه يرحل عنها آخر مرة وهو يعلم ما ترك خلفه ، ونحن أمام تلك الدنيا على فئتين :

  • فئة اختارت أن تكون على هامش الحياة ، تتلقى عاهات الدنيا ، ومخلفات الأمم الأخرى ، وإحباطات الزمن ، وهي تكتفي بالمشاهدة و اللوم ، و أحياناً أخرى تلتزم الصمت ، فرأت من السلامة التخلف عن الركب ؛ فتعيش جل أيامها ساخطة على فرصتها المحدودة في هذه الدنيا ، وعندما ينتهى وقتها تُدون رغماً عنها في هوامش التاريخ ؛ فيسقط بذلك اسمها من الذاكرة ، وتبتلع الأرض كل أثرها إذا كان لها أثر ، ويستريح منها العالم ، فهي لم تكن يوماً إلا رقماً زائداً وثقيلاً على هذه البصيرة.
  • وفي النقيض توجد فئة أخرى قررت العمل ، وأخذ مبادرة التقدم ، فكانت الدنيا لها بمثابة مسرح يجتمع فيه الممثلون الأبطال منهم والكمبارس الذين يلعبون أدوارا مختلفة في مشاهد متشابهة ، يؤدون السيناريوهات الحوارية معدة مسبقاً بأقلام تلك الفئة المبادرة ، فهم من تكفلوا بترتيب الأحداث والوقائع والمشاهد حسب ما يرونه من الأهداف التي تتلاءم مع واقعهم الزمني ، وهم أيضاً من يحددون دور كل شخص ببراعة ، فبيدهم خيوط اللعبة ، ومفاتيح المتاهة ، لم ينتظروا من التاريخ أن يتذكرهم ويكتب عنهم ، بل هم من خططوا وأخرجوا و كتبوا التاريخ بأيديهم .

إذاً؛ التاريخ يُكتب بأقلام حبرها أفعال البشر المتباينة ، ومواقفهم المتضادة ، والخالدون هم القلة الذين آمنوا بأن وجودهم في دنيا ليس أمراً عبثاً ، بل هو وجوداً مقدراً ، وحضوراً مسطراً ، والتاريخ يشهد على أسماء اختارت أن تُنجز في سنوات معدودة أعمالا مميزاً، كسبت على إثرها ذكراً مسجلاً لقرون متعاقبة ، بسبب إنتاجهم الإنساني الفريد ، الذي لا يمكن أن يتم تجاهله ، دون أن يُحفظ و يُوّرث للأجيال القادمة ، فالتاريخ هو المرآة الصادقة التي تعكس ما كانت عليه ظواهرنا ، فمن عاش لكي يُشكر ويثنى عليه بعد مماته اختار الخلود المقدس من خلال السير بخطى الأنبياء ، أصحاب الرسالات السامية ، والنفوس الراقية ، التي تخطت حدود جغرافيتها ، ومعوقات عصرها ، الذين عاشوا لغيرهم وآمنوا بالخير طريقاً للحياة ، فكانت حياتهم رغم قصرها منابر تنوير إشعاعاً على أرجاء المعمورة ، أما من اختار الخلود اللعين ، فهم من غالبتهم النفس الأمارة بالسوء ، فعاشوا لذواتهم ، وقدسوا أهواءهم وشهواتهم ، فكان الدم ، والترهيب والقتل ، والتهجير ، والسحر ، والغرور ، ما جعلهم ملعونين على كل لسان من نهاية عصرهم إلى آخر الزمان .

إن الإنسان خُلق لكي يعيش حياة رغم قصرها تحمل مسؤوليات جساما ، تتمثل في خلافته للأرض التي أستأمن الله عليها ، فتلك الأرض شاهدة على إرادة الإنسان الصلبة التي تتحدى الضعف البشري ، وضيق الزمن العمري ، وتراهن على إمكانياتها الممكنة في العمل والإنجاز والمبادرة رغم الحياة القصيرة والمتعبة؛ فقد عاشوا حياتهم بطريقة التي رأوها بأنها لهم منصفة وعادلة فأضافوا إلى سجل التاريخ صفحة تستحق أن تُؤخذ منها دروس ومواعظ وعبر ، فالتاريخ الإنساني كله ما هو إلا صفحات بشرية جُمعت ، فأي صفحة تريد “أنت” أن تُضيف إليها ؟

%d مدونون معجبون بهذه: