الرئيس آدن عبد الله عثمان – أول رئيس للجمهورية الصومالية (٢/٢)

مرحلة رئاسة عبدالرزاق للحكومة

ولدى انتهاء الانتخابات البرلمانية للولاية الثانية فى تاريخ الجمهورية، كان عبد الرشيد يعتقد أن إعادة تعيينه حقيقة مفروغ منها لشعبيته، ولإنجازاته خلال فترة ولايته ولعدم وجود منافس قوى له.

وأخذت كل المجموعات التى استأنس برأيها لاختيار رئيس الوزراء طبقا للتقاليد الدستورية تشير إلى أنّ عبد الرشيد هو مرشحها الأول والأخير. وقد رافقت مجموعة زارت الرئيس لمناصرة إعادة اختيار عبد الرشيد على شرماركى لرئاسة الوزراء، التي كانت تتكون من الشريف محمود عبد الرحمن، رئيس الرابطة الإسلامية، وعمر بانفونزى، عضو سابق فى اللجنة المركزية لحزب وحدة الشباب الصومالي وعضو مؤسس لحزب صوماليا الكبرى عندما انشق عن حزب الوحدة، ورجل أعمال كبير، والحاج ديرية، وهو رجل أعمال ومن كبار الأعيان ومن قادة الرأي والمناضلين القدامى في صفوف حزب الوحدة من أجل الاستقلال.

[toc] وبعد أن استمع الرئيس باهتمام وتقدير إلى وجهة نظرهم المؤيدة لترشيح عبد الرشيد، ردّ عليهم بعد أن أعرب عن ترحيبه بهم، واحترامه لرؤيتهم. فتكلّم بحرقة وألم عن البادرة التي اتخذها عبد الرشيد للالتفاف على صلاحياته كرئيس للجمهورية، والتآمر عليه باستصدار توقيع من رئيس البرلمان في الوقت الذي كان غائبا عن البلاد لمدة أربعة أيام فقط. واعتبر تلك الحادثة اعتداء صارخا على اختصاصاته. وقال” إنني احترمت صلاحياته، أمّا هو فلم يحترم صلاحياتي.

وأضاف، أن صلاحية رئيس البرلمان في ممارسة مهام رئيس الجمهورية تأتي عندما يكون الرئيس مصابا بعجز أو مرض عضال أو غائب عن البلاد لمدة طويلة تحول بينه وبين ممارسة عمله بشكل طبيعي، ولم يحدث شيئ من هذا القبيل، بل كنت في مهمة رسمية لمدة قصيرة. وكانت تكفى مكالمة تليفونية منه لإحاطتى بالأمر، ومعرفة استعدادى للتوقيع على هذه الإتفاقية أم لا، إنّ تصرفه ينم عن لؤم وغدر مبيت. وكان عندي من الصلاحيات لو كنت رجلا انفعاليا غير متبصر للعواقب أن أقيله، لكننى لم أفعل، ولم أصطنع أزمة دستورية كما فعل هو”.

ولم يلق بالا إلى كل الضغوط واللوبيات التي مورست لصالح عبد الرشيد، بل عين بدلا منه عبد الرزاق حاج حسين رئيسا للوزراء. وعبد الرزاق في حد ذاته زعيم لا يشق له غبار، فقد كان زعيما بارزا في حزب الوحدة ، وأبلى بلاء حسنا في الكفاح الوطني، وكان اليد اليمنى لرئيس الوزراء في وزارة عبد الرشيد حيث تقلد كلا من وزارة الداخلية والأشغال العامة. واشتهر بالحزم وبالحرص على أموال الدولة، لدرجة أن حاز على لقب “عبد أوار” بمعنى “عبد القحط” أي على نقيض اسمه عبد الرزاق. واتصفت العلاقات بينه وبين رئيس الجمهورية بالحميمية والتعاون الوثيق.

وكان عبد الرزاق قارئا ممتازا ومطلعا على كل التقارير والأبحاث التي أعدت من قبل الخبراء الدوليين، واستخلص نتيجتين: الأولى: أنه رغم الحصول على الاستقلال ووجود حكم وطني، إلا أنه لا توجد دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين إلاّ بإنشاء إدارة مؤهلة بكلّ الخبرات اللازمة، كفؤة، ومحترفة، غير مسيسة. ولسد هذا العجز، فإنه أنشأ “مدرسة الإدارة العامة” التي هدفها أن تكون معهدا للتدريب على علوم الإدارة لتكوين كوادر جديدة، وإعادة تأهيل الموظفين العاملين في الإدارة، ومساعدة الموظفين بكل درجاتهم على رفع مستوياتهم بإعادة تمرينهم خلال العمل .

وأخيرا وليس آخرا ، إيفادهم للخارج للحصول على التخصصات العالية في مجال الإدارة. الثانية : لا يمكن تحقيق الكفاءة في الإدارة إلا بمحاربة الفساد ،الذي كان مستشريا إلى حد كبير، وقرر تطهير الإدارة من المرتشين والفاسدين مهما علا قدرهم، وطرد منهم ستين موظفا ساميا من مناصب الدرجة الأولى في الحكومة وفى المرافق العامة ، كانوا كلهم من الأفذاذ المتمتعين بالنفوذ والجاه وبشبكة من العلاقات الاجتماعية والعشائرية.

وقد شكلت هذه المجموعة فيما بعد مجموعة للضغط وجبهة سياسية عريضة ساهمت في نهاية المطاف، في إسقاط الثنائي آدن عبد الله وعبد الرزاق من الحكم. ليس هنا مجال الحديث عن عبد الرزاق، لكن ما أود قوله هو، أن التوافق بين الرئيسين ورؤيتهما المشتركة في كل الأمور والتفاهم الوثيق بينهما هو الذي أفضى إلى إنجاز هذين القرارين التاريخيين. وكما يقول المثل، تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن .

وتوقفت مسيرة بناء الإدارة العامة، التي أصلا لم تقف على قدميها بسبب التقلبات السياسية، ثم تسييس الإدارة وعسكرتها بل وتدميرها بحجة تصفية الإدارة من أعداء الثورة ورفع شعارات الإخلاص قبل الكفاءة التي لاتعنى إلاّ تغيير معايير التأهيل والخبرة بمعايير الولاء الشخصي والمحسوبية والمشاركة في جوقات عبادة الفرد. وفى إطار الإصلاح الإداري لمحاربة المحسوبية والعشائرية أصدر عبد الرزاق قانونا بموجبه وضع معايير لتقييم الشهادات الدراسية وتحديد ضوابط تشغيل درجات الوظائف العمومية، وألاّ يكون التعيين إلاّ بعد مسابقة عمومية وبناء على امتحان. ورفع شعار “الرجل المناسب فى المكان المناسب”.

%d مدونون معجبون بهذه: