الرئيس آدن عبد الله عثمان – أول رئيس للجمهورية الصومالية (١/٢)

شاهد على عصر
هذه ليست دراسة تاريخية، وإنما خواطر وذكريات عن عهد الرئيس آدن عبدالله عثمان، قائد معركة الاستقلال الوطنى وأول رئيس للجمهورية الصومالية 1960- 1967م مساهمة منى فى تقييم تلك الفترة، ومقارنتها بالفترة التى أعقبتها والتى اتسمت بالعنف والتوتر وسفك الدماء ثم أدت فى نهاية المطاف إلى تفكيك أواصر الانتماء إلى الوطن الواحد، ومن ثم خيانة كل الآمال التى قامت عليها الحركة الوطنية الصومالية، بدءا بحركة التحرير التى قادها المجاهد الأعظم محمد عبدالله حسن حتى تأسيس الدولة الصومالية بقيادة رجل الدولة القدير آدن عبدالله عثمان.

لايمكن تقييم دور رجل دولة ومساهمته فى مصير بلاده إيجابا أو سلبا إلاّ بعد انقضاء ثلاثة عقود، كما يقول المؤرخون، والآن وقد انقضى حوالي اثنين وأربعين عاما منذ أن ترك أول رئيس للصومال زمام القيادة لخلفه فى 10 يونيو 1967 بعد الانتخابات الرئاسية، فإننا نريد أن نحلل ونثمن دوره التاريخى ومساهمته الشخصية فى تاريخ الحركة الوطنية الصومالية لتحقيق الاستقلال الوطنى وبناء الدولة الصومالية.

ولقد رأيت أن من الضرورة الكتابة عن هذا الرجل وفترته بعد أن لاحظت ندرة ما كتب عنه، بل إنني مع اطلاعي على ما يكتب عن الصومال باللغات العربية والإنجليزية والإيطالية، لم أصادف كتابا أو مقالا مخصصا لدراسة فترة هذا الرجل. وقد سألت ابنه عن مدى معرفته لشيء من ذلك فأكد لي أنه – حسب علمه – لم يكتب عنه شيئ بعد.

وأداء للأمانة وتحفيزا لذاكرة الوطن رأيت أن من الضرورة بمكان الكتابة عن هذا الرجل، حتى وإن كانت خواطر من الذاكرة التي خرمها الدهر، تحفيزا لغيري من الكتاب والدارسين للالتفات إلى الدراسة الأكاديمية المعمقة لفترة رئاسة هذا الرجل ولشخصيته. ولعل الأمر يكون آكد إذا عرفنا أن الصومال لم يدخل مرحلة الفوضى الإدارية والاغتيالات السياسية إلا بعد فترته. بينما امتازت فترته بالاستقرار السياسي وبناء أسس الدولة الصومالية الحديثة.

فالممارسات التي انتهجها خلفه الدكتور عبدالرشيد على شرماركى، الذى اختار بدوره محمد إبراهيم عقال رئيسا للوزراء، ومن بعدهما السلطة العسكرية حتى انهيار أسس الدولة، تختلف جذريا عما عهدته البلاد فى ظل رئاسة آدن عبدالله عثمان. فسرعان ما هوت البلاد فى دوامة التخبط والعنف بدءا باغتيال الرئيس عبد الرشيد علي شرماركى، وأعقبه مباشرة الانقلاب العسكرى فى أكتوبر 1969م، وتوالت الحوادث فى سيناريو كابوسي امتدت لعشرين عاما، أكلت الأخضر واليابس، وجرت أنهار من الدماء والدموع، ولما ضاقت السبل أمام حل أزمة الحكم، انهار النظام برمته، وتداخلت عوامل داخلية ودولية وإقليمية لتدمر الدولة الصومالية.

وإذا عدنا بالذاكرة إلى فترة رئاسة آدن عبدالله من أول يوليو 1960م حتى يونيو 1967م، فإن تلك الفترة تميزت بإرساء قواعد الدولة وإنشاء المؤسسات الأمنية والنيابية وصوملة الإدارة العامة وبناء المشاريع الاقتصادية الكبرى والانفتاح على العالم بغربه وشرقه والتضامن مع العالم العربى والإسلامى والإفريقى وعدم الانحياز. ورغم التخلف الشديد وعدم توفر الخبرات والمؤهلات اللاّزمة للحكم، فإن النظام سعى إلى تكملة هذا النقص بطلب المساعدات التعليمية والخبرات المهنية وإنشاء المدارس والمعاهد، وتدفقت هذه المساعدات بلا حساب من اليونسكو ومصر وإيطاليا والاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وغيرها من الدول الاشتراكية، كما تلقت الدولة مساعدات اقتصادية مجزية من الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة وإيطاليا والصين الشعبية.

أما نظام الحكم الداخلى فقد أخذ بعين الاعتبار الحساسيات العشائرية والمناطقية، ولذلك فإن البرلمان ومجلس الوزراء والإدارة العامة وسائر المؤسسات العامة المدنية والعسكرية كانت بشكل عام تعكس كل أطياف المجتمع الصومالى بكافة فسيفسائه، أى بمعنى آخر لم يكن هناك إقصاء لطرف دون آخر، وكانت الدولة محايدة أمام الصراعات داخل المجتمع ولاسيما العنصرية والإثنية. وكانت القرارات على كافة المستويات فى داخل الحزب الحاكم أو فى مجلس الوزراء أو فى البرلمان تتخذ بالتوافق.

أخذ بعين الاعتبار الحساسيات العشائرية والمناطقية، ولذلك فإن البرلمان ومجلس الوزراء والإدارة العامة وسائر المؤسسات العامة المدنية والعسكرية كانت بشكل عام تعكس كل أطياف المجتمع الصومالى بكافة فسيفسائه، أى بمعنى آخر لم يكن هناك إقصاء لطرف دون آخر، وكانت الدولة محايدة أمام الصراعات داخل المجتمع ولاسيما العنصرية والإثنية.

ولما كانت مشكلة المشاكل في المجتمع الصومالي هى الحساسيات القبلية وقد كانت تحت السيطرة، فإن الأمن والسلام كانا يسودان طول البلاد وعرضها، وكانت الحريات السياسية والمدنية مكفولة، وتميزت الانتخابات التي أجريت فى ظل حكم الرئيس الأول رغم بعض السلبيات بالمعقولية، وبعدم محاولة المؤسسة الحاكمة التأثير فيها، وكانت نتائجها مقبولة بصفة عامة.

البداية

انضم آدن عبدا لله عثمان إلى حركة “نادي الشباب الصومالي” الذي أصبح فيما بعد (حزب وحدة الشباب الصومالى) فى عام 1944م، وأصبح عضوا قياديا فى فرعه فى مدينة بلدوين جنبا إلى جنب مع عبدالله عيسى الذى أصبح فيما بعد أول رئيس لمجلس الوزراء فى عهد الحكم الذاتى، ومع علي جمعالى الذى أصبح كذلك أول وزير صومالى للشئون الاجتماعية والتعليمية والصحية أثناء الحكم الذاتى فى عام 1956م. وكان آدن عبد الله عثمان يتمتع بقوة الشخصية والثقة بالنفس وبسداد الرأى وبالصراحة المطلقة وبقوة الحجة وبالاستقلالية والتجرد عن الهوى والانحياز والتأفف عن صغائر الأمور وطهارة اليد، وقد بدأ نجمه يصعد تقريبا حوالى 1953م فى اجتماع حاسم للجنة المركزية للحزب في مقدشوة.

وكان آدن عبد الله عثمان يتمتع بقوة الشخصية والثقة بالنفس وبسداد الرأى وبالصراحة المطلقة وبقوة الحجة وبالاستقلالية والتجرد عن الهوى والانحياز والتأفف عن صغائر الأمور وطهارة اليد، وقد بدأ نجمه يصعد تقريبا حوالى 1953م فى اجتماع حاسم للجنة المركزية للحزب في مقدشوة.

كان حزب وحدة الشباب الصومالي يعارض بشدة عودة الحكم الإيطالي إلى الصومال بعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية لا سيما وأن تاريخها الأسود الذى أخذ طابع الاستعمار الاستيطانى والتمييز العنصرى الذى اغتصب كل الأراضى الزراعية الخصبة المملوكة للصوماليين على ضفاف نهرى جوبا وشبيلى لتمليكها للإيطاليين، وأجبر الفلاحين الصوماليين على العمل فى نفس المزارع عنوة بدون أجر، وبإنزال العقاب الجسدى عليهم بالكرباج، وبفرض العقوبات الجماعية على العشائر بمصادرة ممتلكانهم ومواشيهم فى حالة اتهام أي فرد من أفراد العشيرة بارتكاب جريمة، كما كان يفرض على الناس ممارسة التقاليد التى تكرس العبودية والخنوع، كخلع الأحذية لدى الدخول فى المكاتب الحكومية وحرمان التعليم بقانون صدر فى عام 1923م كان مطبقا على كل المستعمرات الإيطالية، علاوة على ممارسات أخرى وحشية توصف بإيجاز شديد فى الأدبيات السياسية بالنظام الفاشي، وقد سجل الحزب موقفه هذا، أثناء زيارة وفد من مجلس الأمن للتحقيق فى مصير المستعمرات الإيطالية فى عام 1948م.

كان الاستعمار الإيطالي استعمارا استيطانيا يمارس التمييز العنصرى واغتصب كل الأراضى الزراعية الخصبة المملوكة للصوماليين على ضفاف نهرى جوبا وشبيلى لتمليكها للإيطاليين، وأجبر الفلاحين الصوماليين على العمل فى نفس المزارع عنوة بدون أجر، وبإنزال العقاب الجسدى عليهم بالكرباج، وبفرض العقوبات الجماعية على العشائر بمصادرة ممتلكانهم ومواشيهم فى حالة اتهام أي فرد من أفراد العشيرة بارتكاب جريمة.

وأثناء هذه الزيارة، حاول عدد كبير من الأحزاب الموالية لإيطاليا التصدى لمظاهرة من حزب الوحدة لمنعها من التعبير عن اعتراضه على عودة إيطاليا إلى الصومال، فاعتدت على مقر الحزب وعلى المظاهرة، وتطور الصدام إلى مواجهة مسلحة بين الصوماليين من جهة والإيطاليين من جهة أخرى تمخضت عن قتل 52 إيطاليا وجرح المئات منهم، وفى أعقابها هاجر آلاف الإيطاليين إلى بلادهم خوفا على حياتهم.

ومنذئذ، بلغ العداء بين الصوماليين والإيطاليين أشده. وفى ظل هذا المناخ الملبد بالتوتر والشحناء، عادت إيطاليا إلى الصومال في عام 1950م طبقا لقرار الأمم المتحدة كدولة وصية لمدة عشر سنوات. وفى ظل اشتداد الحرب الباردة حينئذ بين الشرق والغرب، وسيطرة النظام الاستعمارى على العالم أجمع، كانت إيطاليا تتطلع إلى الالتفاف على نظام الوصاية، وتحويله إلى نظام استعماري دائم. وفعلا، بدأت الأحزاب الموالية لإيطاليا بتقديم طلبات إلى الأمم المتحدة لتمديد فترة الوصاية إلى ثلاثين عاما . وبمجرد عودة إيطاليا إلى الصومال بدأت تمارس سياسة القمع بالزج في السجون واستخدام الرصاص الحى فى فض المظاهرات وإبعاد الموظفين المتعاطفين مع الحزب من الوظائف الحكومية. وقد وقعت مواجهات دامية فى كل من كسمايو وبيدوة، دفع الإيطاليون خلالها قوات الشرطة وأنصارهم إلى التصفيات الجسدية لمناضلى الحزب وهتك الأعراض ونهب الممتلكات، وأخيرا وليس آخرا، رفعت شعارات انفصال إقليم جوبا العليا (باي وبكول حاليا) عن سائر الصومال. وكانت إيطاليا لا تعترف بحزب الوحدة حينئذ، ولا تتعامل إلاّ مع الأحزاب الموالية لها.

حكمة وبعد نظر

الصورة تظهر الرؤساء الثلاثة للصومال من اليمين آدن عبد الله عثمان، أول رئيس للصومال. ومن اليسار عبد الرشيد علي شارماركي، ثاني رئيس للصومال، وفي الوسط يبدو زياد بري بالزي العسكري والبنطال القصير قائد الانقلاب العسكري والرئيس الثالث للصومال محمد زياد بري. يبدو أن هذه الصورة التقطت في عهد رئاسة آدن عبد الله عثمان.

الصورة تظهر الرؤساء الثلاثة للصومال قبل انهيار الدولة من اليمين آدن عبد الله عثمان، أول رئيس للصومال. ومن اليسار عبد الرشيد علي شارماركي، ثاني رئيس للصومال، وفي الوسط يبدو زياد بري بالزي العسكري والبنطال القصير قائد الانقلاب العسكري والرئيس الثالث للصومال محمد زياد بري. يبدو أن هذه الصورة التقطت في عهد رئاسة آدن عبد الله عثمان.

وفى ظل هذا الجو الخانق والمتوتر عقد الحزب مؤتمرا للجنة المركزية لدراسة الموقف. وكان آدن عبدا لله عثمان حاضرا، وقد روى لي السياسي المخضرم عبد القادر محمد (زوبى)، الذي كان وزيرا للمالية في وزارة عبد الرزاق حاج حسين، وكان حاضرا فى الاجتماع كذلك قائلا ” كان الاجتماع عاصفا، وكان الاستياء شديدا من الممارسات القمعية التي كانت ترتكبها قوات الأمن الإيطالية، وكان الاتجاه السائد هو عدم مهادنة إيطاليا، واللجوء إلى الكفاح المسلح لمقاومتها، ولدى اتخاذ القرار الذى كان بالتصويت برفع اليد، كان هو الوحيد من بين أحد عشر عضوا فى اللجنة المركزية الذي صوت ضد المقاومة المسلحة، الأمر الذي أصاب بخيبة الأمل والصدمة زملاءه. ولما كان هو الوحيد المعترض، فقد طلب منه شرح وجهة نظره، إمعانا في إحراجه وفى تحديه.

وبدأ آدن عبدالله كلمته بتحليل وشرح اتفاقية الوصاية المبرمة بين الأمم المتحدة وإيطاليا التي تنص على منح الاستقلال فى مدة عشر سنوات، وسائر الالتزامات الأخرى المنصوص فيها، كما تنص على وجود نظام دولى للرقابة على تصرفات الإدارة الإيطالية عبر مجلس استشارى مقيم فى مقدشو مكون من مندوبين لثلاث دول هي مصر وكولومبيا والفلبين، يتولّى تقديم تقارير دورية إلى مجلس الوصاية الدولى التابع للأمم المتحدة، كما أن للأحزاب السياسية الحق في رفع التقارير إلى المجلس وتقديم الشكاوى والاعتراضات على ممارسات الإدارة.

وأوضح آدن عبد الله، أن إيطاليا الحالية، ليست الدولة الفاشبة القوية المتحالفة مع ألمانيا النازية، وأنها دولة مهزومة، ويعاملها المجتمع الدولي من ذلك المنظور، ولايمكنها التحلل من التزاماتها الدولية لو مارس الحزب كلّ أوراقه السياسية بكفاءة لإجبارها على التنفيذ الحرفى والنزيه لاتفاقية الوصاية. ثم تكلم عن الكفاح المسلّح،” فقال إنه لا مبرر له، طالما أنه يمكن تحقيق أهداف الحزب بالوسائل السلمية ومن بينها المطالبة بالصوملة التدريجية للإدارة ومتابعة تنفيذ البنود المتعلقة بتأهيل الكوادر والخبرات اللازمة، كما أن الكفاح المسلح يشكل الهدية النادرة التي تسمح لإيطاليا بخلط الأوراق”.

ثم تطرق إلى الخطر الذي يحدق بأعضاء الحزب العاملين في الوظائف العمومية، فقال إنهم سيتعرضون للطرد وهذا يمثل خسارة للحزب. ثم أشار إلى أن الأحزاب الموالية لإيطاليا، لا تتمتع بالمصداقية ولا بالشرعية الشعبية، وأن الدولة الوصية تجد نفسها محرجة فى التعامل معها فقط، وتحبذ التعاون مع الحزب لرفع مصداقيتها الدولية.

وأخيرا، دعا إلى التعاون مع إيطاليا، الأمر الذي سيمكن الحزب في نهاية المطاف لدى انتهاء فترة الوصاية من تقلد زمام السلطة. وقد استطاع بقوة عرضه وبلاغته فى اللغة الصومالية، والحجج القانونية والسياسية التى طرحها أن يغير آراء الحاضرين 180 درجة ، والذين انبهروا بقوة منطقه ومن ذكائه الحاد وشجاعته المعنوية أمام جمهور معاد.

استطاع بقوة عرضه وبلاغته فى اللغة الصومالية، والحجج القانونية والسياسية التى طرحها أن يغير آراء الحاضرين 180 درجة ، والذين انبهروا بقوة منطقه ومن ذكائه الحاد وشجاعته المعنوية أمام جمهور معاد.

هذه القصة تظهر الدور الرئيسى الذى لعبه آدن عبد الله كمفكر ومنظر استراتيجى فى صنع القرار السياسي. كما تظهر حكمته وبعد نظره للأمور. وبعد أن تبنى الحزب وجهة نظره، عين مباشرة رئيسا لحزب وحدة الشباب الصومالي في عام 1954م. ومنذئذ، برز كزعيم يملك رؤية مستقبلية وقائد محنك بدأ يقود معركة النضال من أجل الاستقلال حتى تم تحقيقه في عام 1960م، وكانت البوصلة التي حددت معالم الطريق، ذلك الخطاب الجامع الذي ألقاه آدن عبدالله في ذلك الاجتماع.

رجل الدولة

آدن عبد الله عثمان، أول رئيس للصومال

آدن عبد الله عثمان، أول رئيس للصومال

اختير آدن عبد الله عثمان عضوا في المجلس الإقليمي في عام 1953م ثم رئيسا للمجلس التشريعي في عام 1956م. ولما أنشئت الحكومة الذاتية في نفس العام لتمارس صلاحيات إدارة الشئون الداخلية برئاسة عبد الله عيسى الذي كان زعيما مرموقا في تاريخ نضال الحزب، كان آدن عبدالله عثمان الشخصية المهيمنة على المسرح السياسي والذي كانت تجتمع عنده كل الخيوط بحكم رئاسته للحزب والمجلس التشريعي وتوليه ملفات التفاوض مع الإدارة الإيطالية . وكانت الإدارة الإيطالية بحكم نزاهته ومهاراته القيادية تعمل له ألف حساب، إذ كانت تعتبره ضمير الشعب الذي لا يمكن تجاوزه، ولذلك فإن كل الإنجازات التي تحققت فى تلك الفترة في إطار صوملة الإدارة والتقدم نحو الاستقلال يرجع فضلها إليه، وقد ساعده فى التعامل مع الإيطاليين واحترامهم له إتقانه الكامل للغة الإيطالية وثقافته الواسعة التى كونها باطلاعه العريض.

وكانت الإدارة الإيطالية بحكم نزاهته ومهاراته القيادية تعمل له ألف حساب، إذ كانت تعتبره ضمير الشعب الذي لا يمكن تجاوزه، ولذلك فإن كل الإنجازات التي تحققت فى تلك الفترة في إطار صوملة الإدارة والتقدم نحو الاستقلال يرجع فضلها إليه، وقد ساعده فى التعامل مع الإيطاليين واحترامهم له إتقانه الكامل للغة الإيطالية وثقافته الواسعة التى كونها باطلاعه العريض.

وبعد إنشاء الحكم الذاتي بقليل نشبت أزمة وزارية حادة في داخل الحكومة ذات جذور عشائرية أدت إلى استقالة الحاج موسى بقر الذي كان وزيرا للداخلية، وكان من الزعماء المبرزين لحزب الوحدة، وتبعه فى ذلك آخرون، وعجزت الحكومة الإيطالية فى حلّها، وكانت مساعي آدن عبدا لله الحثيثة وصبره ومرونته وإدراكه الكامل لخفايا الحساسيات القبلية هي التي أفضت إلى رأب الصدع والتوفيق بين الطرفين وإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعى، ورجوع الوزراء المستقيلين إلى مناصبهم.

وقد اكتسب خلال عضويته في المجلس الإقليمى ثم في رئاسة المجلس التشريعي وإشرافه على لجنة إعداد الدستور ثقافة قانونية ودستورية وإدارية مكنته من أن يلم بكل تفاصيل الإدارة العامة والإحساس بالمصلحة العامة وأن يتمتع بروح الإنصاف والعدل الذي كان خير سلاح له في حزمه فى البت في أمور الدولة. وقد كلف آدن عبدالله عثمان عندما أنتخب رئيسا للجمهورية في يوليو 1960م الدكتور عبد الرشيد على شرماركى وهو من القادة التاريخيين للحزب ليتولى رئاسة الوزراء، وكان التعاون والانسجام بينهما عاليا في إدارة شئون الدولة كلٌ فى حدود صلاحياته واختصاصاته المنصوص عليها فى الدستور.

وتميز العهد بإنشاء المؤسسات الجديدة في مجال القوات المسلحة والشرطة والمنشئات الإقتصادية والتعليمية وبإقامة علاقات متوازنة مع كل من المعسكر الشرقي والغربي. وكان الصومال ثاني دولة إفريقية تعترف بالصين الشعبية بعد مصر الناصرية. وكان هذا الأمر يتطلب شجاعة نادرة لما يمثله من تحدٍ للاستعلاء الغربي الذي لم يقبل حتى عضوية الصين في الأمم المتحدة.

وكان الوفاق الوطني في أوجه. وكان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وسائر الوزراء يرتادون الشوارع والمحلات العامة بدون أي حراسة إطلاقا، الأمر الذي يعكس مدى السكينة والطمأنينة والأمان الذي كان يعم المجتمع الصومالي بأجمعه. وكانت هذه ظاهرة فريدة غير معهودة فى إفريقيا تثير دهشة وانبهار الزوار والأجانب الذين كانوا يتدفقون على البلاد.

حكمة في إدارة الأزمات

ولقد اشتدت منذ إعلان الاستقلال والوحدة بين الشطرين المستقلين (صوماليا والصومال البريطاني سابقا) حركة النضال من أجل التحرير والوحدة في الأقطار الأخرى وهى ساحل الصومال الفرنسي ( جيبوتي) وأنيفدى (المنطقة الصومالية في كينيا) والصومال الغربي، حيث كان النضال الوطني فيها متأججا. وعندما عرضت الحكومة الصومالية على الدول الغربية المساعدة فى بناء الجيش الوطني، رفضت ذلك بشدة بحجة أن البلاد لا تحتاج إلى ذلك خوفا وشكا فى نوايا الدولة الجديدة إزاء جيبوتي وكينيا وإثيوبيا.

وهنا كان لابد لعبد الرشيد الذى كان صديقا حميما لعبد الناصر “بطل حرب السويس” أن يستعين بمصر فى تدريب الكوادر الأساسية للقوات المسلحة . وفيما بعد، وبتشجيع من عبد الناصر، زار الاتحاد السوفيتي واستقبل بترحيب من زعيمه خروشوف الذي وعد بتقديم كل المساعدات اللازمة لبناء القوات المسلحة، ودعم إنشاء المرافق العامة والاقتصاد الوطني.

الرئيس أدن عبد الله عثمان يحيي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر

الرئيس أدن عبد الله عثمان يحيي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر

وصمم عبد الرشيد على المضي فى مسعاه لإبرام معاهدة للتعاون مع السوفيت في تدريب الجيش الصومالي وإمداده بالمعدات والتجهيزات والسلاح، الذي واجه اعتراضا شديدا من الدول الغربية. لكن كان لآدن عبدا لله وجهة نظر أخرى، حيث كان يؤثر التريث وعدم الاندفاع فى استعداء الغرب نظرا لما يشكله من مخاطر محتملة. ولم يرض هذا التردد عبد الرشيد الذي كان يلقى استحسانا واسعا لموقفه في الأوساط الشعبية والرسمية، وقرر أن يسير إلى نهاية الشوط غير مكترث برأي الرئيس آدن عبد الله ، فاستغل غياب رئيس الدولة عن البلاد في زيارة رسمية قصيرة إلى ألمانيا الغربية لمدة أربعة أيام وأقنع رئيس البرلمان الذى كان حينئذ جامع محمد غالب (من الشمال) بالتوقيع على اتفاقية التعاون مع السوفيت بدلا من الرئيس، الذي يملك هذه الصلاحية دستوريا فى حالة عجز الرئيس عن أداء مهماته.

اعتبر أدن عبد لله تلك سقطة لا تغتفر وإهانة لكرامته الشخصية، علاوة على اعتداء على اختصاصاته كرئيس للجمهورية، وكظم غيظه ولم يثأر لكرامته الجريحة، وكان بإمكانه أن يخلق أزمة دستورية بعزل رئيس الوزراء ومن ثم إسقاط الحكومة ، أو حل البرلمان بموجب صلاحياته الدستورية ، ولكنه لم يفعل ، وترك العاصفة تمر.

هنا استشاط الرئيس غضبا على هذا التصرف الذي اعتبره مهينا وينم عن سوء نية وانتهاكا صارخا لصلاحياته، ومنذئذ وقعت الجفوة الكبرى بين الرئيسين والصديقين اللذين كانت تربطهما زمالة كفاح مشترك وصداقة شخصية عبر مديد الزمن، وذبل التعاون بينهما إلاّ فى الحدود الدنيا. وشعر الجميع بالأزمة، لكن شعبية عبد الرشيد حينئذ كانت طاغية، فقد ارتفعت سمعته لاشتهاره بأنه يتحدى الاستعمار الذي رفض بناء وتسليح الجيش الصومالي. ولا أعتقد أن آدن عبدا لله كان يختلف معه فى جوهر الموضوع ولكنه كان يختلف معه فى التوقيت وفى الأسلوب انسجاما مع طبيعته الحذرة التى لا تحب المخاطرة.

واستمر آدن عبد الله يؤيد الاتفاقية، ولم يظهر في أي فترة أنه كان يعارضها حتى بعد أن ترك عبد الرشيد كرسي الحكم لخلفه عبد الرزاق حاج حسين لا بالقول ولا بالتحريض، بل استمرآدن عبد الله يؤيد سياسة التقارب مع السوفيت، ووافق على عرضهم بتوريد البترول من الاتحاد السوفيتي بدلا من إيطاليا فى وقت لاحق، وكان يعتمد على أطباء صينيين في علاجه ويصطحبهم معه في رحلاته إلى الخارج.

اعتبر أدن عبد لله تلك سقطة لا تغتفر وإهانة لكرامته الشخصية، علاوة على كونه اعتداء على اختصاصاته كرئيس للجمهورية، وكظم غيظه ولم يثأر لكرامته الجريحة، وكان بإمكانه أن يخلق أزمة دستورية بعزل رئيس الوزراء ومن ثم إسقاط الحكومة ، أو حل البرلمان بموجب صلاحياته الدستورية ، ولكنه لم يفعل ، وترك العاصفة تمر.

وكما قال في مناسبة بعد انتهاء الأزمة “أحس عبد الرشيد بالنشوة لأنه انتصر علىّ، وبأنه يستطيع لي ذراعي ، ونسى شيئا واحدا ، أنني وحدي أملك صلاحية إعادة تعيينه من عدمها”. وأسرّ فى نفسه أنه عند انتهاء الولاية البرلمانية ، فإنه لن يكلفه بتأليف الوزارة من جديد.

وإلى الحلقة المقبلة..

تعليق واحد

  1. سعادة السفير، أتابع كتاباتك على الشبكة وأرى أنك تختزن ذاكرة قوية من تاريخ الصومال ورجالاته. لقد قرأت ما كتبته عن والدك وأتابع الآن ما تكتبه عن أول رئيس للصومال. إنك تكشف عن معادن من الرجال غطى عليهم غبار المعارك في الحروب الأهلية. ولك الفضل في تعريفنا بهم ولولا مثل هذه الكتابات لما بقي من الصومال سوى ما تعرضه الشاشات يوميا من الملليشيات التي تحارب بلا بوصلة والقراصنة الذين لا يهمهم سوى الملايين التي يجنونها في حين أبناء الصومال لا عائل لهم ولا معين.
    أرفع قبعتي لك ولرجالاتك إكبارا وإجلالا.

%d مدونون معجبون بهذه: