صفحاتٌ مِن حياة الدّاعية الصومالي محمد أحمد رُوْبْلِه (بُقُلْ صُوْمْ) [2]

بعد فوات الأوان :

بما أن معلمنا كان يتعاطف مع الطريقة الأحمدية، أدرك في وقت متأخر جدا أنه ارتكب خطأ فادحا؛ حين سلم زمام تلاميذه إلى قادري بث أفكار القادرية ومنهجها بين طلابه؛ فاستاق عددا غفيرا منهم، عندها سقط في يد المعلم وحزن حزنا عميقا، عبره في أبيات من الشعر باللغة الصومالية مزج فيها العبر بالأسف، وكنت ممن استفزهم القادري، لذا يممت وجهي نحو الطريقة وتعصبت لها، لا تخطئني حلقة، ولا يفوتني لقاء، ندي الصوت، عذب الألحان بالتنغم بأشعار الطريقة، فإذا رفعت عقيرتي بـ

مَدَدْ يا جيلاني* مَدَدْ يا جيلاني* أغثْنا يا غوث * أغثْنا يا غوث

انجذب عدد كبير من المحلقين، وتمايل بعضهم إلى بعض، ويسمع منهم غمغمة وزفيرا. وكانت تعجبني تلك القصص الموضوعة بعبقرية ودهاء لتدهيش الطلاب بالكرمات التي يلقيها شيخنا بين فينة وأخرى بعد ختم لقاء الأربعاء. وكانت تجذبني بصفة خاصة قصة قبقاب الشيخ التي ملخصها:

” أن سارقا أراد أن يسرق قبْقاب الشيخ “أحذية الشيخ من الخشب”  فجلس تحت السرير إلى نصف الليل، ثم مات رجل من الأبدال، فنصبه الشيخ مكان الرجل المتوفى ” وكان يقول لنا: ” إن للغوث (الشيخ عبد القادر) اثني عشرة صفة لو كانت البحار مدادا، والأشجار أقلاما، والإنس والجن كتابا لما قدروا على بيان أدنى صفة من تلك الصفات”.

” الإنس لهم مشايخ، والملائكة لهم مشايخ، وأنا شيخ الكل”

  • نقود للألحان

حضر ابن عمتي ليلة في حلقة الأربعاء التي كانت تعقد في كل أسبوع مرة، وتخص بأشعار الزيلعية، فبهرته ألحاني مع حداثة عمري، فحباني نقودا عندما فض المجلس، فقال لي: هذا جزاء حسن صنعتك.

  • عبرات على الأوراق

وفي إحدى الليالي استدعاني معلمي – رحمه الله- وانفرد بي مستظلين في ليلة مقمرة بظلال جدار بيته فجرد رقعة من جيبه ونفث فيها ما فى نفسه من الحزن العميق، فلما أفقت من قراءتها نظر إلي، وقال: يا يوسف، هل ترغب فى أن أدعو لك دعوة مستجابة؟ فقلت فى تلهف: نعم يا معلمي! ثم قال: دع الطريقة القادرية؛ فإن علمهم عليل، فإن قبلت دعوتي فإن الله سيفتح لك آفاقا من العلم خير وأبرك مما عندهم. وقال لباقي التلامذة مثل ما قال لي.

عزوف عن القادرية :

منذ ذلك اليوم عزمت أن أفارق القادرية، ولكن بدأت أحاديث النفس وخواطر الأفكار تنتاب عليَّ بحيث أقدم رجلا وأؤخر أخرى.

بدأت أقرأ حاشية البيجوري ([1]) على ابن القاسم على الشيخ عبد الشكور([2]) – رحمه الله – أحد أفراد مشيخة الأحمدية، فرأيت – حال نومي في إحدى ليالي – وأنا أقرأ قوله تعالى: [ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ]([3]) على شيخي عبد الشكور، وكانت الآية مكتوبة على لوح من ألواح الكتاتيب المعهودة آنذاك، فرويت القصة للشيخ، فقال لي: ستتحول من فكرة كنت تعتنقها إلى فكرة أخرى.

بدأت أنسحب من مسجد القادرية شيئا فشيئا، وإن كان ثقيلا علي؛ لأنه كان لي فيه زملاء  طالت صحبتنا، ولأنه كان مسجدا عامرا بالدروس والحركة والمناشط المتنوعة من الرحلة إلى المقابر.وهو يتمتع بإدارة قوية، إذ كان الشيخ يوسف بن إبراهيم ماهرا في التنظيم والإدارة، وبما أنه لم يكن ينتسب إلى سكان البلد أجال نظراته على تلاميذه؛ فأسند إليهم الوظائف حسب تركيب السكان؛ فعين الشيخ ” أبا بكر ابن القاضي عبد الله الحسني([4])” إماما للمسجد. والشيخ ” آدم “خطيبا للجمعة” والشيخ ” جامع بن أحمد نور السليماني” مسئولا عن الأنشطة وجمع التبرعات وتنظيم الرحلات إلى الأضرحة، بينما أسند لصهره الشيخ ” معلم محمود بن معلم حسن اليبرطيري” نائبا له…. وبهذا التنظيم استطاع أن يتغلب على خصمه الشيخ ” عبد بن محمود الحسني” شيخ الطريقة الأحمدية الذي كان يتمتع بوفرة قبيلته القاطنة في المنطقة إلا أنه دخل في نزاع مع زعماء العشائر وقادة القبائل فور وصوله إلى المنطقة من مدينة ” مركة ([5])” التي بقي فيها أكثر من عشرين عاما يطلب من خلالها العلم الشرعي.

…………………………………………….

الهوامش :

 [1] – هو الشيخ: إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري، تولى مشيخة الأزهر من عام 1847- 1860.

[2] – هو الشيخ عبد الشكور الشيخ محمود يحيي توفي عام 1984.

[3] – القرآن الكريم، سورة الأحقاف، جزء من الآية 29.

[4] – هو ابن القاضي عبد الله المشهور وقد تولى القضاء في عيلبور، وكان من علماء الطريقة الأحمدية ولكن ولده صار قادريا.

[5] – مركة هي مدينة عريقة تطل على ساحل المحيط الهندي، وتبعد عن العاصمة 92 كلم.

%d مدونون معجبون بهذه: