ممثلو دور الضحية..!

” أنا ضحية ” هي عبارة نسمعها بين الحين والآخر؛ يقولها شخص ساخط على واقِعه المرير كما يراه ويعتقده هو ، ولكنها في الحقيقة هي عبارة شفوية تتحول إلى سلسال من العجز والنقص ، تلتف بعقل الإنسان وتطوق مدارك التفكير لديه وتحيط به من كل جانب وتمنعه عن الإنجاز والتقدم الشخصي ، وهو شعور سلبي يفقد معه الإنسان الطموح في التغير ويستسلم لفكرة أنه “ضحية” ، وبأن هناك مؤامرة تُحاك ضده في كل حين ، و أنه مسلوب الإرادة ، مقيد الحرية ، مُكبل اليدين ، ليس له حول ولا قوة ، وأنه مهما فعل ينتهي به الأمر إلى فشل يتحمله الآخرون ، هكذا ببساطة ما يعتقده ممثلو دور الضحية ، أو ما اصطلح على تسميته علمياً أصحاب “عقلية الضحية ” .

 هم نتيجة تنشئة اجتماعية غير متزنة وغير مرنة في مواجهة مواقف الحياة العادية ، فمجموعة من أساليب التنشئة الأولى التي خضع لها الشخص الذي يعتقد بأنه دائماً الضحية تُظهر بأنها كانت أساليب سلبية ، تتنصل من تحمل المسؤولية كما يجب ، فلغة اللوم ، وعتاب الآخرين ، والاعتقاد بأن ذلك الآخر هو أكثر حظاَ وسعادة بما يحظون به ، و أنهم مغلوبون على أمرهم ، كانت هي لغة التحاور في تلك البيئات الأسرية ، والطفل خير ما يتعلمه و يحاكيه هو واقعه المحيط به ، فتعلمَ الطفل أن يجادل بشراسة حتى يُقنع بأن الآخرين هم سبب مشكلاته وإحباطاته ، فوجد أسرة تصغي إلى قصصه المشحونة والمبالغة فيها ، وتهز الرأس مؤيدة له ، كبر الطفل وأضاف لتفكيره أنماط تفكير أخرى كلها تدور في نمط التفكير السلبي .

إذا هي طريقة تفكير يكتسبها العقل سواء كان هذا العقل لأفراد أو جماعات أو شعوب ، تعيش تلك الفئات وتقتات على فكرة المظلومية وعقلية الضحية ، عقلية غير مغامرة جامدة تجتر دائماً للمآسي الماضية لا لتتعظ بها بل لتبرر عدم إمكانية التغيير في الحاضر ، ضيقة الآفاق تدور في فلك واحد لا تقدم عملاً ولا تفعل جديداً ، كما يعتقدون هم ضحايا في زمن ظالم غير منصف ، وإنهم في زمن غير زمنهم ، يقرعون دائماً طبول الحزن ، ويبشرون بالهزيمة أمام الآخرين ، بأيديهم صحائف شكوى لا تنتهي ، وفي ذاكرتهم قائمة تحتوي الأعداء أكثر من الأصدقاء ، هم الأبرياء دائماً في دنيا الأشرار ، وضعفاء في عالم الأقوياء ، هم بحق من تكفل بإرجاع عجلة الحياة إلى الخلف .

هم المذنبون مع أنهم لا يعترفون بذلك ، على أعينهم غمامة سوداء ، لا يروق لهم إلا ما يشابه الأسود لوناً ، وما يماثل الغمامة في تشويشه للواقع ، هم مغيبون عن واقعهم الحقيقي، ويستلذون بإصغاء الآخرين لشكاويهم ، يعجبهم لفت نظر المحيطين بهم ، لديهم قدرة عالية على تضخيم الأمور والظهور بصورة من لا حيلة له ، ولكن لكل شيء نهاية وصبر الآخرين واستماعهم له حدود، ومساعدات الناس وإن طالت تزول ، فكل شخص لديه من الهموم ما تغنيه من استماع هموم أخرى ، فمع الوقت يتهرب الجميع من مجالستهم ، فلذلك ليس أمامهم إلا إنقاذ ذواتهم قبل فوات الأوان ، وحتى لا يكونوا ضحايا للضحية ذاتها ، ويُنسون مع الزمن.

وبمحاولة جادة للوقوف من جديد وتسلّم زمام الأمور تكون كافية لبداية حياة سليمة، وذلك لا يتطلب منهم إلا إيماناً مطلقاً بقوة الإرادة المستمدة من الله عز وجل ، وتسليح النفس بالمعاني الإيجابية التي تدفع الإنسان إلى العمل والإنجاز ، والعمل على مُدارسة حقيقة روحية عن الركن الإيماني الأعظم، والذي ينص على التسليم بالقدَر خيره وشره بالامتثال له كما ينبغي؛ مع الإتيان بنية بأخرى جديدة متفائلة مشرقة تجذب الحظ الحسن وتستمر معها الحياة .

%d مدونون معجبون بهذه: