عملة فاسدة..!

 يبدو أن مفاجئات صانع القرار الصومالي لا تنتهي قريباً ، فمنذ أيام استيقظت بعض المناطق في الصومال على أزمة اقتصادية خانقة و بدون سابق إنذار ؛ فنتج عن ذلك فوضى اقتصادية ، وغلاء معيشيا على نحو غير متوقع، مما أحدث بلبلة مالية دفعت الموطن الصومالي للنزول إلى الشارع متظاهراً ، مستفسراً ، وطالباً أبسط حقوقه، وهي مراعاة ظروفه .

تلك المفاجئة التي صدمت المواطن ، لم تكن صادمة بذلك القدر لصانع القرار ، فبعلم بعض قادة الصومال تم إدخال كميات هائلة من العملة الصومالية “المزيفة”، التي لا تعادل كمية ” الدولار ” وهي العملة الصعبة المتوفرة في داخل الصومال ؛ مما أدخل المواطن البسيط في مواجهات صعبة مع سوق الصرف المحلي، وهذه الأزمة الاقتصادية ليست جديدة ولا خاصة بمنطقة دون أخرى ، بل هي تعتبر من أزمات الفساد الاقتصادي الموجود والمتكرر دائماً في الصومال .

الاقتصاد هو عصب الحياة الضرورية ، وحياة هادئة تعني اقتصادا متوازنا ، وهذه المعادلة يجب أن تبقى ثابتة ، حتى تضمن الدولة الصومالية – بشقيها الأمني و السياسي – الاستمرارية والسيادة . فتبعية الاقتصاد للسياسة حقيقة لا يمكن تجاهلها أو التنكر لها ، لكن لا تعني هذه التبعية بأحقية المشتغلين في السياسة بأن يكون لهم اليد الطولى في الاقتصاد متفردين بالقرار المالي بدون الرجوع إلى الاقتصاديين والمواطنين بدرجة أولى ، خاصة عندما يكون هذا التفرد في ظل أوضاع اقتصادية متذبذبة وغير مستقرة، وبوجود قابلية للانتكاسات الاقتصادية السريعة و الحادة ، ومع وجود أدلة كثيرة تشير إلى سوء استغلال السلطة لتحقيق مكاسب خاصة . وعلى ضوء تلك الحجج وغيرها لا يحق للسياسيين أن يمضوا بحقيبة المال الوطني بدون الرجوع للمواطن الذي هو في النهاية صاحب هذه الحقيبة .

فالغموض الذي يحيط بمداخل المال و مصارفه يبعث على الشك والتساؤل عن هذا المال الذي يأتي ويذهب دون آثار واضحة على حياة المواطن وعلى الوطن . والذي يزيد الريبة هو أنه ليس هناك توضيح مُفصل لميزانيات الدولة ، وعن خطط الدولة الاقتصادية ، فكل ما يقال للمواطن هو مجموعة أرقام ووعود واهية حول إنجازات اقتصادية وتنموية ، إلى جانب حديثهم عن ذلك أمام جمع من الصحفيين والحضور المؤيد الذي يقابل ذلك بالتصفيق الحار والزغاريد والهتافات المباركة، من دون مناقشة مفتوحة ولا رؤية واقعية مقنعة ، ولا ترتيب زمني واضح ، فغياب الشفافية والوضوح في ميزانية الدولة الصومالية ومصاريفها ساهم في تأزم الوضع الاقتصادي الصومالي .

إن غياب صوت القانون الرادع في الصومال، سهل انتشار الفساد الاقتصادي بأعلى المستويات وعلى جميع المسارات ، مما قوض عجلة التنمية الوطنية ، وشوه صورة الاقتصاد الصومالي المشوهة أصلاً ، وساهم في خلق مجتمع متناحر ومتنافس على تقلّد مناصب إدارية وسياسية اعتقادا منهم بأن الحق يؤخذ بالذراع .

إن صوت الشعب الخافت ، وهمهماته المتزايدة فيها دلالة على الشعور بالظالم والخيبة، وإنه مغيب عن واقعه الاقتصادي ، فهتاف المتظاهر الصومالي هو في الحقيقة بركان صامت ، وأن الفساد بلغ مداه ، فهلا انتبه الرئيس إلى أن قمة الفساد هي أن يُحلق في السماء مسافرا ، ويترك خلفه جنديا محروما لم يستلم راتبه منذ أشهر .

%d مدونون معجبون بهذه: