معلِّم أم مصارِع ..!

ارتبط الضرب بالمعلم الصومالي منذ قديم الزمان ، وكان يشفع له ذلك مكانه المرموق الذي كان ومازال يتمتع به المعلم في داخل المجتمع المحلي ، و الضرب بشكل عام كان يعتبر الوسيلة التربوية البدائية والمفضلة في أغلب المجتمعات حول العالم ، ولم يكن المعلم الصومالي إلا انعكاسا لما كان سائدا في تلك الفترة الماضية ، ولكن مع مرور الزمن ، و مع استحداث الكثير من النظريات التربوية ، التي ساهمت في إحداث تغير كامل للمفاهيم المتعلقة بطرائق التعليم و التدريس و التهذيب أصبح الضرب غير محبوب بين أوساط التربويين ، بل حاولوا قدر الإمكان إقصاءه عن العملية التربوية ؛ لنتائجه الضارة على المتعلم ، ولما فيه من دكتاتورية غير منصفة من قبل المعلم على الطالب ؛ ولذلك نجد بأن أغلب النظم التربوية الحديثة تميل إلى تجريم الضرب في التعليم ، وسن القوانين التي تحد من هذا الموروث الغير الصحيح .

ولكن عند الحديث عن الضرب في التعليم الصومالي فنجده لم يأخذ الاهتمام الكافي الذي يؤدي إلى تجريم مرتكب الضرب ، حتى مع وجود تلك الأصوات الجادة التي تنادي بوقف الضرب في المدارس و بشكل مستعجل في حلقات تحفيظ القرآن الكريم ، وبالتالي نرى أن هناك عدم جدية في المضي قدماً نحو أخذ الإجراءات المناسبة من قبل القائمين على التعليم ؛ وذلك مع يمر علينا يوميا من حالات مؤلمة ، و صادمة ، مثل حالة طفل ذي عشر سنوات تلقى ضربة على مؤخرة رأسه مما أفقده الحراك وأصبح طريح الفراش ، وهو الآن يدور مع أهله بين مستشفيات الداخل والخارج لعله يسترجع صحته ، أو حالة ذلك الطالب الذي فقد البصر جراء ضربة خاطئة لم تكن موجهة له وإنما لزميل آخر ، أو عن تلك الطالبة في المرحلة الثانوية التي صُفعت بصفعات متتالية أمام زملائها من قبل معلمها ، متجاوزاً بذلك كل القيم الدينية والاجتماعية ، ونحن أمام تلك الحالات نقف متسائلين إلى متى هذه التجاوزات المهينة التي يقوم بها المعلم – الذي نسي في ” لحظة غضب” دوره الحقيقي في بناء شخصية الطالب – ولاسيما ذلك الذي دخل مع طالبه في حلبة للمصارعة ليثبت ذاته على حساب الأهداف التربوية السامية .

المعلم هو من يخط طريق نهضة الأمة ، ولا نهضة إلا بنهوض التعليم ، ووجود ثغرات في تعليمنا الحالي هو جدار يعرقل نهضتنا الطموحة ، والضرب هو دائرة مظلمة التي تستوطن التعليم الصومالي ، والقضاء عليه مطلب ضروري ؛ لأن العنف يولّد العنف، ونحن بهذه الدائرة ندور ، حتى وإن تجاهلنا الأمر أو غضضنا الطرف عن خطورة الضرب في التعليم فلا نستطيع أن نتغافل عن آثار الضرب على أجساد الطلاب ، ولا أن نتعامى أمام المعاناة النفسية لأبنائنا جراء ضربهم ، فليس هناك ما يبرر تجاهل وزارات التربية والتعليم الصومالية المتعاقبة في الحد من هذه الظاهرة الغير الحضارية ، فصحة الطلاب النفسية والفكرية والجسدية والعقلية هي الأهداف التي قامت عليها وزارات التعليم، وإذا لم تحقق ذلك ينتفي دواعي وجودها .

 إن توارث “وسيلة الضرب” في التربية لا يعني صحتها ، وإن عمل الأغلبية ليس شهادة تزكية نحتج بها ، وما ثبت علميا هو أن الضرب وسيلة عديمة الفعالية في الحد من المشكلات التي تواجه الطلاب مثل الهروب من المدرسة، وظاهرة التسرب من المقاعد المدرسية ، و مشاعر البغض والكراهية التي تجتاح بعض أبنائنا بخصوص التعليم ، وغير ذلك من المشكلات التعليمية التي تنشأ من الضرب كوسيلة تربوية عفى عليها الزمن.

إن مقولة “لك اللحم ولنا العظم” التي كان يرددها الآباء أمام المعلمين أظهرت بأنها لا تناسب العملية التربوية ، وأن التقنين الممنهج لوسائل التهذيب والعقاب هو ما نحتاج إليه ، وإن أقصى طموحاتنا سن قوانين تحفظ حق الطالب ، وتكفل كرامة المعلم ، وتضع نهاية واضحة لمشكلة الضرب في التعليم .

%d مدونون معجبون بهذه: