خواطر دعوية [7] لا تصلِّ في هذا المسجد

في بلاد المهجر يجد المرء صعوبة في حصول وإيجاد مسكن ومأوى قريب إلى مسجد يستطيع الوصول إليه بدون تعب ، أو لا يبعد عنه مسافة لا تأخذ منه وقتا طويلا في المشي ، فمن حظي بهذه الحالة يعتبر من المحظوظين ، وإلا يضطر كثير من الناس استخدام المواصلات الخاصة أو العامة إلى حضور الجمع والجماعات .

وقد يكرم الله تعالى بعض الناس السكن في حي يوجد فيه عدد من المساجد التي لا تبعد بعضها عن بعض إلا دقائق معدودة ، يستطيع المرء التنقل إليها حسب ظروفه وطاقته ، فقد تفوته الجماعة في مسجد ما ، ولكنه يستطيع اللحاق إلى مسجد آخر قد يتأخر قليلا عن الأول ، وهذا فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء من عباده.

قال لي [ أحدهم] : أكرمني الله تعالى بالسكن في حارة يوجد فيها أكثر من أربع مساجد في مسافة لا يتجاوز قدرها كيلو مترين مربع ، وكنت أتنقل بينهم حسب ظروفي إلى أن لقيت أحد الأخوة من مسؤولي أحد المساجد ، فلما عرف بغربتي في الحي سألني في أي المساجد أصلي فيه ؟ ، قلت في مسجد فلان ( اسمه ..) ، قال لا تصل فيه !، قلت لماذا ؟، قال : لأنهم ينتمون إلى جماعة فلان البدعية . قال : استفزني هذا الكلام ، وأردت أن أعرف كثيرا عن الرجل وموقفه من المساجد الأخرى ، فقلت له : فماذا في المسجدين ( الآخرين ) ، قال أيضا : لا تصلِّ فيهما ، لأنهم حزبيون مخالفون للهدي الصحيح ، قلت : إذا أين أصلي ؟، قال : صلٍ في مسجدنا هذا ، لأنه المسجد الوحيد في هذا البلدة على المنهج الصحيح ، وما عدا ذلك فهم على الغواية ( وللمعلومية يوجد في هذه المدينة قرابة مائة مسجد تستخدمها مختلف الجاليات المسلمة القاطنة في البلدة ) .

قلت : من المصائب العظيمة التي ابتليت بالمسلمين في الأزمنة الأخيرة التصنيف الظالم الذي لا يراعي دينا ولا خلقا، ومصدره ومبناه الهوس والهوى والكره ، ثم حصر الحق في طائفة معينة أو في أقوال شيخ أو شيوخ لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة ، واعتبار ما عدا ذلك – من أمة محمد صلى الله عليه وسلم المرحومة -بأنها في الغواية والضلال من غير مبرر ولا دليل شرعي أو حتى عقلي ؛ مما جعل الساحة الإسلامية تعاني من فهم مغلوط ومشوّه مع نصاعة وجمال ديننا الحنيف ، ويعظُم الخَطب عندما يتزعم هذه الحملة الظالمة ممن لم يرسخ قدمه في ميدان العلم والمعرفة ، أو لا يحجزه الخوف من الله تعالى من سلوك هذا الطريق المعوج .

ثم إن الخلاف الفقهي بين علماء المسلمين قديم قدم وجود الرسالة الخاتمة ، وأن مسألة صحة الصلاة خلف كل برِّ وفاجر وأهميتها صنفها العلماء ضمن أبواب الاعتقاد في كتب العقيدة ، كما قرر الفقهاء قاعدة ( من صحت صلاة نفسه صحت إمامته ) ، ولذا لا تكمن المشكلة في تعدد أقوال العلماء في المسألة الواحدة من مسائل الخلاف المعتبر ، بل تنحصر المشكلة في فهوم أقوام لم يتربوا في محاضن ومدارس الفقهية ، بل التقطوا فتاوى عابرة للقارات لا تراعي أحوال العباد في اختلاف الزمان والمكان ، وتصنف من خالفها في عداد غير المهتدين .

ولا يوجد خلاف بين أهل العلم في مجانبة ومباعدة من يخالف الخطوط العامة لأصول أهل السنة والجماعة وعدم تكثير سوادهم ، وأما من يشاركهم في الأصل ولكن يخالفهم في بعض المسائل فلا مانع من مخالطتهم والصلاة خلفهم .

والمسلمون في المهجر أقلية لا تتحمل التفرق ولا التشتت ، وغالبيتهم العظمي من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة ، ولذا يجب على الذين لا همَّ إلا إذكاء نار العداوة بين المسلمين الخوف من الله تعالى والاعتبار بغيرهم وأن يكفوا عن هذا السعي المذموم.

وفقنا الله تعالى لما فيه صلاح ديننا ودنيانا .

تعليق واحد

  1. عبد الفتاح الشيخ

    من اسوأ الظواهر في بلادنا تقارب المساجد بمسافات قليلة جدا لدرجة انهم يشوشون بعضهم على بعض في اثناء الصلوات باستخدام الميكرفونات عالية الاصوات اضافة الى انها تؤذي جيران المساجد. فحسبنا الله من تدين الجاهلين والمرائين

%d مدونون معجبون بهذه: