حركة الجهاد الإسلامي الصومالي ضد الاستعمار [2]

دور الطرق الصوفية في مقاومة التبشير ومحاربة الاستعمار ([1])

التبشير يدخل إلى مثل هذه البلاد بأسلوب مقنَّع ، فهو يذهب مختفيا وراء مستوصف يقام لعلاج المرضى ، أو مدرسة للتعليم ، أو مزرعة يعمل فيها فلاحون ، أو مصنع من المصانع أو عن هذه الطرق ينشر دعوته برفق ولين ، وكثيرا ما يستخدم وسائل الإغراء المادية ، ولقد تيقظت الطرق الصوفية لخطر هؤلاء المبشرين وأسموهم المغوين ([2]) الذين يغوون الناس وليسوا مبشرين لهم ، وقام شيوخهم يناهضون الحركة التبشيرية المسيحية باعتبار أنها مدفوعة من الاستعمار الذي لا يريد لأهل هذا البلد خيرا ، ويحذرون المسلمين من خطرها ويدعون إلى الجهاد المقدس باسم الإسلام وينشرون تعاليم هذا الدين الحنيف ، ولهذا أقاموا المدارس والكتاتيب والمساجد وتفسير آياته، وقد حببوا إلى مريديهم التعاون والاتحاد والتماسك بمكارم الأخلاق كما حببوا إليهم البذل والتضحية بالنفس والمال في سبيل الدين والعقيدة .

وإن أوامرهم لواجب التنفيذ لدي مريديهم ، ومن أصدق الأمثلة على ذلك سيرة الإمام احمد غُري ( المجاهد الصومالي ) حيث كانت حياته صورة صادقة للمتصوف الذي قاد حربا ضارية للقضاء على الحروب الصليبية التي شنها الحبشة والبرتغال ضد الصومال الإسلامية في القرن السادس عشر وكذلك أمامنا سيرة البطل الثائر ( السيد محمد عبد الله حسن ) ومواقفه في مناهضة التبشير المسيحي والاستعمار ، وسجل التاريخ مواقف خالدة لهذا الشعب المؤمن ، وأثر التصوف في الحفاظ على عقيدته ، ومن أمثلة ذلك ما حدث عام 1897 حينما نزلت إلى البلاد جماعة من المبشرين ، وأقاموا مدرسة في ( بربرة) تحت إشراف مبشر مسيحي وأخرى في قرية ديمولي وعليها مبشر مسيحي كذلك ، وقد حاول هذان المبشران تحت حماية الاستعمار البريطاني أن يحولا بعض الصوماليين عن الإسلام عن طريق إعطاء الهدايا المالية والملابس والطعام والعلاج ، واستطاعوا أن يجمعوا خمسين طفلا من الأيتام واللقطاء وحملوهم على اعتناق المسيحية.

 وأدرك الصوفيون هذا الخطر من أعمال المبشرين المدفوعين من الاستعمار فأعلنوا الجهاد المقدس ضد جميع المبشرين ومن معهم من رجال الحامية البريطانية ، وقد تمكن الصوماليون من هدم مدرسة مبشر (ديمولي) الذي هرب إلى زميله في مدرسة بربرة ؛ حيث أطلق مبشر مدرسة بربرة رصاصة على مؤذن المسجد القريب من منزله بحجة انه يؤذن في الفجر ويزعجه في نومه ، وان كانت الرصاصة لم تصب المؤذن بالقتل إلا أنها كانت الشرارة الأولي في الكفاح الشعبي المقدس بقيادة محمد عبد الله حسن ، مما اضطر الاستعمار أن يهرب بالمبشرين إلى عدن تحت حراسة السفن البريطانية ، بل إن الحكومة البريطانية أصدرت مذكرة إلى الشعب الصومالي أذاعتها السلطان الاستعمارية في هرجيسا وهي تحتوي على ضرورة خروج المبشرين من أي جنس بصفة عامة من الصومال وعدم السماح لهم بعد ذلك بدخول البلاد وعدم السماح ببناء كنيسة أو أديرة في البلاد كلها وعدم فتح محلات للخمور أو السماح بتعاطيها ، وقد استمر هذا التعهد سائر المفعول حتى عام 1950 م حينما أنشئت كنيسة صغيرة للضباط والجنود البريطانيين في داخل المعسكر كما فتحت خمارة صغيرة في هرجيسا للأجانب ، وكان أهل الطرق الصوفية في الجنوب متيقظين لخطر التبشير كذلك ، ولم يعرف الإقليم الجنوبي المبشرين إلا حينما تعرضت البلاد للغزو الإيطالي ، وكان المبشرون يجدون الأذى الشديد من الصوفيين والشعب الصومالي المسلم ، وفي خلال فترة الوصاية الإيطالية على الصومال الجنوبي حرضت الإدارة الإيطالية بعض الإرساليات للمسيحية على إيجاد مناطق للتبشير في الجنوب وإنشاء مدارس وملاجئ للأيتام واللقطاء إلا أن الصوفيين كانوا لهذه الحركات دائما بالمرصاد فأحبطوا نشاطهم .

وقد ظهر صراع جديد بين المبشرين وبين الشعب الصومالي حينما ظهر التبشير المسيحي على يد المبشرين الأمريكيين الوافد مع النقطة الرابعة وشركات البحث عن البترول والخبراء ومكتب الدعاية الأمريكية ، وكانت البعثة الأولى برئاسة المبشر الأمريكي القسيس ( ويلبرت لند ) البروتستنتي والبعثة الثانية برياسة الأمريكي ( مورد بكرويد) وبدأ نشاطها في مقديشو عن طريق تدريس اللغة الإنجليزية ثم تشويه معتقدات الطلاب ، وأرادوا أن يمدوا نشاطهما خارج العاصمة في (جوهر ومهداي ) إلا أن الشعب الصومالي المسلم بقيادة زعمائه العلماء ورجال الطرق الصوفية قاوموا هذا الفكر ولم يمكنوهم من نشر نشاطهم في تلك البقاع بل قد حدث اعتداء من قبل المتحمسين الصوماليين على بعض هؤلاء المبشرين ، وقد حاول التبشير الأمريكي الاستعماري أن يمد نشاطه في داخل الصومال وخصوصا في مناطق البحث عن البترول مما يدل على الصلة القوية بين التبشير وشركات البترول ، وقاد الصوفيون معارك ضارية ضد الاستعمار الإيطالي في الجنوب والبريطاني في الشمال باعتبارهم أعداء لهم في الدين فضلا عن معاونتهم للمبشرين أعداء الإسلام.

…………

الهوامش :

[1] – هذه المقالة مأخوذة من كتاب الإسلام في الصومال للشيخ عبد الرحمن النجار المصري الأزهري ص 67-85 – رجب 1393- أغسطس 1973م جمهورية مصر العربية – المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – لجنة التعريف بالإسلام.

[2] – أفهم شخصيا أن معني الصحوة هو التيقظ لمخاطر الأعداء وتوعية المجتمع ككتلة موحدة قلبا وقالبا لتصدي المؤامرات المحاكاة ضدهم وتهيئة الأجواء الداخلية لمقاومتهم وتعليم الناس شرع الله وتهييج الجماهير ضد العدو الخارجي وهذا النوع من التيقظ حصل عند الطرق الصوفية حين جابهوا الاستعمار أكثر من عشرين عاما ، وهذا مؤشر ايجابي يدل على أن الصحوة بمفهومها الصحيح سبقت إلى الصوفية قبل أن يدعيها غيرها من الحركات الإسلامية المتواجدة في الساحة الصومالية ، ومن الأمثال العامة لصحوة الصوفية إنهم كانوا يسمون المدارس الغربية التبشيرية isqool, التي فتحتْ للتضليل والغواية فقط وليست مدارس عادية للتعليم ، ، وهو ما اثر كثيرا من أفراد المجتمع الصومالي كتخدير من عدم اعتناق دين المبشرين وهو دين الغواية ، وجذب نسبة إسلام الصوماليين 100% فأي صحوة أكثر توعية من هذه ،،،، صحوة تعمقت في قلوب الصوماليين ورست سفنها تحمل رايات الوحدة ( العقيدة – أشعرية – المذهب شافعي – القراءة قراءة أبي عمرو السلوك – الطرق الصوفية ) ، فأي صحوة أكثر مباركة من صحوة الطرق الصوفية حيث لم تتح لأفكار المبشرين أن تتبوأ قلوب المجتمع الصومالي ليوجدوا أتباعا من القبائل الصومالية – أتباع ينتمون إلى جلدتنا وينطقون بلغة الأم ( الصومالية) لكنهم في العقيدة موافقون تمام إلى دين النصارى واليهود ، والحمد لله إلى هذه اللحظة لم توجد قبيلة صومالية تنتمي إلى دين اليهود أو النصارى أو البوذية ، وهذا الفضل يعود أولا وآخر إلى الله الذي أيقظ ووفق زهاده من الصوفية القيام بهذا المهام الصعاب دون مساعدة من وزارة الأوقاف ووزارة الدفاع ، بل جاهدوا بقلمهم ورمحهم ونيتهم الصافية ، عكس ما سمي أخيرا بالصحوة التي مزقت الكيان الصومالي وشوهت صورة الإسلام المعتدل وجذبت مفاهيم مغلوطة ودعت إلى انقسامات داخلية لدواعي التحزب ، وشحنت الشباب بأفكار التكفير والتفجير ..وووو….

%d مدونون معجبون بهذه: