كابوس الختان..!

احتضنت مدينة غرووي مؤخراً جلسة رفيعة المستوى بحضور شخصيات مجتمعية بارزة وبتغطية إعلامية مميزة ، وفيها تم تدشين حملة ضخمة لمكافحة ختان الإناث ، وسمعنا في تلك الأمسية الكثير من المسميات البراقة، منها مسمى “سفيرة محاربة الختان الفرعوني ” ، وتم وضع خطط مرحلية جبارة للحد من هذه العادة .

ومرة أخرى يعود كابوس الختان ، ذلك الكابوس الذي ظل يلاحق المرأة الصومالية لسنوات ، ولسنوات يُطرح هذا الموضوع على طاولة النقاش ، و تعقد حوله المناظرات الدينية والمجتمعية ، ولكن مع الأسف لم تتوصل تلك النقاشات إلى حلول نهائية قطعية تعالج جذور هذه المشكلة من العمق، وتغلق باب هذا الموضوع إلى الأبد ؛ فظل هذا الموضوع مثارا دائماً ، ويُستحضر في أغلب النقاشات التي تدور حول المرأة الصومالية في الداخل والخارج ، وبطريقة درامية مبالغة فيها ، وكأن قضايا المرأة الصومالية انتهت حتى يتم حصرها فقط في تلك الدائرة الشائكة .

مما لا شك فيه أن ختان الإناث يعتبر من التجارب المؤلمة والجارحة وغير الصحية التي تخضع لها المرأة ، والذي قد يُعد من العنف الجسدي والنفسي الذي يمارس على المرأة الإفريقية بشكل عام بقهر التقاليد والعادات ، خصوصا ذلك الذي يسمى بالختان الفرعوني ، والذي يُشكل خطرا كبيرا على صحة المرأة في جميع مراحل حياتها .

 ويستحيل لأي عاقل مهما كانت الحجج والمبررات أن يقبل أو يؤيد ذلك الجرم اللإنساني ، ولكن المبالغة في الطرح أضر موضوع الختان أكثر مما أفاد ، و جعله موضوعا سطحيا يقتصر على الكلمات الحماسية وسرد بعض التجارب الشخصية المكررة و التي تؤثر تأثيراً لحظياً مؤقتاً ، والتي لا تخفي نواياها التجارية والربحية الصريحة ، المتمثلة في الدعم المادي الذي تتلقاها من جهات دولية أكثر منها محلية ؛ مما أفقد الحراك التنويري لتلك الحركات المصداقية الوطنية ، وأوقعه بفخ شبهة العمل لجهات أخرى ، وأحاط ذلك الجهد بتساؤلات عديدة ، عن جدوى هذا الحراك ، وعن أهدافه وغاياته ، وعن ذلك الأجنبي الذي يتدخل في شأن صومالي “داخلي” خاص؛ والخاص جداً .

ولا يلام المواطن البسيط في توجساته المعقولة ، فالمتتبع العادي يرى بأن ختان الإناث أخذ الحيز الأكبر من الاهتمام الإعلامي ، والعمل المجتمعي ، على حساب قضايا نسوية أعمق ، وأكثر حاجة ، والتي لم يتم تناولها بنفس الاهتمام الذي حظي به ختان الإناث؛ فكان دائما هو الذي يكون على الطاولة، وعليه بقعة الضوء ، وبقية القضايا على الهامش، وقريبة من تحت الطاولة ، فالقضايا الملحة للمرأة الصومالية مثل حق التعليم ، وحصولها على فرص متساوية في العمل مع الرجل ، واحتضان قضاياها المادية من تبني مشاريع تتضمن فتح صناديق تكافل وتضامن اجتماعي للمطلقات والأرامل وللنسوة اللاتي فقدن المُعيل بسب عامل الصحة أو البطالة ، فضلا عن تطلعاتها في تحسين وضعها القانوني ، لم تكن تلك القضايا وغيرها محل تقدير واهتمام كافيين ، من قبل المهتمين ، بل غابت أغلب تلك القضايا عن المشهد أو حضرت بطريقة مخجلة ؛ مما ساهم في تعميق الفجوة بين المواطن المتطلع لحياة معيشية أفضل وبين من يتكلم بلغة عالمية ، لا يشعر فيها المواطن بأنها لغته أو تمثله .

إن علاج ظاهرة ختان الإناث يتطلب أن توضع المشكلة في إطارها الاجتماعي والثقافي والتاريخي الخاص بها ، حتى تُحل ، ولا يعني بالضرورة وجود ذات المشكلة في مجتمع آخر أن يكون لكلتيهما نفس الحل ، حتى وإن اتفاقتا في بعض الجوانب  تظل هنالك بعض الأمور الخفية التي لا يدركها إلا من عايش واقع ذلك المجتمع، ولعل ذلك من الحلقات المفقودة التي تؤدي إلى انتهاء هذا الكابوس المرعب إلى الأبد.

5 تعليقات

  1. شكرا لك أستاذي على كلماتك. وفعلا الاعتدال هو المطلوب في علاج هكذا مشكلات.

  2. إكرام إبراهيم أبسي

    روعة طرحك استادة موضوع جد مهم أدام الله إبداعاتك ونستفيد من علمك الغزير
    حفظك الله من كل شر

    • شكرا لك عزيزتي اكرام . على لطف مشاعرك . ورأيك الكريم اتشرف به . لك مني جزيل الشكر والتقدير والاحترام .

  3. شكرا لك أستاذي على كلماتك. وفعلا الاعتدال هو المطلوب في علاج هكذا مشكلات .

  4. عبد الرحمن عيسى

    تحية طيبة
    طرح اكثر من رائع يلامس الواقع ويطالب ان تأخذ هذه القضية حجمها الطبيعي من الاهتمام دون المبالغة المغرضة او الاهمال المفرط
    لم اكتب هذه الكلمات الا للاشادة لأَنِّي اجد نفسي موافق ١٠٠٪‏ لكل حرف في هذه المقالة
    الاستاذة فاطمة ارجوا لك دوام التوفيق والنجاح

%d مدونون معجبون بهذه: