حركة الجهاد الإسلامي الصومالي ضد الاستعمار [1]

( خلال الفترة بين عامي 1899- و 1920- ) ([1])

لم تنشأ حركة الجهاد في الصومال من فراغ ؛ إنما كان هناك عوامل أدت إلى إنشائها وهي :

أولا : – الطرق الصوفية :- التي انتشرت في الصومال ، وانضم اليها الكثير من الصوماليين ، ومن جملتهم السيد محمد ، قائد حركة الجهاد ، وكان من أنصار الطريقة الصالحية التي تدعو إلى البعث الديني الاسلامي وإيقاظ المسلمين من سباتهم والعمل على نهضتهم ، وهي بعكس الطريق القادرية التي كان لها موقف آخر – سيرد بالتفصيل – كما كانت الصالحية ترعي بعث فريضة الجهاد ومحاربة المستعمر فكان الجهاد فريضة وجزء من الاسلام لا ينفصل، وهذا ما جعل السيد محمد يصر على محاربة المستعمرين حتى آخر اللحظة من حياته.

 ثانيا : – وكان العامل الثاني في نشأة الحركة نفسها هو وجود السيد محمد عبد الله حسن الذي تربي تربية دينية صوفية ، وتشرب نزعة وجوب إيقاظ المسلمين عامة وقومه من الصوماليين خاصة ، والحفاظ على مقدسات هذا الدين ولا يتيسر هذا الحفاظ إلا بإجلاء المستعمر الذي هدف إلى تحويل الصوماليين عن دينهم .

ثالثا : .. كما تمثل العامل الثالث في الاصول الفكرية لحركة الجهاد والنابعة من الاسلام والتي تم بعثها نتيجة النهضة الدينية التي اعقبت الاستعمال الاوروبي لآسيا وأفريقيا في اواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، والتي تولد عنها قيام قادة دينيين يوقظون شعوبهم بضرورة تمثل العقيدة الاسلامية واتخاذها سبيلا للتقدم كما فعل اسلافهم بدلا من الخمول والتواكل وانه ايضا لا سبيل لنهضة الشعوب الاب احياء فريضة الجهاد وبعثها من جديد ومقاومة المستعمر ، وبالطبع تأثر السيد محمد بهذا التيار الذي نشأ ليوقظ المسلمين بل كان احد حاملي لواءه بين اهله ومواطنيه .

رابعا : – كما كان العامل الرابع هو انطلاق حركة الجهاد ضد الاحباش تكملة لسلسلة الصراع الديني الطويل بين المسلمين في الصومال والمسيحيين في الحبشة ، ومنذ اواخر القرن التاسع عشر شجع الاوروبيون الاحباش وأمدوهم بكميات هائلة من السلاح والذخيرة والمال مما جعل الميزان في صالح الاحباش ، فاخذوا يستولون على الاراضي الصومالية مستغلين ضعف الصوماليين عنهم في التسليح وتقسيمهم بين عدة وحدات سياسية عديدة مما زاد في ضعفهم ، ولم يكتف الاحباش بذلك بل ساموا الصوماليين تحت حكمهم سوء العذاب مما شحن الصوماليين غيظا وكراهية ، فانطلقت الشرارة الاولي لحركة الجهاد ضد الاحباش .

خامسا : – ولما لم يستطع الاحباش ضرب الحركة والقضاء عليها بل على العكس زاد قائدها السيد محمد اصرارا على محاربة الاستعمار ، بعد أن نجح في تخويف الاحباش وإرعابهم وبقائه فترة طويلة حرا طليقا هو وقواته في منطقة الأوجادين ، قام السيد محمد بتوجيه الحركة إلى ضرب الاستعمار البريطاني الذي حرس على القضاء على حركة الجهاد بعد ما رآه يرسل قواته لضرب الاحباش ، ولما كانت فريضة الجهاد هي امل السيد محمد في حياته ، فقد استمر يحارب الانجليز اكثر من عشرين عاما وذلك اعزازا للدين وحفاظا على اسلام الصوماليين وكذلك حريتهم وأموالهم من عبث المستعمرين وسوف نعرض لكل عامل من تلك العوامل على النحو التالي ..

الطريق الصوفية وموقفها من المستعمر

قد سادت الصومال في القرن التاسع عشر حركة الاحياء الديني كما ادي نمو وانتشار الطرق الصوفية إلى انتعاش الاسلام في الصومال ، ويبلغ من انتشار التصوف أن كان إيمان المرء بمدي اشتراكه في إحدى الطرق الصوفية ( الكلام مبالغ فيه ) او انتسابه اسميا إلى احداها ، ومع أن مثل هذه الحركات ليست جديدة فقد بدا أنها حديثة نسبيا في الصومال ، وكان لكل طريقة أورادها المميزة التي يمارسها اتباعها في عباداتهم ، وعلى الرغم من رغبة الصوفية جميعهم في التمسك بالدين لمواجهة القيم المادية المتطرفة ، فقد تميزت العلاقات بين الطرق المختلفة بالتنافس على بلوغ الصدارة الدينية في البلاغ ، ولكل طريق من الطرق الصوفية تنظيم هرمي ، وقد احتل كثير من المشايخ ورجال الدين الصوماليين ، أن يكن كلهم مراكز في هذه الطرق .

 وقد اشتد ولاء الصومالي للطريقة الصوفية التي يتبعها بدرجة قوية قد تفوق ولاءه للقبيلة او العشيرة ، حتى إنه قد يفضل إخوته في الطريقة على إخوته في العشيرة ، وبذلك فقد أصبحت الطرق الصوفية وسيلة لربط الصوماليين مع بعضهم بحيث أصبح رجال الذين لا تربطهم صلة القرابة تجمعهم رابطة التبعية لطريقة واحدة ، وبذلك كان للطرق الصوفية اثر كبير في اضفاء الوحدة الاسلامية بين الصوماليين كما قضت إلى حد كبير على المنافسات القبلية التى تفرق بين الرجال في امورهم الدنيوية ، ولأن المجتمع الصومالي قد افتقر إلى الوحدات السياسية المركزية ، فقد كان الضمان الوحيد لربط الصوماليين مع بعضهم مجموعات القرابة الصغيرة ، ومع ذلك فقد ظل الولاء للقرابة والعشيرة اسميا ولأن الصوماليين كانوا محرومين من رابطة تربطهم فقد أقبلوا اقبالا فائقا على الاتحاد الذي تعهدت به الطرق الصوفية ، وبقيت هذه الطرق قوة فعالة في ترابط الصوماليين اذ تحققت الوحدة بينهم في مجتمعات دينية صغيرة ومراكز تعليمية تأسست في الاقاليم الصومالية حيث استطاع الاخوة القيام بنشاط ملحوظ في الزراعة وتربية الماشية ، وبذلك اصبحت الطرق الصوفية تعويض الصوماليين عن الوحدة السياسية من ناحية كما كانت من ناحية اخري عاملا من عوامل تثقيفهم في مراكزها المنتشرة في انحاء البلاد حيث كان لكل طريقة مساجدها الخاصة بها .

 وكما سادت العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر رغبة اكيدة في تصحيح مفاهيم الاسلام وردها إلى منابعها الاساسية فقد امتدت حركة الاصلاح هذه إلى الصومال حيث امتد اليها النشاط الصوفي الذي ساد شرق افريقيا ، وكانت الطرق الصوفية قد بدأت التدخل إلى هذه البلاد قبل بداية القرن التاسع عشر بوقت طويل .

وفي الوقت الذي كانت فيه كل من بريطانيا وفرنسا وايطاليا تركز انتباها على الاراضي الصومالية كان هناك انتعاش للروح الاسلامية في الصومال على يد الصوفية ،،، وفي الربع الاول من القرن التاسع عشر كانت مدينة باديريا اول نموذج لقيام جماعة صوفية في الصومال أسسها الشيخ ابراهيم حسن جابرو في عام 1819 والذي ارتبط به عوامل المبدئية في النهضة الاسلامية الجديدة عند ما قام إحدى حركات التجديد القوية على طول نهر جوبا في الجنوب حوالى عام 1820 حتى استولت على مدينة براوه الهامة قوة من البدو من المناطق المجاورة في عام 1828 وقد خلفه في عام 1840 الشيخ ابراهيم قويا الذي اعلن الجهاد ضد مسلمي براوه غير المتمسكين بدينهم ونجح في تأسيس مجتمعات زراعية حصينة تتمتع بالمنعة في مجابهة غارات جيرانها من البدو .، وتشتمل الصوفية على عدة طرق أهمها : – .

أولا : الطريقة القادرية : –

تعتبر اول طرق المتصوفة في الصومال وفدت اليها من اليمن وحضرموت وأخذت تنتشر في مصوع وزيلع ومقديشو حتى انه لم يأت القرن التاسع الا وكان لها نفوذ قوي في انحاء البلاد ، وقد انقسمت خلال هذا القرن إلى فرعين محليين قويين ارتبط اولهما بالشيخ عبد الرحمن الزيلعي وارتبط الفرع الآخر بالشيخ اويس بن محمد ، وقد انتشر الفرع الاول في الشمال في المحمية البريطانية والأوجادين ، بينما انتشر الفرع الثاني في منطقة البنادر وجنوب الصومال ومركزه في براوه .

 وتعتبر الطريقة القادرية من اشد الطرق حماسة لنشر الدعوة الاسلامية وذلك عن طريق التجارة او فتح مساجد او زوايا لتعليم القرآن الكريم والكتابة وإيفاد الفقهاء والنابهين من الشبان لتلقي تعاليم الاسلام في معاهد مصر وشمال افريقيا ليعودوا قادرين على مقاومة التبشير المسيحي الذي وفد في ركاب الاستعمار الاوروبي .

اما بالنسبة للشيخ عبد الرحمن الزيلعي فقد نشأ في ارض رحنوين وتعلم في مقديشو ثم سافر إلى مكة حيث التقي بالسيد فضل من اولاد القطب الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه واستقر في هرر وهناك اكثر اتباعه وانتشرت على يديه الطريقة القادرية الشمالية .

وقد جاء الشيخ أويس بن محمد البراوي بعد الشيخ الزيلعي وهو الذي جدد الطريقة القادرية في الصومال وتلقي العلوم الاسلامية في براوه ولما كبر نصحه شيخه بالسفر إلى بغداد حيث منشأ الطريقة ليتعرف عليها اكثر وليستزيد من العلم وقد مكث في البصرة . وفي بغداد منحه شيخ الطريقة القادرية تفويضا مطلقا عن الطريقة وأمره بالرجوع إلى بلده ، وبادر الشيخ أويس يدعو للطريقة في المناطق الداخلية حيث لم تترك دعوته في اهالى الساحل اثرا كبيرا ، ووجدت دعوته صدي كبير في نفوس الرحنوينين الذي أصبح له بينهم مقاما كبيرا وكان رجلا على درجة من النشاط استطاع أن يترجم الشعر الصوفي إلى اللغة الصومالية بلهجاتها المختلفة ، مما جذب الكثير بسهولة ، كما تبني استخدام الحروف العربية في كتابة الصومالية ، وقد قرض الشعر الصوفي باللغة العربية ولم يقتصر الامر على ذلك ، انما قام الشيخ أويس بتدريب الكثيرين من اتباعه على الدعوة وإرسالهم كمبعوثين في جميع انحاء الصومال ، ولم يقتصر اعتماده في نشر الدعوة على الصوماليين فقط انما اعتماد على رجال جاءوا من مناطق اخري مثل زنجبار وجزر القمر وبفضل أويس اصبحت القادرية هي الاكثر شيوعا في الصومال ، وأسرع الكثيرون إلى الانضمام اليها ، وبذلك اصبح الشيخ أويس شيخ الطريقة القادرية بلا منازع وسرعان ما اتحد فرع الطريقة القادرية في براوه اسم الأويسية كما ارتبطت القادرية المحلية في الجنوب بالشيخ أويس بن محمد هذا .

 ومع أنه كان للشيخ أويس معجبون كثيرون في براوه إلا انه كان هناك من ينتقصون من قدره أيضا، وقد كان من هؤلاء الاخيريين أعضاء في الطريقة الصالحية المنافسة للقادرية وعند نهاية القرن التاسع كانت قبائل كثيرة في شمال وغرب المحمية البريطانية تتبع الطريقة القادرية كما كان كل من فرعها الشمالي والجنوبي قد استفحل امره ، وبصفة خاصة مع اضافة تطوير هام تمثل في تأسيس مستوطنات زراعية جماعية حيث يستطيع اعضاء الطريقة ممارسة شعائرهم بجانب زراعة المحاصيل ورعي القطعان من الاغنام والماعز والإبل إلا أن أسلوبها المحافظ التقليدي في ظل هذه القيادات لم يناسب ظروف الوطن الحديثة التي طرأت بدخول المستعمرين ارض الصومال وتقسيمها فيما بينهم ، (… ………. ) ، ولم تعرف طرق دينية اخري في الصومال عدا القليل حتى القرن التاسع حينما وفدت على الصومال طرق دينية اخري…ولكنها بصفة عامة قليلة الاتباع في الوقت الحاضر، ومن الطرق الصوفية الأخرى في الصومال.

الطريق الأحمدية : تعتبر ثاني طريقة من ناحية الانتشار في بلاد الصومال وبالتالي كانت الثانية من حيث التأثير على الاحداث وهي تنتسب إلى السيد أحمد برن إدريس الفاسي ( 1760- 1827) الذي أسسها في مكة ، ( …) وقد دخلت الأحمدية الصومال مثلما ما دخلت بلاد اسلامية اخري ولم يأت عام 1900 إلا وكانت للأحمدية مستوطنات دائمة لا حصر لها مبعثرة في انحاء الصومال الا انها تركزت بصفة رئيسية في الاقاليم الخصبة بين نهري جوبا وشبيلي كما اصبحت في نهاية القرن التاسع منافسة للطريقة القادرية ، كما كان كل السكان الصوماليين تقريبا منقسمين بين الطريقتين وذلك خارج مناطق تجمع الأحمدية والقادرية ، كما أن الأحمدية لم تدخل مباشرة إلى الصومال انما مثلها هناك فرعاها وهما الصالحية والدندراوية

الطريقة الصالحية

وتعتبر فرعا من الطريقة الأحمدية وقد أسسها في مكة السيد محمد صالح ( 1852-1917) وقد دخلت الصومال في اواخر القرن التاسع ، وكانت حركة تجديد وتطهير ، وكان من ابرز مريدي الشيخ محمد صالح في الصومال – الشيخ اسماعيل والشيخ اسحاق والسيد محمد عبد الله حسن الذي اصبح ممثلها الاول في بلاد الصومال ويلاحظ ان لكل من هؤلاء الثلاثة روابط بقبائل ” طلبهنتا” كما استمروا على اتصال بمكة ، وكان السيد محمد سودانيا مالكيا عاش في مكة وتتلمذ على يد كبار الطريقة الأحمدية هناك ، لذلك تبعت الصالحة مبادئ السيد احمد بن ادريس الفاسي خاصة نظرته التجديدية وعدم قبوله الصوفية التقليدية ،،،،

 وقد نجحت الصالحية في كسب اتباع على الساحل الافريقي للبحر الاحمر ، ثم انتشرت في الصومال جنوبا حتى اصبح لها مراكز زراعية على طول نهر وادي شبيلي إلا على مثل المركز الذي أنشأتها القادرية ، وانتشرت الصالحية على ايدي الخلفاء الذين عينهم السيد محمد صالح في جنوب الصومال كما انضمت قبائل” وَرسنجلي وطُلبهنتي، هبرتلجعله وبعض قبائل هبر يونس، في شمال الصومال للطريقة الصالحية كما آلت رئاسة الصالحية في الصومال إلى السيد محمد عبد الله ،،،،،

 قامت الطريقة الصالحية تحت قيادة السيد محمد عبد الله بتنظيم قوات محاربة اطلق عليها اسم الدرويش كان لهم برنامج يوحد بينهم للم شملهم ويعتمد على تطبيق تعاليم القرآن ، ففرض تعليمه على جميع اولاد دراويش حتى بلغ عدد الطلاب سبعمائة طالب ، ونظمت الطريقة تعليم هؤلاء الاطفال فجعلت لهم اماكن خاصة يقيمون بها يشرف على تربيتهم فيها مشرفون كما كان يتم تدريب النشء على ركوب الخيل واستخدام الاسلحة الحربية فنشئوا نشأة عسكرية ، وكان ذلك تطبيقا للمنهج الاسلامي الصحيح كما كانت فرق الدراويش المحاربة منظمة تنظيميا دقيقا ، وكانوا مخلصين لهدفهم الاساسي الذي تمثل في استقلال وطنهم وقد جعلهم الاخلاص لهدفهم هذا ينفقون كل رخيص وغال لديهم فاشتهروا لذلك بالشجاعة والإقدام في الحرب ، كما كان الموت عندهم أحب من الحياة في ظل الاستعمار وقد علمتهم فريضة الجهاد في سبيل الله طلب الموت في سبيل الوطن ، وقد اكسبهم التخصص في الحرب والتدريب على فنونها خبرة واسعة خاصة وأن السيد محمد كان من وراء هذا التنظيم؛ إذ وضع نظاما حربيا دقيقا ويتداول الصوماليون قصص بطولات فذة كانت الدراويش قام بها نساء ورجالا على حد سواء ………وللرسالة بقية

………………………………………………………………………………..

مراجع الرسالة :

  • حسن احمد محمود “الاسلام والثقافة العربية في افريقيا ج – القاهرة 1985 ص 447- 448”
  • الشيخ عبد الرحمن العلي القادري – جلاء العينين في مناقب الشيخين – الشيخ عبد الرحمن الزيلعي والشيخ الولي أويس القادري

[1] – حركة الجهاد الإسلامي الصومالي ضد الاستعمار ( خلال الفترة بين عامي 1899- و 1920- ) – كتب هذه الرسالة الدكتور على محمود على معيوف بتاريخ 1992 – الناشر دار النهضة العربية – القاهرة.مع تصرف طفيف….

%d مدونون معجبون بهذه: