الاختراق السعودي لمصر : كيف يقرأ ؟

الخلفيات :

لا يمكن قراءة الاختراق الكبير الذي أحدثته السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية في مصر مؤخرا بمعزل عن مسلسل التحولات العميقة لهذه السياسة منذ وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم مع فريق تنفيذي جديد ، إذ لم تفتأ تفاجأ العالم العربي والإقليم المحيط به والمحافل السياسية والدبلوماسية الدولية بقرارات وبتحولات غير معهودة في سياساتها الخارجية ، وتعبر عنها بلهجة غير مسبوقة في قاموسها السياسي و الدبلوماسي .

ومن التوجهات الأولى التي فاجأت الجميع ، تكثيف العلاقات والتنسيق مع تركيا وقطر حول القضايا الإقليمية الكبيرة حيث كانت علاقاتها معهما قبل مجيئ الملك الجديد في وضع أقل ما يقال عنه أنه بارد جدا إن لم نقل عدائيا ، لتتطور هذه العلاقات إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد مع تركيا كما حصل لهذه الأخيرة مع قطر، وهذا تطور غير عادي بجميع المقاييس .

ثم كان القرار الكبير المفاجئ بإطلاق عاصفة الحزم بحشد عسكري جوي وبري وبحري خليجي وبمشاركة دول عربية أخرى ضد التمرد الحوثي وجيش علي عبد الله صالح ، وهي أول حرب تقرر السعودية شنها بقرار ذاتي . كما مارست ضغوطا كبيرة من وراء الكواليس لاستصدار القرار رقم 2216 في 14أبريل 2015 من مجلس الأمن متضمنا لكل ما أرادته السعودية من شروط وتوصيفات. وهذا أيضت جديد تماما في السياسة الخارجية السعودية من حيث مضامينه ودلالاته.

 وبالنسبة لسوريا فقد خرجت الدبلوماسية السعودية من المواربة والتماهي مع السياسة الأمريكية و”مقارباتها” للأوضاع المأساوية التي تعاقبت منذ اندلاع الثورة السورية ، إلى مواقف أكثر وضوحا وحزما خاصة موقفها من رئيس النظام السوري إلى حد استخدام لغة التهديد العسكري، ومبادرتها للمّ شعث المعارضة السورية في الرياض ككتلة موحدة الخطاب والمواقف .

وبالنسبة للعراق فقد عينت سفيرها من جديد في بغداد بعد سنوات من الغياب حيث بادر إلى التواصل مع الأطراف “السنية” وإطلاق تصريحات حول الحيف الذي يعاني منه السّنة وضرورة تبني سياسات عراقية جديدة لرفع هذا الحيف ، وذلك بعد طول صمت من السعودية عما يجري في العراق مما أثار ضدها اتهامات بالتدخل في شؤونه الداخلية.

ولعل التحول الأكثر إثارة ومفاجأة هو تبني السعودية كقائدة لدول الخليج لسياسة غير تجاه مع الولايات المتحدة عبرت عنها في عدة مناسبات، خاصة خلال اللقاء الخليجي الأمريكي المنعقد في كامب ديفيد في 5مايو2016. فلأول مرة تتبنى السعودية سياسة “مصارحة” مع الحليف الأمريكي بخصوص سياسات ومواقف هذا الأخير من المشكلات الخطيرة التي تعصف بالمنطقة العربية، ولأول مرة تظهر إلى السطح خلافات كبيرة بين الطرفين رغم حرص السعودية على الاحتفاظ بلغة دبلوماسية تؤكد على متانة العلاقات الاستراتيجية بين الطرفين، لكن هذه اللغة لم تستطع إخفاء عمق تلك الخلافات حول مواقف الطرفين من أزمات المنطقة إلى حد أن يعلن محللون سعوديون بصراحة عن وجود تفاهمات بين أمريكا و إيران على حساب دول الخليج والعرب، وهذه لغة غير معهودة لدى السعودية في تعاطيها مع “الحليف الاستراتيجي”.

لكن التحول الأبرز في السياسة الخارجية السعودية يتعلق بالموقف من إيران وتمدّداتها في المنطقة العربية. فبالمقابل تبنّت السعودية استراتيجية حقيقية مضادة متعددة الأبعاد والمستويات. فبالنسبة لسوريا تبنت السعودية بتنسيق كامل مع تركيا استراتيجية مزدوجة تقوم من جهة على توحيد المعارضة السياسية السورية ودعم مواقفها في المفاوضات، ومن جهة أخرى دعم المعارضة المسلحة بالسلاح والمال لمواجهة التحالف الروسي الإيراني مع النظام السوري للمحافظة على وضعها العسكري على الأرض والحيلولة دون تحقيق الروس والإيرانيين لاختراقات عسكرية كبيرة تضع المعرضة المسلحة في موقف ضعف.

وفي اليمن الذي بات فيه التدخل الإيراني العسكري والسياسي والإعلامي مكشوفا تماما لصالح تمرد الحوثيين وصالح ويحاول باستماتة دعم وضع حلفاءه في اليمن ما أمكن، قابله إصرار سعودي على الحسم العسكري وإجبار الحوثيين وصالح على الانصياع لمقتضيات قرار مجلس الأمن، إلى جانب مناورات التفاوض والتهدئة العسكرية وهذا ما اضطروا إليه بصراحة ولأول مرة والتي على أساسها يفترض أن تنطلق المفاوضات في 18 من هذا الشهر.

كما تضمنت هذه الاستراتيجية الاستهداف المباشر للحليف الإقليمي الأهم لإيران أي حزب الله لتحجيم نفوذه في لبنان عبر الضغط المالي والإعلامي (توقيف بث قناة المنار) والضغط السياسي (إعادة محاكمة ميشيل سماحة الذي ظهر في أكثر من مناسبة إلى جوار زعيم الحزب) ..

ومن العناوين البارزة لهذه الاستراتيجية كذلك، تنظيم مناورات عسكرية ضخمة مشتركة بين أكثر من عشرين دولة عربية وإسلامية شمال السعودية، وهي وإن كانت توجه رسائل معينة إلى إيران بالدرجة الأولى ، إلا أن بعدها الاستراتيجي المتعلق بالقدرة على مثل هذا الحشد العسكري بمبادرة عربية حقيقية كما حدث في حروب 1990 و2003، ولابد أن يكون العدو الإسرائيلي والغرب قد قرءا رسائلها جيدا جدا.

واقعية سياسية عربية جديدة ؟

إذا في ظل هذه السياقات والمعطيات يتعين النظر إلى الاختراق السعودي لمصر الذي أحدثته زيارة الملك سلمان لها في 7/4/2016 . فكيف يفسر هذا الانفتاح السعودي على مصر رغم السوابق السلبية التي اكتنفت العلاقات بين البلدين كتسريبات المكالمات بين كبار المسؤولين من النخبة العسكرية الحاكمة في مصر وما تضمنته من نعوتات مسيئة لحكام دول الخليج ، وامتناع السيسي عن المشاركة العسكرية في الحرب في اليمن ، ودعمه العسكري و السياسي للنظام السوري والغزل المتنامي مع إيران ..؟

واضح أن المشهد الجيوستراتيجي العربي يشهد ولادة تفكير ورؤية مغايرة لدى القيادة السعودية في تعاطيها مع هذا المشهد، وهذا التفكير وهذه الرؤية تعكس بوضوح ملامح المدرسة التركية في تعاطيها مع ملفات الأزمات الكبيرة في المنطقة العربية .

لقد ساد طويلا أسلوب سحب السفراء وقطع العلاقات والحرب الإعلامية وتوجيه الضربات تحت الحزام بين الأنظمة العربية المتناحرة. وكان هذا الوضع دائما مثاليا بالنسبة لإسرائيل والغرب للتدخل من كل نوع ولفرض الشروط وللتلاعب بالمصالح العربية وفقا لمصالحهما. ويبدو أن بعض الحكام العرب بدأوا يدركون عبثية هذا الأسلوب وشرعوا في انتهاج استراتيجيات جديدة للتدافع مع القوى الغربية ترتكز، من بين سياسات أخرى، على قواعد ملآ الفراغ التي برعت فيها إيران، وبالاختراق العسكري والاقتصادي والسياسي كأداة لمواجهة استراتيجيات الخصوم الإقليميين المنسجمة تماما مع المصالح الإسرائيلية والغربية، ولكسب المواقع وممارسة الضغوط (نموذجا اليمن ولبنان) وباللعب على التناقضات وتباين مصالح الأطراف المختلفة للتأثير في السياسات والقرارات المواقف..

لكن ملامح هذه المدرسة الجديدة في انتهاج الواقعية السياسية Real politic لدى تركيا والسعودية وقطر، مدعومين من طرف دول عربية أخرى، تختلف عن المدرسة الغربية (والإيرانية ويا للغرابة) الموسومة بالتآمر والنفاق والغدر حتى بين الحلفاء (الصراع بين أمريكا وفرنسا في إفريقيا والتجسس الأمريكي واسع النطاق على حلفاءها الأوروبيين).

فتركيا مثلا، لم تثنها تناقضاتها مع النظام السوري قبل الثورة عن تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع سوريا بوتيرة سريعة لصالح البلدين ، ونفس الشيئ مع بغداد ومع إقليم كردستان، بل ومع إيران التي تحرص تركيا على تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية معها باستمرار رغم كل المشكلات بينهما ومساندتها لإيران في مباحثاتها النووية مع الغرب والتسهيلات الائتمانية التي قدمتها لها تركيا بسبب حصار المؤسسات المالية الغربية لمعاملاتها المالية الدولية.

وبالنسبة للحالة المصرية وهذا بيت قصيدنا ، فهي تشهد أوضاعا سياسية واجتماعية واقتصادية خطيرة يمكن أن تفضي بأهم بلد عربي إلى انفجارات وفوضى لايعلم مداها إلا الله، وهذا سيكون مصدر سعادة كبيرة لإسرائيل دون شك. ليس من مصلحة العرب إطلاقا أن تنهار مصر. فهل من مصلحة العرب ترك مصر ، كبلد عربي ، بغض النظر عن طبيعة نظامه الدكتاتوري الدموي لمصير مظلم؟ ما هو الأهم والأولى: تعزيز وضع مصر كبلد ودولة للحيلولة دون انهيارها الشامل لا قدر الله ، أو الاستسلام لمنطق الصراع والقطيعة وترك البلد غنيمة سهلة تستفرد بها إسرائيل وأمريكا كما هو حاصل فعلا؟ النظام المصري زائل لامحالة ، ومصر البلد العربي ذي القوى البشرية والطبيعية الكبيرة المذخورة والموقع الجيوستراتيجي الحساس باق. المصلحة كل المصلحة في إبقاء مصر واقفة على قدميها، أما مصير نظامها فهو يقع تحت مسؤولية المصريين.

لنحلّل إذا نتائج زيارة العاهل السعودي من هذا المنظور:

يعطي الوضع الحالي في سيناء لإسرائيل وضعا مريحا للغاية، فدماء السيناويين ودماء الجيش المصري تسيل بغزارة وهذا يعمق الشرخ والحقد بين أبناء الشعب المصري، فلا الجيش المصري قادر على حسم الصراع عسكريا في سيناء مع داعش وفي هذا استنزاف خطير لقدراته وابتذال لصورته بدل الاستعداد لمواجهة إسرائيل وهذه هي وظيفته الطبيعية، ولا داعش ستتخلص من إيديولوجيتها المتطرفة ومن دوامة الانتقام للأهالي السيناويين ضحايا سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها النظام المصري ضدهم .

تتعلق الاتفاقيات الجديدة (17 اتفاقية) بعدة مجالات حيوية : يتعلق المجال الأول بتنمية سيناء وهو بدوره يشمل ثلاث مشاريع هامة جدا بالنسبة لسيناء ومصر بتكلفة 4 مليار دولار: أولها تأسيس جامعة في منطقة الطور جنوب سيناء وستكون أول جامعة حديثة في شبه الجزيرة تستطيع استيعاب آلاف الطلبة وتساهم في رفع المستوى المعرفي والعلمي للشباب السيناويين وهذا سيساعد على امتصاص حالة اليأس التي يعاني منها أهل سيناء الذين يعانون من تهميش مزمن منذ عهد عبد الناصر.

 هناك ايضا مشروع استراتيجي حساس وهو مشروع جسر يربط بين السعودية ومصر. ففضلا عن تشغيله لعشرات الآلاف من العمال لسنوات سيؤمّن ربطا بين قارتي آسيا و إفريقيا ويسهّل النفاذ البحري والتجاري نحو أوروبا عبر البحر المتوسط . أما عن البعد الاستراتيجي العسكري ومنه تسهيل تدفقات القوة العسكرية في الاتجاهين ، فيكفي أن نعلم أن إسرائل قد عملت “بحيلة سياسية”(حسب تعبير المحلل الإسرائيلي سمدار بيري في صحيفة يديعوت أحرونوت/ نقلا عن مجلة العصر الإلكترونية في 10/4/2016) لإقناع حسني مبارك لعدم الاستجابة لعروض سعودية قبل سنوات لتنفيذ هذا المشروع.

 أما المجال الثالث فيتعلق باستثمارات في القطاعين الصناعي والزراعي للمساهمة لإخراج سيناء من وضع اقتصادي متردّ بعد إغلاق الأنفاق مع غزة التي كانت تشكل متنفسا للجانبين من الحدود وتدمير الجيش المصري لمساحات زراعية واسعة وتهجير سكانها.

ويتعلق المجال الرابع بالطاقة عبر تأمين 70 ألف طن من الوقود يوميا لمصر لمدة خمس سنوات بتكلفة 20 مليار دور بشروط مخففة. أما المجال الثالث فيتعلق بتأسيس صندوق استثماري مشترك لتوسيع قاعدة الاستثمار في مشاريع اقتصادية.

أما المجال الخامس فقد أثار احتجاجات أطراف سياسية و من بعض منظمات المجتمع المدني المصرية ويتعلق بتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. الجزيرتان تحتلان موقعا استراتيجيا كبير الأهمية والحساسية ، فهما تقعان في مدخل القرن الأيمن للبحر الأحمر وهو المنفذ البحري الجنوبي لإسرائيل على البحر الأحمر الذي يشكل أهمية حيوية بالنسبة لها وصولا إلى بحر العرب وشرق إفريقيا والخليج العربي. الحديث عن السيادة في زمن تمزيق الوطن العربي الممزّق شوفينية متطرفة لا معنى لها . ما هي المشكلة في حدوث تفاهمات على أسس المصالح المشتركة وبسلمية بدل الصراعات ومفاقمة سوء العلاقات بين البلدان العربية كما يحدث دائما ؟ صحيح أن السعودية التزمت بنفس التزامات مصر حول وضع الجزيرتين بمقتضى اتفاقية كامب ديفيد، ولكن دعونا ننظر إلى هذا الموضوع من منظار استراتيجي بعيد المدى..

وبالإمكان ملاحظة الحرج الكبير الذي أصاب إسرائيل حيث تداركت صحيفة يديعوت أحرونوت في 12/4/2016 الموضوع للإعلان عن أن أمريكا ضغطت على إسرائيل لقبول تعديل الحدود البحرية بين مصر والسعودية بينما ذكرت هاآرتس بنفس التاريخ أن إسرائيل علمت مسبقا بالموضوع وأنها أبدت عدم اعتراضها . وإذا كان من الطبيعي أن يخبر الرئيس المصري إسرائيل بالموضوع فقد اعترف المحللون الإسرائيليون أن الوضع المتدهور في مصر ووجود مؤشرات على خيبة أمل الأمريكيين في أداء الرئيس المصري وإيصال الأوضاع في بلده إلى شفير الهاوية، جعلاه ينصاع للمطالب السعودية ، فهو في وضع مختلف تماما عن وضع سلفه مبارك . فهل من مصلحة إسرائيل و أمريكا أن تنتقل السيادة على الجزيرتين اللتين تعودان في الأصل للسعودية باعتراف الرئيس المصري وذلك وفقا للتقسيمات الإدارية للمنطقة على عهد الدولة العثمانية، من مصر التي اجتهد نظامها في الاستجابة لجميع الرغبات والإملاءات الإسرائيلية والأمريكية، إلى السعودية التي باتت تنتهج سياسات إقليمية ودولية أقل ما يقال عنها أنها تبعث على الشك والريبة في النوايا بعيدة المدى لدى إسرائيل و أمريكا؟.

ما هو مؤكد أنه لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تنظر بعين الرضى للتحالف السعودي التركي السياسي والاقتصادي والعسكري، ولا إلى أي نوع من السياسات الرامية إلى تعزيز الصف العربي و الإسلامي وتبني مبادرات من الذات لمواجهة الخطط العولمية بعد طول خنوع واستسلام.

لأول مرة منذ ما قبل حلف بغداد (سنة 1956 وضم بريطانيا وتركيا والعراق وإيران وباكستان) الذي أراد الغرب أن يكون مجرد أداة لمواجهة الاتحاد السوفياتي وحلفاؤه في المنطقة العربية خلال الحرب الباردة، نشهد بداية تحالفات جديدة برؤية ومقاصد واضحتين ترميان إلى الخروج من أسار الهيمنة العولمية ومسك ملفات القضايا الأخطر في الوطن العربي بيد المسؤولية التاريخية وفق المصلحة العربية.

%d مدونون معجبون بهذه: