إنتِ عروسة..!

 لازلت أتذكر زيارتي الأولى – وأنا بنت ثماني سنين – لطبيب الأسنان المصري الذي رحب بي بالهجة المصرية الجميلة أهلاً بك يا أحلى عروسة ، كانت كلمة عروسة غريبة عليَّ؛ ولكنه عاد وكررها مرة أخرى وهو يحاول أن يهدّئ من خوفي ” ما تخافيش إنتي حتبقي عروسة جميلة .

 ومن بعد ذلك يوم أصبحت كلمة عروسة تتردد على مسامعي ، وأخذت أمي النصيب الأكبر في ترديد تلك الكلمة ،  “تعلمي بكرة ينتظرك بيت ، لا تقولي ذلك أمام عريسك ، كيف تفتحين بيت وانتِ بهذه التصرفات ، إذا تريدين الراحة سوف ترتاحين في بيت زوجك “، كبرت وحسب ظني لم أكن أنا الفتاة الوحيدة التي كانت يقالها لها عروسة بشكل مستمر، فكل فتاة خرجت من بيئة تقليدية شرقية شاركتني في ذلك ، وهو أمر له شقان ؛ من ناحية يعتبر أمر جيد يؤدي تأهيل الفتاة إلى حياة الشراكة والمسؤولية؛ بحيث تكون الفتاة على علم بقدسية ذلك الرباط الاجتماعي الذي يبدأ باسم الله ، والذي يدوم – إذا أراد الله – بقية الباقية من سنوات عمرها ، فهي إذاً رحلة عمرية طويلة تتطلب رؤية مجتمعية حكيمة ، فإعداد الفتاة النفسي والديني والمالي والمجتمعي والتربوي والفكري لهذه المرحلة يعتبر بمثابة الزاد الذي يرافق الفتاة في حياتها الزوجية ، ولكن من ناحية أخرى المبالغة في تذكير الفتاة لهذه المرحلة القادمة من عمرها يؤدي إلى زرع نوع من الأفكار التي قد تكون غير واقعية ولا تتلاءم مع إيقاع الحياة الزوجية ، وهذا ما نلمسه كثيراً عندما نقف عند الخلافات التي تنشأ بين الزوجين ، والتي تكون في بعض الأحيان نتيجة سوء فهم نابع من تفكير مثالي ، وشحن عاطفي وردي ، ورؤية تربوية قاصرة ، ينتج عنها خلل إدراكي للفتاة ، لا تستطيع معه الفتاة التوفيق بين الكلام الذي كانت تسمعه والواقع التي تتعايش معه . فهي كالمصدومة التي صدمت بواقع لم يداعب خيالها أبداً.

 وهذا يثبت لنا بأن عملية التوجيه العشوائي للعريسين والذي غالباً ما يكون بأيدي أفراد من المجتمع دون تنسيق مسبق بينهم ، ويعتمد بشكل رئيسي على مورثات الماضي ، وما كان عليه الزمن في وقتاً ما دون مراعاة لتغيرات العصر مع افتقار تلك العملية إلى الأساس العلمي ، وكذا فإن استحضار لغة الأمر دون فتح باب النقاش يجعل العملية مشتتة أكثر وغير مفيدة؛ فالوضوح والتسلسل والتنظيم المدروس وهامش حرية أكثر فعالية في توجيه الأبناء، وفي تأهيل المقبلين على القفص الذهبي.

لا شك بأن أي الفتاة سوف تُطرب عندما يقال لها إنتِ عروسة أو سوف تكونين عروسة ، لكن ذلك لا يُنسيها متعة المرحلة التي تعيش فيها ، صحيح أن حلم كل أم وأب هو أن يشاهد أبنائه في عالمهم الخاص ؛ وهم على قيد الحياة حتى يرتاح بالهم ، ويلمسوا ثمرة جهدهم فبل رحيلهم الأخير، ولكن ذلك لا يعني المبالغة في دفعهم إلى تلك الحياة ، وأيضاً لا ننسى بأن الاعتدال هو الفضيلة التي تكمل كل نقص ، والاعتدال في الطرح التوجيهي يساعد الفتاة في إصغائها الجيد لمن له حق عليها، وامتثالها – بنفس راضية بقدر الله – للتوجيهات والنصائح الأبوية حتى إذا لم تكن يوماً عروسة…!

6 تعليقات

  1. لا لوم على أحد ، ومن الإنصاف أن الألفاظ تختار بناء على الجنس ، وبعيدا عن التشاؤم يطلق بعض الألفاظ على الصغير مثل شيخ أو إمام أو…. ولا ضير ولا كابوس ، كذا الأنثى بس من باب تمني الافضل ، مجرد مرور أو الرأي الآخر ..

  2. مقال جميل جدا
    مداخلة بسيطة للاخت فاطمة الخطأ لا يقع على عاتق الفتاة ولا على اهل او ام الفتاة بل يقع على المجتمع الصومالي
    فالذكر فقط يتعلم منهم انه سيكون زوج يجنجب الذكور ولا يتعلم ماهي مسؤولياته اتجاه زوجته فيفهم منهم انها مجبرة على خدمته والقيام بواجبات المنزل و لأولاد وتربيتهم لا وبل يجب ان تكسب النقود لتطعمه .
    المجتمع يربي البنت على انها درجة سفلى والذكر هو الملك وليس عليها سوى ان تصطدم بالواقع المرير وتسكت
    وتبقى عروس اول شهر او ممكن اول اسبوع ومن بعدها ترى ان المجتمع رباها والقى على كاهلها اكثر من ما يجب ان تحمل فلله درهن بصبرهن على رجال يأكلون ويركلون …..
    جزاك الله خيرا.

    • شكرا اخي الكريم على تعليقك الذي يحتوى على نقاط تستحق الوقوف و جعلها موضوعات للحوار . اجدد شكري الجزيل لك.

  3. قلمي يعجز عن شكر الدكتور عبد الباسط فكلماتك هي بمثابة شهادة افتخر بها .شكرا لك

  4. كلام صحيح ، لأن تنشأة الطفل ذكرا كان أو أنثى بما لا يستطيع إدراكه في هذه المرحلة المبكرة من عمره، قد يولد فهما خاطئا، أو يصبح كابوسا يلاحق الشخص طول حياة ، وخاصة إذا كان الوئام والتوافق أو الإحترام غير موجود بين الأبوين، فيتصور بأن هذا الكلام المعسول يخفى وراءه مستقبلا مظلما، ولذا يجب التنبه لهذا الأمر الخطير ، وإن لا ننساق الموروث الشعبي الذي لم يأخذ حظه من المناقشة والبحث لصحته أو لسقمه.
    وشكري موصول للأخت الفاضلة ومواضيعها المميزة .

%d مدونون معجبون بهذه: