خواطر دعوية [5] مسجد بني فلان

كنت في زيارة خاصة في بلدة من إحدى الدول الغربية ، وعند مغادرتي رافقني بعض الأخوة إلى محطة القطار ، فاستقلنا بسيارة أحدهم ، وكانت المسافة طويلة فاضطررنا بمرور بعض الأحياء، فلما اقتربنا من أحد المساجد التابعة للجالية الصومالية ، قالوا : هذا مسجد بني فلان ( قبيلة صومالية ) ، ثم جاوزنا مسجدا آخر ، فقالوا أيضا هذا المسجد للقبيلة الفلانية ، وقال آخر إن المسجد الواقع في الحي الفلاني تابع للقبيلة الفلانية، فاستمر الكلام حتى ذكروا عدة مساجد في البلدة.

قلت لهم : ما العيب في ذلك ؛ لأنه ليس هناك مانع شرعي يمنع من القبيلة ببناء المسجد والتعاهد عليه ، بل هذا يعتبر من مفاخرها ، ودليل على إيمانها وحبها للإسلام .

وقد ذكر في التاريخ الإسلامي الغابر عدد غير قليل من المساجد بناها أبناء القبائل زرافات ووحدانا ، وسميت بأسماء قبائلها ، وذلك في زمن النبوة وبعدها .

وقد عقد البخاري في صحيحة بابا قال فيه : باب هل يقال مسجد بني فلان ، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ) وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها.

ومن هذه المساجد أيضا مسجد بني سلمة ( القبلتين )، ومسجد بني خطمة ، ومسجد بني غفار، ومسجد بني بياضة ، ومسجد بني خدارة ، ومسجد بنى ساعدة، ومسجد أبي بن كعب ، ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني عدي ، ومسجد بني حارثة ، وكل هذه المساجد في مدينة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم .

ومن المساجد المشهورة في العالم الإسلامي والتي ينسب إلى الأسر والقبائل التي بنتها مسجد بني أمية ( جامع الأمويين ) في عاصمة سوريا دمشق ، ولم يقل أحد من العلماء بعدم جواز ذلك ما دام المسجد مفتوحا لكل متعبد بغض النظر عن أصله وفصله .

قالوا : لا نعارض بأن تبني القبيلة مسجدا أو مركزا دينيا في مكان وجودها ، ولكن الذي يصعب فهمه الأمور التالية :

الأول : من المستحيل في بلاد المهجر بأن تتمكن قبيلة في اختيار مكان سكانها وتجميع أفرادها في بقعة واحدة ، فضلا عن استطاعتها في بناء مسجد خاص بها لا يشاركها أحد .

الثاني : بنيت هذه المساجد من تبرعات المسلمين من غير التفريق بينهم ، ولكن عندما اكتمل شراؤها ، تحولت من ملكية عامة إلى خاصة .

الثالث : القائمون على هذه المساجد أو الأصح المتنفذون فيها ينحدرون من قبيلة واحدة ، وأما من ليس منهم إن وجد فيهم فهو على سبيل التجميل .

الرابع : الأنشطة المقامة في المسجد من محاضرات وندوات علمية وخطب جمعة أو كلمات وعظية لا يستضاف فيه إلا العلماء والدعاة الذين ينحدرون من قبيلتهم .

ولأجل ذلك أصبحت المساجد محاضن قبلية وإن تظاهر القائمون عليها بعكس ذلك .

قلت : من المصائب والآفات المنتشرة بين الناس اليوم إلقاء الكلام على عواهله، ورمي الجميع عن قوص واحد ، ثم استخدام أسلوب التعميم الذي لا يذر ولا يبقي شيئا ، ويضع الناس في سلة واحدة من غير استثناء ، والذي أعرفه بأن الخير ما زال يرفرف في ربوع الشعب الصومالي ، والأخيار والصلحاء موجودون في كل مكان ، ولا يمنع ذلك من وجود أخطاء وتصرفات غير سوية في بعض المساجد ، مما جعل الناس يسيئون الظن بالإدارات القائمة عليها .

وأما ما أشرتم إليه من ملاحظات سأحاول الإجابة عنها قدر الإمكان :

فأما الأولى : فهي ملاحظة وجيهة بأن المهاجرين لا يستطيعون التجمهر في حارة واحدة ، كما ليس باستطاعتهم تشييد مركز دون مساعدة الآخرين .

وقولكم الثاني صحيح جملة وتفصيلا ؛ لأن عند جمع التبرعات لا يستثنى أحد ولو كان مخالفا ، ثم تحول المرفق بعد ذلك إلى ما يشبه ما ذكرتم به فله حظ من الحقيقة .

وأما الملاحظة الثالثة فإذا كان القائمون على المسجد يملكون حسا إداريا وكفاءة وخلقا سويا ، لا مشكلة في ذلك ، ولو كانوا من أسرة واحدة فضلا عن القبيلة .

وأما الأخيرة فهي أنكى وأفظع من كل ما ذكرتم ؛ لأن العلماء لا نسب لهم في مجال العلم والدعوة ، بل كل من حاز علما شرعيا يجب دعوته واستفادته سواء بعُد أم قرب ، موافقا كان أم مخالفا ، عضوا في الحركة أم لا ، ولكن التنازع الداخلي الصومالي أنتج لنا مصائب ومشاكل عويصة ، أعظمها خطرا وهدما القبلية التي تغلغلت في كل ميادين الحياة ، كما اقتحمت في ميدان الدعوة ، فأصبحت إدارات بعض المساجد لا تقبل إلا من ينتمي إليهم ، مما جعل كثير من الناس يسيئون الظن بهم .

وأخيرا يجب على العلماء والدعاة أن يتقوا الله تعالى في دعوتهم ، وألا يسمحوا لضعفاء الإيمان الإساءة والتشويه لمقام العلم والعلماء ، وأن يكون الهدف إرضاء الله تعالى وخدمة الدين ، وعدم تفريق الدعاة بسبب العرق أو الانتماء، وصيانة المساجد عن كل القاذورات المعنوية ، وإعلاء شرف العلم .

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه .

%d مدونون معجبون بهذه: