عبقرية العصر “الشيخ الترابي” بين التقدير والإهمال

رغم أننى أخالف المفكر والعبقري السوداني الراحل في بعض نظرياته واجتهاداته الشاذة فهو نوع من الاستقلال الفكري وإعمال العقل والتدبر في سنن الجماعات والأمم عبر التاريخ (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) سورة الأنعام:38.

وممّا استوقفني فيه أن أكثر العلماء البارزين في العالم الإسلامي والعربي خاصة المنتمين إلى الفقه السياسي وغيرهم لم يكتُبوا عن مآثره وعطائه الفكري وقانونيته المتميزة والتي امتدت إلى أكثر من 60 عاما من الكفاح السياسي والاجتماعي وكتاباته النادرة خاصة التي ألفها في آخر حياته مثل”السياسة والحكم : النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع” بعد رحيله.

 ويمكن أن يطلق عليه الأحكام السلطانية وهو كتاب جدير بقراءته والإفادة منه، وكتابه التفسير التوحيدي كتبهما في سجنه خلال السنوات العشر الماضية. ومن الصعب استيعابهما في أول الوهلة كبقية كتبه، ولكن الأخيرين أكثر عُمقا؛ حيث أفاد من تجاربه المريرة مع الإسلاميين في السودان الذين خذلوه بعد مناصرته لهم.

فهل الرجل يستحق من العلماء والكتاب والباحثين الإهمال؟ فإنه عبقرية العصر ودهائه، اختلاف وجهات النظر والمسائل والمآلآت عادية طبيعية لاختلاف البشر حتى جهابذة العلماء عبر العصور كانوا يتنابذون بألفاظ صعبة ولم يتهاجروا ولم يُكفر بعضهم بعضا بل كانوا يتعاونون فيما اتفقوا ويعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا ، اقرأ مثلا اختلافات أبى حنيفة مع تلميذيه الشهيرين الناصرين والناشرين لمذهبه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني. والشافعي وتلميذه الإمام المزني والربيع ، والإمام مالك وتلميذه الأوحد الإمام السحنون والإمام أحمد وشيخه العلامة الإمام الشافعي ناصر السنة وقامع البدع والإمام ابن تيمية مع تلميذه وناصر مذهبه الإمام ابن القيم والعلامة الإمام السمرقندي مع تلميذه وزوج بنته العلامة المحقق الذي اعتني بالفقه المقارن الإمام الكاساني صاحب “بدائع الصنائع وترتيب الشرائع” .

موقف اعجبني في الانصاف وهذا ينبغي أن يتحلى به العلماء وهو أن شيخي العلامة الشيخ حسين عبده يوسف المسرِيّ السرنسوري الأشعري (ت1999م) كان بينه وبين أحد الشيوخ البارزين في المنطقة خلافات حول العقيدة ولكن عندما توفي السرنسوري حضره مخالفه وبكي علي قبره حتي أغمي عليه ثم قال”دفنا اليوم هنا “منديرا شمال شرق كينيا” نصف العلم “.

فالترابي لم يكن رجلا ماديا كما يظن البعض أو طالبا وساعيا وراء حظوظ الدنيا حتى وإن طلب أو سعي لها فمن وراء تحقيق الأهداف الإلهية من الحكم وتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة الاجتماعية المفقودة.

وهو رجل متواضع بسيط واقد الذهن والهمم والمثل العليا، تري ذلك عندما تزوره في مكتبه يستقبلك بكل الحفاوة ولو كان الزائر صغيرا أو من البسطاء العادين ويستمع لمطالبك بكل تأدب ثم يسعى لتحقيقها ، وإن كان له رأي فيما طُرح يناقش معك بكل أدب وأريحية حتي تقتنع.

فصيح اللسان -خاصة عند التأليف – كأنه يستنبط من ألفاظ القرآن ومفرداته وفي بعض الحالات قد ما تستوعب طرحه إلا بعد تأمل، تقول في نفسك أفيلسوف أم قانوني أم سياسي وهذه النعوت تجتمع على هذا العبقري الفذ.

فالرجل كثير التدبر لكتاب الله، وكان مُستعد الانتقال إلى جوار ربه وما ذلك إلا بالإيمان الجازم والحساب الذي ينتظره ، كثير ما كان يكرر في قوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة المائدة:118، ويؤمن مضمونها ووعدها ووعيدها. كثير التوبة والإنابة إلي الله والعفو والصفح بها يتقرب إلى الله (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) سورة الأنعام:16 كثير الورع أخبرني من أثق به وهو سره في أموره الادارية أنه قلما يترك الصوم في أيام البيض والاثنين والخميس، وأُخبرتُ أنه عندما كان وزيرا للعدل والخارجية كان يأتي ماء شربه من بيته ولا يشرب من الوزارة !!!!

ولا يحمل على الناس والمتساهلين على الهفوات وإنما ينصحهم على الالتزام ظاهرا وباطنا (وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ ) سورة الأنعام:52

فكثير ما يستنبط الآيات القرائية بفقه الواقع، ولا يلتزم بمنهج المفسرين القدامى وإنّما يربطها بالظروف المحيطة به (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) سورة الأنعام:149

الكتابة عن الترابي عصية وإنّما استوقفني بعد رحليه عدم اهتمام العلماء الكبار بمكانة الرجل إلا نذر يسر منهم. عايشت الرجل فترة دراستي في السودان رغم الفرق الكبير بين مستوى العلمي والثقافي والفكري؛حيث كنت بن عشرين سنة عندما تعرفتُ عليه عام 1992م في بداية الثورة وعنفوانها وكثير من الشباب كانوا مهتمين بالصحوة الإسلامية ثم قدر الله لي أن أصحبت ضمن أول مجموعة تحصل على درجة البكالوريوس قانون بجامعة إفريقيا العالمية؛حيث أكرمهم الترابي بملغ تشجيعي من المال الذين حصلوا على المتميزين أكاديميا وذلك نهاية عام 1994 وبداية 1995م.

وختاما لقد ترك الشيخ دويا عظيماً وشغل الساحة السياسية والفكرية ردحاً من الزمان، وقد يستمر هذا الدويِّ وقتا طويلا، ويُؤثر عنه هذا الضرب في ميادين تربية أجيال متتالية وكاد البعض يفتن بمحاجاته وقوة عارضته وأسلوبه الفريد في الجدال معه رؤاه وجرأة طرحه. وكان تشييعه فريدا كذلكم كأنه يقول بلسان تلاميذه وأتباعه ومؤيديه…بيننا مناوئيه الجنائز !!.

تعليق واحد

  1. شكرا استاذ يونس, مهما اختلف الانسان مع الشيخ حسن الترابي فلا شك أنه عظيم من عظماء هذه الأمة. رحمه الله رحمة واسعة.

%d مدونون معجبون بهذه: