الخلق أنواع متعددة [2]

أمر السرائر إلى اللَّه :

لم يكلف الله سبحانه وتعالى بني البشر فوق طاقتهم، ولم يفرض عليهم من الأمور إلا ما يطيقون، وليس لهم من الأحوال إلا ظاهرها، ولا من الأقوال إلا صريحها، إذ وضع الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة ” إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ” فمن تتدخل في أسرار الناس وخباياهم فقد إفتات على الله ما اختص به، وتتدخل فيما لا يعنيه، وادعى فيما لا يطيقه. وهذه قاعدة ذهبية تضع حدا للموسوسين، الذين يراقبون حركات الناس وسكناتهم، ويأولون تصرفاتهم الظاهرة بأن لها رصيدا من النيات الطالحات، قال علاّمة ابن عبد البر: “أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر ، وأن أمر السرائر إلى اللَّه”

تجد شخصا يقول فلان لا يقصد عمله هذا لوجه الله ! وإذا سألته كيف وقفت على مقصده ونيته لا يحير لك أجوبة مقنعة، إلا تخيلات مفبركة، ووساوس مصطنعة، فيصدق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد – وهو حب رسول الله وابن حبه- ” أفلا شققت عن قلبه”!

ومن تأمل بمنطلقات الذين يحكمون على الناس جزافا، والمتحسسين بسلوكيات الناس، والمتجسسين على أقوال عباد الله وأفعالهم، يجد على أن مشكلتهم الأساسية أنهم ينقبون عن قلوب الناس نقبا، ثم يتوصلون إلى نتيحة وهمية هي من وحي خواطرهم، ونسيج خيالاتهم وإيحاءات وساوسهم ليس لها رصيد من الواقع، ولا مستند من الشرع. فيبنون عليها طامات من الأحكام الباطلة ” وما بني على الباطل فهو باطل”.

 ومن هؤلاء أقوام كفّروا صالحين، واستباحوا دماء دعاة كانوا يدعون إلى الله والمكفِّرون في عالم الأجنّة. وهؤلاء المكفِّرون سطوا على قلوب الناس، وحملوهم ما ليس له واقع، والتزموا ما لايلزم. فتسمع وهم يقولون: فلان كافر لأنه عميل للكفار! لأني رأيته وهو يضحك مع كافر، أو يجتمع مع علان، أو ينفرد مع فلان، أو يسلم على هيانّ وبيّان! بهذه البساطة وبالوساوس ينقض ما هو ثابت وهو إسلام فلان الذي لا يرتفع إلا بدليل قاطع لا يتأثر بالهوى، ولا تعصف عليه رياح الوساوس، لذلك اشترط الرسول صلى الله عليه وسلم صراحة الكفر وعدم احتماله بأي تأويل والأخذ والرد، وقطعية دلالته “إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان” هنا قسم الرسول صلى الله عليه وسلم الكفر إلى قسمين: كفر بواح صريح واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، فهذا يلحق بصاحبه بشروطه المعروفة. والقسم الثاني:كفر غير صريح ولا واضح – وهو دلالة مفهوم الحديث – فهذا لا يكفر به صاحبه وإنما يُتريث.

ومن هؤلاء طوائف ينفّقون الناس جزافا ويرسلون الأحكام على عواهنها؛ لأنهم يستنبعون هذه الأحكام من منابع الوسواس، فتراهم وهم يدندنون فلان منافق مارق، لأنه يصاحب الكفار، ويأكل معهم، ويعيش في أرضهم، وغير ذلك من التهم الجاهزة، التي ليست لها خطام ولا زمام. أخرج الشيخان أن رجلا قال – في حضرة الرسول – : ما فعل مالك لا أراه؟ فقال رجل – آخر ـ : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقل ذلك ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى” فقال: الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ” هكذا علَّم الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابَه وأمته عدم السكوت عن اتهام المسلمين بالنفاق وغيره، ووجوب الذب عن المسلم لقوله صلى الله عليه وسلم ” من رد عن عرض أخيه بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة”.

 ومن هؤلاء فرق يبدّعون أهل السنة زورا وبهتانا، ويكالون لهم أطنانا من الشتائم، فتسمع وهم يقولون: فلان بدعي، يثلث الله لأنه يثبت لله ثلاث صفات، الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فمن قرأ سورة الناس متهم عندهم بالتثليث لأنها حوت ثلاثة صفات لله، الربوبية، والملكية، والألوهية. كما أنهم لا يقبلون قوله في سورة مريم { رب السموات والأرض وما بينهما فعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} لأنه اشتمل على توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات صراحة.

ومن هؤلاء من يمسكون أقلامهم ويراقبون تصرفات الخلق فيسجلون عليهم كل هفوة وخطأ، وكل عثرة وزلة، ويستخرجون عيوبهم بالمنقاش،ثم يسودون بها صفحات الجرائد، وقد يؤولون إجابياتهم إلى سلبيات، وحسناتهم إلى سيآت، ومع هذا يرمون بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) عرض الحائط، وكم من عورة تتبعوا، بل كم من حسنة حولوها إلى عورة، ثم أنشؤوا منها مقلات وبحوث. لله درك أمير المؤمنين لما سمعت رجلا يجعل كلمة حق مطية يتوصل بها إلى باطل قلت قولك السائر هي: ” كلمة حق يراد بها باطلا” فكيف لو رأيت في زماننا أناسا يجعلون الباطل حقا، والغيبة نصيحة، والتنزوير إرشادا.. إنها كارثة زماننا! لقد أغض مضاجع سلفنا أناس كفروا المسلمين بالمعاصي فكيف لو رأوا الذين يكفرون بالحسنات في زماننا!

%d مدونون معجبون بهذه: