شباب لندن ومصيدة التطرف

في مدينة صاخبة مثل لندن يصعب على الشاب الصغير طري العود أن يأخذ القرار الصحيح ويسلك سبيل الهدى؛ لكن الفتي الساكن في شمال لندن بدأ يبحث عن طريق السعادة والنجاة بعد فترة ضياع ولهو، وبخطى ثابتة مفعمة بالأمل وحماس الشباب شق طريقه إلى مسجد فنسبري بارك في شمال لندن، دخل السجد وهو يحمل هم التوبة هم الرجوع إلى الله، دخوله للمسجد بحد ذاته كان مؤشرا طيبا لكنه لم يكن نهاية المطاف، فالقصة تبدأ من المسجد؛ حيث أن بعض التيارات الهدامة تنشط فيه، وهناك التقى عبده زميله عمر من أصول أرترية همس في أذن صاحبه أنه يرغب في الالتزام والهداية وترك طيش الشباب ، وأعرب عمر نفس الشعور ولسوء الحظ وقع الاثنان في فخ جماعة أبو حمزة المصري .

كان أبو الحمزة المصري في ذاك الوقت إمام وخطيب مسجد فنسبري بارك، وكان يجدب كثيرا من الناس بخطبه الحماسية وهجومه الشديد على الغرب الكافر حتى أن جمهورا لابأس به من الانجليز كانوا يستمعون لخطبه ويستغربون كيف يكيل لهم كل هذا السباب والشتائم، وهو يعيش على الضمان الاجتماعي وفلوس دافعي الضرائب.

بدأ أبو حمزة المصري حياته اللندنية حارسا لملهي ليلي ثم ذهب إلى أفغانستان مجاهدا، وهناك فقد ذراعيه وإحدى عينيه ثم رجع إلى لندن ، وأصبح إماما وخطيبا لمسجد في شمال لندن، وفي إحدي مقالاته ذكر أحد المقاتلين الجزائريين أنهم كانوا يتلقون فتاوى ذبح القرويين الجزائريين منه شخصيا بدعوى أنهم موالون للحكومة. انتهى به الأمر في سجون بريطانيا إلا أن المفاجأة المدوية كانت حسب تقارير الصحفية عندما ذكر أمام المحكمة بعظمة لسانه انه كان عميلا سريا لجهاز المخابرات البريطانية كما قدم محاميه 50 وثيقة تثبت ذلك.

لم يستسغ عبده ما كان يسمع من الجماعة وبعد فترة من الحيرة والتردد ذهب إلى مسجد ويمبلي بغرب لندن، وهناك التقى مع أحد طلبة العلم وذكر له أنه في حيرة من أمره، وأنه يسمع من جماعة أبو حمزة كلاما لم يقبل عقله، وهنا سئل الأخ لعبده: هل تريد فعلا أن تتعلم العلم الشرعي أم أن تخوض غمار السياسة مع الجماعات المفلسة ؟ رد بسرعة انه يريد طلب العلم الشرعي فطلب منه أن يحضر كتبا للمبتدئين، وأن يزوره في المسجد ، ومن هذا اليوم قطع صلته مع الجماعة، وبدأ يتعلم العلم النافع.

أما عمر فقد انغمس في ضلالات جماعة أبو حمزة، وبدأ يقترب أكثر فأكثر وصار عضوا فاعلا ، ولحسن حظه وقع عليه الاختيار ليكون الانتحاري المقبل أو الشهيد حسب زعمهم.

وفي يوم نحس لبس حزامه الناسف واتجه صوب إحدى أكبر محطات القطار بوسط لندن وضع أصبعه على الزر في ساعة الصفر لكنه لم ينفجر حاول جاهدا لكن محاولاته كلها باءت بالفشل، أراد قتل نفسه بالتفجير وأراد الله له الحياة؛ فكانت إرادة الله أقوى وخطط قتل أكبر عدد في المحطة المزحومة؛ لكن كان للقدر رأي آخر. عاش لحظات عصيبة وصار في موقف لا يحسد عليه، ظل مرتبكا، التفت يمينا ويسارا إلا أن قرر الهروب من الموقف وشق طريقه وسط الزحام ثم اختفي في مكان مجهول؛ إلا أن يقظة أجهزة الأمن البريطانية أفشلت الاختباء وعثرته مع مجموعة أخرى في إحدى شقق بغرب لندن ، وسمحوا للصحافة التقاط الصور وهنا استغلت الصحافة الحاقدة الموقف.

وفي اليوم التالي ظهر في الصحف وهو يرفع اليدين عاري الصدر شاحب الوجه وبعنوان عريض كتبت صحيفة الصن الشعبية ( امسكنا الوسخ) في الصفحة الرئيسية مع صورة كبيرة له بهذه الصورة البشعة كانت نهاية عمر ، وانتهي به المطاف إلى غياهب سجون لندن مع ثلة من المجرمين. انتهى حلم الجهاد العبثي انتهي الوهم الكبير وخسر لقب الشهادة التي كان سيحصلها عقب موته، بدل الشهيد هو اليوم السجين رقم…….

بعد بضع سنين من الحادثة مازلت أحاول استرجاع الذاكرة لأروي القصة من جديد، وأذكر فصولها وتفاصيلها علّها تكون عظة للبعض ، وكل تمنياتنا للأخ عمر أن يتأقلم مع الوضع الجديد، ويجد فرصة سانحة في محبسه لمراجعة الماضي ومحاسبة نفسه عن المقامرة التي قام بها، ويتساءل … هل لو تم له الانفجار وانشطر جسمه قطعا كان يفيد الإسلام والمسلمين؟ هل كان التفجير بحد ذاته غاية يسعى إليه ؟هل فكر في معادلة الربح والخسارة ؟هل فكر في مصالح المسلمين في الغرب التي تأثرت سلبا على واقعهم الحياتي، وتضيق الخناق على هامش الحرية الدينية التي يتمتعونها؟ هل التفجيرات التي حصلت وتحصل في الغرب غيرت من الواقع شيئا؟ ألم تساعد التفجيرات اليمين المتطرف في الغرب؛ ليصعد نجمه ويحصد ما لم يكن يتوقعه من الأصوات؟ أسئلة كثيرة وكثيرة أرجو أن يجد لها الإجابة الوافعية، ويستفتي قلبه؛ لأن الفطرة السليمة ليست بعيدة عن صحيح الدين (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه نفسك واطمأن إليه قلبك، والإثم ما حاك في نفسك وتردد في صدرك ولو أفتاك الناس واستفتوك). الحديث.

عبده وعمر نموذجان من نماذج شباب المهجر الذين ترعرعوا في عواصم الغرب واتجهوا بعد فترة ضياع نحو المسجد باحثين عن هويتهم الأصلية وأمجاد تاريخهم الماضي وإسلامهم السمح؛ فوقعوا فريسة التنظيمات التي تدعي الجهاد ظلما وزورا مستغلين حماس الشباب وسطحيتهم ومدغدغين عواطفهم الدينية، ولولا رحمة ربي لكان عبده مثل عمر رقما في سجون بريطانيا لكن عناية المولى ونصيحة العبد الصالح أنقدته، واليوم يعيش في ظل أجواء من السعادة والمرح بين عمله وأهله.

قصة عمر وعبده قصة حقيقية، وليست من بنات أفكاري، وهي تعطيك صورة مصغرة عن ما يدور في أذهان شباب المهجر، وعن رغبة جامحة لدى بعضهم للرجوع إلى الله؛ لكنهم بأمس الحاجة إلى من يأخذ أيديهم إلى بر الأمان وإلى الصراط المستقيم ، فالتحديات في الدول الغربية كثيرة، وموجات التسونامي تعصف باستمرار؛ والإسلاميون للأسف منشغلون فيما بينهم مما جعلهم فريسة للتنظيمات المشبوهة التي تعمل ليل نهار لتشكيل أكبر عدد من شباب الأمة لإقحامهم في مشاريع لم تقدم للإسلام خطوة إلى الأمام، ولم تحرر الأقصى المبارك، ولم تسع يوما لتكون كلمة الله هي العليا بل تسعى لتمكين الأعداء من مقدرات الأمة .

ما أصعب على النفس أن تدرك الحقيقة بعد فوات الأوان وتندم حين لا ينفع عض أصابع الندم.

ما أصعب على المرء أن يدرك أن شيخه وإمامه ما كان إلا عميلا سريا، وأنه كان ضمن مشروع تديرها المخابرات الدولية الهدف منه تشويه الوجه المشرف للإسلام وتغيير تعاليمه السمحة.

ما أصعب على الأهل خسارة فلذات أكبادهم في أشد الصور إيلاما وهم يشاهدون صورهم في الإعلام المرئي.

ما أصعب على الأمة أن ترى شبابها أعضاء ممزقة في الشوارع؛ وتفقد قوتها وشبابها بطريقة مأساوية.

ما أصعب على النفس أن تقول [ يا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشيطان لِلإِنسانِ خذولا * [الفرقان:28ـ29]ما أصعب على النفس أن تكون ضمن [الذين ضَل سعيهم فِي الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسِنون صنْعا] سورة الكهف (104) ما أصعب …. وما أصعب…؟

%d مدونون معجبون بهذه: