خواطر دعوية [ 3] يا شيخ هذا الحديث ضعيف !

قبل أكثر من عقدين كنت أحرص بأداء صلاة الجمعة في أحد المساجد ؛ لأن خطيبها كان عالما واسع الاطلاع ، لا يُمل من حديثه ، كثير التواضع ، وبعد انتهاء الصلاة كان يجلس هنيهة إما لتفسير آية أو شرح حديث أو عن إجابة سؤال ، أو مناقشة قضية من القضايا، وهلم جرا .

وفي يوم من الأيام جلس الشيخ كعادته في مكان مصلاه ، وجلس حوله عدد من طلبة العلم ، ومن لم يجد مكانا قريبا من الشيخ وقف خلف الحلقة ليتسنى له رؤية الشيخ عند حديثه ، وكنت ممن وقف خلف الطلاب ، فابتدأ الشيخ كلامه بدعاء النبي صلى الله عليه ( اللهم احيني مسكينا ، وأمنتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين ) ، فلم ينه الشيخ دعاءه حتى أخرج طالب – كان يجلس تحت مكان وقوفي – ورقة صغيرة وقلما وكتب فيها : يا شيخ هذا الحديث ضعيف !، فسلم الورقة لمن هو جالس أمامه حتى وصلت إلى الشيخ ، فقرأ الشيخ بما فيها ، وهو لا يعرف كاتبها من هو ، فتوقف عن حديثه قائلا : عجبت من فعال وتصرفات بعض الفضلاء الذين يأتون إلى مجلس من مجالس الوعظ والتذكير ، ثم يكتشفون بأن الواعظ قد أعطي أسلوبا ومهارة فائقة في توصيل المعلومة وتحبيبها إلى الناس ، مما يجعل المتلقي يتأثر بهذا الكلمات العبقة التي تخرج من قلب واع ومدرك مما يقوله بما يجعلهم يسكبون العبرات ويطأطئون الرؤوس ، وتخرج منهم أصوات تعبر بما في المكنون ، فلا يكلف نفسه بأن يشاركهم في البكاء أو يحاول بالتباكي من أجل تطييب خاطرهم ، بل يذهب تفكيره بعيدا عن هذا الجو الإيماني ، ويشغل نفسه بالتحقق والتثبت مدى صحة النصوص والقصص التي يوردها هذا الواعظ في موعظته ، هل هي من الحكايات الواهية أو الأحاديث الموضوعة التي أحدثها القصاصون ليصرفوا الناس إليهم ، ثم ليصطادوا بما في جيوبهم ، ولماذا جعل الناس يبكون ويتأثرون بقوله .

ثم قال : أيها الأخ المبارك ينبغي لطالب العلم ألا يطلق لسانه فيما لا علم له ، بل يجب عليه التروي والتثبت ويسأل العلماء فيما أشكل عليه من أمر دينه، وأن يتهم نفسه قبل الآخرين ، فإن فعل ذلك فهو في سبيل الهداية دون الغواية .

وأما الحديث الذي قلت فيه بأنه ضعيف ، فقد حسنه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت رقم ٣٠٨ .

قلت : الظاهر بأن الشيخ كان يحفظ رقم الحديث ، ولعله فعل ذلك ليقطع الطريق على كل من يحاول الاعتراض على العلماء ، وقد كثر هذا النوع من التصرف في تلك الأزمنة .

والغريب في شأن بعض الناس إذا أعياهم الفهم قد يحاولون إخضاع النصوص بعقولهم القاصرة ، ثم يتصورون بأن الألفاظ التي حواها الحديث لا تليق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن المسكنة نوع من الذل والإهانة، لأنها ترمز إلى قلة اليد والعوز والفقر وسؤال الغير ، ولأجل هذا يتصور بأن الحديث ضعيف أو ما شابه ذلك .

وقد يكون سبب الاعتراض والإنكار نتيجة القراءة السطحية للموضوع أو قراءة جانب وترك الجوانب الأخرى ، أو الاكتفاء بالنقل الجزئي .

وقد اعترض على صحة هذا الحديث إمام كبير من أئمة الإسلام وعده من الموضوعات حتى قال الحافظ في ” التلخيص :” أسرف ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في الموضوعات ، و كأنه أقدم عليه لما رآه مباينا للحال التي مات عليها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان مكفيّا .

وقال البيهقي : ووجهه عندي أنه لم يسأل حال المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة ، و إنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات و التواضع . اهـ .

قلت : هذا المسلك الذي سلكه هذا الأخ الكريم يمثل أنموذجا من المشاكل التي تعاني منها الساحة العلمية والدعوية في هذا الزمان ؛ لأن كثيرا من الناس ربطوا أنفسهم بأشخاص من العلماء والدعاة ، واعتقدوا بأن الحق والصواب لا يتجاوزهم ، فالصحيح ما صححوه ، والرأي رأيهم ، فمن زكوه فهو المزكَى ، ومن ذَموه فهو المذموم ، وغير ذلك من الإطراء والغُلو الذي نهاه الشارع الحكيم .

ويجب على طلبة العلم العناية بالعلم واتباع الحق سواء قاله المحب أو المبغض ، والبعد عن ربط الناس بالخلق ، بل توجيههم إلى رب العباد ، وألا يبادر بإنكار شيء لم يتحقق فيه ، والحذر من معارضة العلماء أمام العامة ، وأن لا يسأل سؤالا لا يراد منها تحقيق الخير وتكثيره ، بل يجعل همه الإفادة والاستفادة .

2 تعليقان

  1. شكراً جزيلاً فضيلة الدكتور بهذه النفحات الممتعة، ونرجو أن تواصل جهودكم في توعية الأمة وتصحيح المسار الدعوي وحفظكم الله.

  2. جزاك الله خير الجزاء .. ياأستاذ عبد الباسط

%d مدونون معجبون بهذه: