الطفل التكنولوجي

الطفل هو ذلك الكائن الصغير الذي يترجم الواقع الحضاري لكل حقبة زمانية بأفعاله ، وهو الناطق الخفي لأفكار الكبار بأقواله ، هو الجندي التابع دائماً ، والمخلص دوماً ، والضحية الأضعف والأقل حيلة في كل تجمع بشري ، والطفل الجديد المعاصر لا يختلف عن نظيرة التقليدي الذي عاش في ظروف حضارية محدودة الآفاق ؛ فتجمعهما روح الطفولة وتفرقهما عمليات التغير التي تبرز تحت إلحاح الحاجات المتكررة والمتزايدة على جميع المستويات المعرفية والصحية والمهنية والحياتية اليومية وإلى ما هنالك من متطلبات تزيد وتتبدل باستمرارية الحياة .

هم المفتاح الفريد والآكد لأي تجربة البشرية من الماضي البعيد حتى الحاضر الحالي ، هكذا وصف صاحب كتاب ” الطفولة في التاريخ العالمي “بيتر ستيرنز ” الطفولة بكلمات تختصر تاريخ البشرية وتحصرها بمرحلة البراءة .

والتغير التكنولوجي الحديث يأتي بعد جهود وبحوث علمية لجعل الحياة مختلفة وسهلة، والطفل كان ضمن من شملهم التغير الآلي السريع باعتباره أول المتلقين لذلك التغير تحت بند التجريب ، ولكونه الوريث الحقيقي لكل هذه الجهود والنتائج ، وبالتالي فمن الطبيعي أن يتم وضع هذه التغيرات على شكل ممنهج ومنظم وتغذية للمجتمع من خلال الطفل ؛ وبذلك نجد بأن الطفل يأخذ هذه التغيرات الحضارية بصورة وفية ومخلصة، ويكون مولعاً بها ويجعلها أسلوب حياة له؛ وربما يضيف إليها جانبه الابتكاري والشخصي من خلال الأسئلة التي يطرحها، والتي تُظهر روح التمرد وترفض التسليم المجرد من البراهين .

وأحياناً يكون تمرد الطفل الجديد في مراحل عمرية صادمة للمربين مثل ما كشفت لنا دراسة أمريكية بأن ثلث الأطفال الرضع ينقرون بأيديهم على شاشات الهواتف والأجهزة الذكية قبل أن يتعلموا المشي والكلام، و إن واحدا من سبعة أطفال أتموا عامهم الأول وهم يستخدمون الأجهزة ساعة واحدة على الأقل يومياً ، وهذه النتائج كشفت بأن التكنولوجيا دفنت الطفولة وخلقت أطفالا بهموم الكبار، و صنعت صغارا ينافسون الكبار في أخذ نصيبهم من التقدم التقني كما ضيقت مساحات المرح واللعب .

 وهذه دراسة أخرى تكشف بأن بقاء الأطفال لمدة طويلة أمام الأجهزة قد يؤدي في النهاية إلى إعاقتهم بشكل دائم ، وإصابتهم بمتاعب صحية خاصة، مثل  الآم المفاصل والعظام والفقرات وغيرها من السلبيات الكثيرة التي يتعرض له أطفالنا من جراء إفراطهم في استخدام الأجهزة الحديثة وبدون توجية سليم من أولياء الأمور أو قد يكون الآباء هم أنفسهم السبب الأول في حدوث هذا الهوس التكنولوجي من خلال تشجيعم الخفي للأطفال ؛ وذلك وفق دراسة أمريكة تؤكد بأن 75% من الآباء يضعون تلك الأجهزة بين يدي أطفالهم أثناء انشغالهم بأعمال المنزل أو حتى لتهدئة الأطفال ، وهم بذلك جزء من الحضارة التي ساهمت في إضرار الطفل من دون ما يشعروا .

الطفل التكنولوجي يُظهر بأن الطفولة فقد فقدت مضماينها الخاصة ، وسقطت في منطقة مشوشة المعالم يلغي فيها الطفل عالمة الصغير لكي يعبر إلى عالم البالغين ، ويقع في اضطراب فكري وعاطفي جراء تذبذبه بين عالمين متفاوتين ، مما ينشئ جيلا لا يعرف ذاته ، ولا يستطيع أن ينسج هوية تناسبه وخاصة به ، ومع غياب الوعي لدى الأكبر سناً لخطورة هذه الظاهرة تتفاقم المشكلة .

أطفالنا هم استثمارنا الحقيقي وضياع حقوقهم في امتلاك طفولة مناسبة لهم هو ضياع بطيء لحقوق الكبار في المستقبل ، وأن أي مسعى لخلق عالم جدير بالأطفال هو إفراز أجيال صالحة لقيادة الحياة في المستقبل .

%d مدونون معجبون بهذه: