الخلق أنواع متعددة [1]

الصاحب السيئ :

الرجال أنواع متعدده، وطبائع مختلفة، منه الحليم السهل اللين، ومنه الجافي الغليظ، منه الموسوس العيّاب، ومنه الستّير الصبور، فإن لله في خلقه شئون، وله فيهم حكمة بالغة إذ جعل طبائع الرجال وسلوكياتِهم متنوعة كتنوع الألوان، وتباين العرض والطول، فالطبع والمزاج له دور كبير في سلوكيات الشخص مهما حمل من أفكار، ومهما ادعى من منهج، ومهما كثر علمه أو قل.

تجد صاحب شهادات متواضعة آية في الأخلاق الحسنة، والسلوك المستقيم، بينما بالجانب الآخر تجد صاحب شهادات عالية، والمعرفة الكثيرة آية في دنائة التفكير، وخصة في السلوك، واضطراب في المواقف، والغلظة في التعامل. تتعجب بعض الأشخاص كيف يتعامل مع الناس بوجهين، عندما يكون معهم يظهر لهم بوجه حسن، وتودد ظاهر، وعند ما يغيب سواده عنهم يظهر ما في وطابه من سجية عجيبة، ويكشف عن ما هو معجون في طينته من هَنَاتٍ غريبة؛ فيرميك بسهامه ورصاصاته من وراء الغيب، ويوسع لك غيبة وبهتانا، وافتراء وكذبا، بحجج واهية وخيالات موسوسة، معه عدستان كبيرتان يدقق بهما الأشياء فلا تلتقطان إلا القاذورات، كالذباب الذي لا يستهويه إلا العفن، ولا يرى بهما إلا الأمراض والأورام، كطبيب يتلمس من جسد المريض عن أماكن العلة ويرغب عن مواضع الصحة والعافية،. ولو دخل في حديقة ذات بهجة فلا يلتقط منها إلا الهنات التي فيها، فذوق الماء الزلال عنده مر مالح، والجمال عنده قبح وشناعة، والحسنة لديه سيّئة، إن سمع خيرا دفنه، أو حمل به على محمل سيئ، وإن سمع شرا طار به فرحا فنشره في الحال، مزاجه مقلوب، عدساته منكوسة.

 إن يسمعوا هيعة طاروا بها فرحا

مني وما سَمِعوا من صالح دفنوا !

صمٌّ إذا سمعوا خيرا ذُكرتُ بهِ

وإن ذكرتُ بشرٍّ عندهم أذنوا

عجيب أمره يجول مع عدساته في القلوب والخواطر، فهو خبير القلوب، وقارئ النيات، يرى ما لا يراه الناظرون، ويعلم ما لا يعلم غيره، له تفسيره الخاص، وتأويله الغريب، يجعل الذهب تبرا، والخير شرا، والحكمة سفاهة، والهداية ضلالا، له مع كل داعية مواقف سلبية، يفركه بلسانه، ويناله بيراعه، دأبه تتبع سقطات أهل الخير، وهجّيراه التصيد من ماء العكر.

سمع مرة داعية يقول ” النفس من دأبها أن تميل إلى الشهوات والملهيات مصداقا لقول المصطفى ” حفت النار بالشهوات ” لذلك تجد أن أستوديات مباريات الكرة تعج بالمتفرجين مع دفع أموالهم، والمساجد خاوية خالية، ولو سمع الناس أن مغنية فلانة تحيي ليلة من الليالي لتدفق الناس إليها من كل صوب وحدب، ولدفعوا من أمولهم القليل والكثير، بينما دور العبادات والطاعات تشكوا إلى بارئها عن الهجران ” لما سمع هذا الكلام استخرج عدساته المقلوبة، فبحث عن ثنايا الكلام ثغرا يتسلل فيه، فلما أعياه ذلك حرف الكلام وبدّله، وزعم أن الداعية إخلاصه مطعون، ونيته فاسدة، يريد تكثير الناس حوله، كأنه شقق قلبه، وأعجم عود نيّاته! كما تقوّل على: أن الداعية قال كلاما يصان عنه المساجد، وأنه تورط في القبلية لأنه لم يطعن مغني قبيلته وهم كثيرون! ترى كيف يذهب بعيدا، ويبعد النجعة، ويحبك فرية، ويوهم القارئ أنه ناصح، وهو مفتر وضاع.

ومع هذا يلبس بلباس الموجه، والناصح الأمين، والداعية المصلح، فلله در أحمد شوقي لما وقف على هذا النمط المتثعلب، خط بأنامله قصيدة رائعة معبِّرة منها هذه الأبيات:

بَـَرزَ”الـثـعلبُ “يومًا فِى ثِيَابِ الوَاعِظِينا !

فَـمَـشىْ فِي الأَرضِ يَهذِي ويَسُبُّ المَاكِرينا !

ويَـقُـولُ : الـحـمـد لـلـه إلهِ العالمينا !

يـاعـبـاد الله تـوبوا فهو كهف التائبينا !

وازهدوا في الطير إن العيش عيش الزاهدينا

إلى أن قال: مـخـطـىء من ظن يوما أن “للثعلب” دينا!

ولو بدأ هذا الصنف من الناس بنفسه، وهذبها وكبح جماحها، واشتغل بها عن تتبع مثالب الناس وتعييرهم لاستراح هو واستراح الخلقُ من نقاثات لسانه، وسوآت بنانه، وسوء طويته، ورحم الله أبا أسود الدؤلي حين قال:

يا أيها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ *** هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ 

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى *** كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ 

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ 

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ 

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

%d مدونون معجبون بهذه: