خواطر دعوية [2] ” لا يَؤُمنا حَليق “

في إحدى صلاتي العشي ( الظهر والعصر ) شغر مقام الإمام الراتب للمسجد ؛ فتقدم رجل من حفظة كتاب الله تعالى معروف لأهل المسجد بطلب من المؤذن ، وكان خفيف العارضين ، يخفف لحيته حتى يتراءى للناظر بأنه حلقها ، فلما كاد أن يكبر ، صاح من الخلف رجل كثّ اللحية طالبا منه الرجوع إلى الوراء ؛ لأن حليق اللحية لا يحق له بالإمامة ، ما دام يوجد في المسجد من هو أولى به من أصحاب اللحى؛ فشعر الأخ الفاضل حرجا شديدا أمام هذا التصرف اللأخلاقي وكاد أن يتقهقر إلى الوراء ليخلي المكان ، ولكنه تماسك وكظم غيظه وأمَّ الناس .

ولما انتهت الصلاة سألني وقد علا محياه الأسى والتأثر لما حصل… إن كان هذا التصرف له نصيب من الشرع ، ولا يجوز له إمامة الناس في الصلاة لاحقا ؟ .

قلت له – بعد أن أبديت له أسفي وعدم رضائي بما حصل ، وذكرت له ما أعلم فيه من حفظه لكتاب الله تعالى ومحافظته على حضور المسجد ومشاركته في الحلقات – بأن هذا التصرف المشين لا علاقة له بالدِّين ولا بالخلق ، بل هو ثمرة من ثمرات الشحن المشؤوم للعقول والنفوس التي تعاني منها الساحة الدعوية؛ لأن المظاهر أصبحت اليوم عند بعض الناس الميزان الصحيح في تقويم وتصحيح المرء ، ولا تشغل نفسك بمثل هذا التصرف ، فأنت على خير ، فودعني وقد تنفس الصعداء من هول الصدمة .

قلت : اللحية من سنن سيد الأولين والآخرين – صلى الله تعالى عليه وسلم – وقد ورد في شأنها أحاديث كثيرة تربو على عشرين حديثا ، وهي موجودة في صحيحي البخاري ومسلم وباقي كتب الحديث ، وتنوعت الألفاظ الواردة فيها كالآتي : أعفوا، وأوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا ، ولذا ينبغي لكل مسلم يريد اللقاء بالرسول الأعظم الاقتداء والتأسي به في هذه السنة ، وأن يجتنب حلقها وإزالتها .

ولكن يبقى حكم حال من لم يحلقها ولكن خففها أو قصرها ، فهل يأثم في فعلته هذه أم لا ؟ .

فهي مسألة تنوعت أقوال العلماء فيها ، ومن أراد التفصيل فليراجع في مظانها .

وأما الشروط التي اشترطها الفقهاء في الإمامة لم أجده حسب بحثي بأن يكون ملتحيا ، وإن ذكر بعض المتأخرين عند المفاضلة بين حليق لا يلحن وبين ملتح مقيم للقراءة ، فارتأوا تقديم الأخير على الأول ، كما لم أجد من أجاز تقديم ملتح لا يجيد القراءة ؛ لأن الإمامة تفتقر إلى القراءة والفقه أكثر من غيرهما .

ثم هناك قاعدة مشهورة تقول ( من صحت صلاته صحت إمامته ) ، وقد صلت الصحابة رضوان عليهم أجمعين خلف أئمة الظلم والجور .

فكان الواجب على كل من ليس لديه علم شرعي أن يسأل أهل العلم قبل إقدام أي فعل أو عمل أو قول ؛ لأن عمله هذا يعد مخالفة صريحة لأوامر الشرع .

وكما يجب على العلماء على تربية الناس بالتريث والتبيين قبل كل شيء .

وفقني الله تعالى وإياكم لما فيه خير صلاح ديننا ودنيانا .

%d مدونون معجبون بهذه: