قلق الولادة لدى المرأة الصومالية

يعتبر الإنجاب من أصعب الوظائف لدى المرأة بصفة عامة لاحتوائه بظروف صحية ونفسية؛ وللتغيرات الفسيولوجية والطبيعية التي تواجه الأم في مرحلة الحمل. ومع ذلك فإن الحمل والولادة يخضعان لوجهات نظر مجتمعية وثقافات تحمل معان دينية وتقليدية تؤيد قيم الإكثار من الإنجاب وحبه بل واستمراره وتكراره حتى سن اليأس.

ويندرج المجتمع الصومالي ضمن المجتمعات التقليدية التي تتماسك بقيم التباهي بتعداد الأولاد لأسباب تقليدية إرثية ودينية تتقدمها ما تفرض عليه ظروف الحياة في الريف من الحاجة للأيدي العاملة والدفاع عن مصالح القبيلة، والتي غالبا ما تتمثل بالأبناء الأصليين لكل عائلة، علاوة على احترام المجتمع لمن له أولاد كثُر والتنافس في ذلك.

فالرجال يتسابقون في تعدد الزواج حتى آخر المراحل العمرية مع التفاخر في كثرة عدد الأبناء؛ في حين أن النسوة يتنافسن في تكرار عملية الإنجاب في كل سنة أو سنتين قدر المستطاع حتى ينقطع الطمس! فتجد أحيانا أن المرأة تنجب كل 11 شهرا أو سنة، وإذا تأخر الأمر عن ذلك يأتي التساؤل الاجتماعي عن احتمالية مرضها أو….! وهنا نجد أن المجتمع يبدأ السؤال على المتزوجين الجدد.. هل الزوجة حامل؟ وإذا مر على زواجهما عام يلي ذلك سؤال آخر.. ماذا حدث للزوجة؟ هل هي مريضة أم ماذا؟! وغالبا ما يتبع ذلك بمطالبة الرجل بالزواج عليها حتى ينجب؛ فمن الذي لا ينجب يا ترى؛ المرأة أم الرجل ؟! وإن حاولت الأسرة في البحث عن سبب منع الإنجاب فإنها تبحث عن المرأة في الغالب ولا دخل للرجل فيها. ولكن بالعكس يحدث في كثير من الأحيان؛ حيث أن الرجل يكون هو المحتاج للعلاج بشأن الإنجاب.

ومهما تكن الظروف فإن المرأة الصومالية تحبِّد الإنجاب أو تجبرها التقاليد ولو على حساب حياتها! بغض النظر عن ظروفها الصحية والمعيشية، وحتى الأمنية التي يمر بها مجتمعنا في الوقت الحاضر .

وتختلف عملية الحمل في البادية عن المدن، ففي الريف لم تكن المرأة تخبر أحدا – حتى زوجها – بما تحس به من الألم أو تمر به من الظروف أثناء الحمل وعند الولادة؛ لأن قيم المرأة البدوية تمنع من الحديث عن أحوالها حتى مجرد الخبار بأنها حامل. ويقول مثل صومالي: أنا لا أخبر أحدا ولكن خمسة شهور كفيلة بالكشف عني! وعلى ذلك فإن الحامل البدوية كانت تأتي مع طفلها ولا يعلم أحد حيث ولدت ومن ساعدها، وربما تجد مساعدة من إحدى النسوة في المنطقة أو تعتمد على نفسها وليس على طبيب مختص.

أما في العاصمة فإن كثيرا من الأمهات الحوامل تواجه القلق والأرق بسبب التفكير في مكان الولادة! وكيفية الولادة ، وهل تجد مستشفيات نظيفة تتبع نظام التعقيم الصيحيح لأدوات التوليد؟ ومن تعرف من المستشفى؟ فالواسطة دخلت كل شيء! وهل تجد قابلة ذات خبرة؟ وغير ذلك من التساؤلات.

حدث لأم حامل أثناء الحروب الإثيوبية ومليشيات المحاكم في مقديشو أن جاءت لها صديقتها عند موعد الولادة، وبعدما رأت حالتها النفسية دعت لها قائلة: أدعو الله لك يا أختاه أن يأتيك المخاض في النهار!! وفعلا تقبل الله دعاءها؛ حيث جاءها ألم المخاض عند صلاة الفجر؛ الأمر الذي سنح لها بالذهاب إلى واحد من مستشفيات الولادة القلائل في المدينة وأنجبت هناك بسلام.

 ومن جانب آخر فقد اعتاد بعض النسوة المبيت بأحد المستشفيات عندما يحين التاريخ المتوقع للولادة ثم يرجعن منها في الصباح أو يمكثن فيها حتى يلدن في حال قدومهن من مناطق نائية!

وبالإضافة إلى ذلك فإن بعض النسوة يعانين من تدني مستوى الدعم النفسي والذي يكون من أهم ما تحتاج إليه الحامل؛ لأن كثيرا من الأمهات الحوامل يكون أزواجهن في الغربة أو يعشن لوحدهن مع أسرهن في المناطق الأصلية أو التي نزحن إليها، وذلك بناء على ما يلاحظ في الغالب من النسوة اللائي يترددن في العيادات والمستشفيات برفقة الأقارب والجيران كأمهاتهن أو أخت الزوج أو صديقاتهن أو غير ذلك.

والجدير بالذكر أن الأم الحامل في هذا البلد المنكوب باستمرارية النزاعات المسلحة وضعف العناية الطبية للأم والطفل وقلة المستشفيات الخاصة بالنساء والتوليد لها مبررات أكثر ممن يلدن في بلدان يسودها الأمن والرخاء ولها مؤسسات كفيلة بصحة المرأة وعنايتها أثناء الحمل وخلال الولادة وبالتالي يحتاج أمرها إلى وقفة أسرية واجتماعية ووطنية للتقليل من العواقب السالبة على الأم والطفل.

وخلاصة القول فإنه من الضروري جدا في مثل هذه الظروف المعيشية والأمنية الصعبة رفع الوعي لدى المرأة الصومالية من حيث أخذ الحيطة والحذر أثناء الولادة والوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب. وكذلك فهم أهمية تنظيم النسل والمباعدة بين الولادات ليجد الأبناء الرضاعة اللازمة والضرورية لصحتهم ونموهم نموا سليما معافى من الأمراض المزمنة وسوء التغذية وغيرها، مع إيجاد الوقت الكافي لاستعادة الأم لحيويتها وأناقتها. وعلى الأسرة والأهل مساندة المرأة وعنايتها أثناء الحمل وعند الولادة من خلال إمدادها بالدعم النفسي والمادي لتتجاوز على مراحل المشكلة. ومن جهة أخرى فإن على المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني تكاتف الجهود لتوفير الرعاية والعناية اللازمة للأم الحامل؛ ومن ثم تحسين مستوى الخدمات الطبية في المستشفيات وتوفير قابلات مؤهلات ومدربات على كامل المعدات اللازمة؛ الأمر الذي من شأنه أن يُطمئنَ الأم الصومالية ويخففَ عنها قلق الولادة وبالتالي يزيح عنها التوتر وسط الظروف الاستثنائية القائمة في الصومال.

2 تعليقان

  1. مقال رائع جدا! ونفتخر نحن بنات الصومال أن تكون د.فاطمة واحدة منا لنساهم في رفع وعي المجتمع الصومالي من حيث أهمية المرأة والأسرة؛ ونفهم جميعا أن صحة المرأة تخص الجميع وبالذات زوجها؛ الذي يجب عليه أن يفكر في صحتها وسلامتها وليس في عدد من يحمل اسمه على حساب شريكة حياته.

  2. صدق الله تعالى عندما قال: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} حدد الرب الحد الأدنى للرضاعات بحولين، إذن معنى ذلك أنها لا تحمل خلال هذه المدة لتفرغها لإرضاع وليدها، ومعنى ذلك أيضا: أن حليب الأم لا يعدله شيئ. والنبي صلى الله عليه وسلم سمّى الرضاعة مع الحمل ” الغيلة” لأنه بمثابة الاغتيال للجنين والرضيع معا. ويتميز المجتمع الصومالي بانفتاحه وتلقيه العلم والمعرفة فقط يحتاج توعية وإرشادا. جز الله الدكتورة خير الجزاء، وأضحك الله أسنانها، وسدد الله يراعها، وجعل هذا المقال وغيره في ميزان حسناتها.

%d مدونون معجبون بهذه: