اعرف وطَنَكَ “جماعة مبارك والشين والمختار”

للهِ درك يا وطني كم في النفس لك من محبة وانتماء :

سُئل أعرابي – وقد ذُكِّر بشظف العيش في بلده – كيف تصنع في البادية إذا اشتَّد القيظ، وانتعل كل شيء ظلَّه؟ قال:” وهل العيش إلا ذاك، يمشي أحدنا ميلا فيرفضّ عَرقا ثم ينصِب عصاه، ويُلقي عليها كساءه، ويجلس في فيئه – ظلاله – يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى (1).

ولو أجاب الأعرابي بغيرما أجاب لكان ناكراً لوطنه جاحداً لفضله .. فقديماً قالوا إنه من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة والى مسقط رأسها تواقة، وأولى البلدان بصبابتك إليه بلد رضعت ماءه وطعِمْت غذاءه وافترشت أرضه والتحفت سماءه .. يقول الدكتور مصطفى قاسم ( .. لا مكان في الحياة، بالنسبة للإنسان، أجمل وأبهى من المكان الذي وُلِد فيه وترعرع، وتفيأ ظلاله وارتوى من فرات مائه، فالمكان هو تذكّر لمراتع الصِّبا، وضحكات الطّفولة البريئة، وهو جزء من كيان الإنسان، فمهما ابتعد عنه، وشطَّت به الدار، فلا بد أن تبقى أطلالُ بلادهِ في ثنايا مخيّلتِه، وهذا جزء يسير من الوفاء لهذه الأرض التي حملتك على ظهرها وأنت تحبو، ثم وأنت تخطو، ثم تمشي، ثم بعد انتهاء الأجل تدفن فيها. فما أرأفها!).

كان لابد من هذه المقدمة الهامة في مُسْتَهَل حديثي عن جماعة مبارك والتجمعات الزراعية التابعة لها ” الشين والمختار ” ليستشعر القارئ الكريم كم يصعب على المرء أن يستل يراعه (2) ومحبرته ليكتب عن الوطن، ويوفيه حقه ..فأي كيان هذا الذي تتصاغر الكلمات أمام حروفه الثلاثة..(وطن)، هو جنة الله في أرضه مهما بعدت الشقة..وهو محط أنظارنا ومهوى قلوبنا وشاغل فكرنا وإن من أَبرِ البر بوطننا أن نعرف تاريخه وجغرافيته وتكوينه ومنشأه ورجالاته ونسائه وكيف نما إلى أن احتضن طفولتنا ثم صِبانا فشبابنا فشيبتنا !!

ومن خلال مقالي هذا “اعرف وطنك”، يسرني أن أعطي نبذة عن مواقع في وطني يجهلها الكثير من أبنائنا، فأُلقي الضوء على منارات حضارية كان لها دور عظيم في الارتقاء الحضاري والبعث العلمي والتربوي لم يمح عنها غبار الزمن بعد ..

وبراً بوطني الذي له الفضل العظيم علي؛ أبدأ بالتجمعات الزراعية لجماعات “مبارك والشين والمختار “والتي تقع كلها في جنوب مدينة “بولوبرتى” ((Buuleburte بمحافظة هيران، وتحديداً على امتداد ضفتي حزام نهر شبيلى(3). تأسست هذه الجماعات في عام 1916م والمعروف بجُمعة “إنطعيل” في محافظة هيران بالصومال(4) ، على يد مؤسسها الحاج محمد عبدي زياد، تتميز أرض هذه التجمعات بتربة طينية خصبة تقع في منطقة ذات مناخ استوائي مرتفع الحرارة عالي الرطوبة. يُمارس أهلها الزراعة التي كانت تعتمد في الغالب على الأمطار، قبل أن تدخل التقنيات الحديثة في الزراعة كاستخدام المضخات والأسمدة والمبيدات الحشرية، مما أتاح لهم الفرصة في أن يزرعوا أربع مرات في العام، فتنوعت المزروعات وكثرت المحاصيل، واشتهرت بإنتاج الذرة بنوعيها الشامية والرفيعة، والسمسم، واللوبيا، والقطن، وقصب السكر والعدس الأخضر، والفول السوداني، وأنواع من الخضروات؛ كالبصل، والفلفل الرومي، والطماطم، والقرع العسلي “الدباء”، والبطاطس، وكذلك الفواكه؛ كالمانجو، والباباي، والليمون، والجوافة والبطيخ والقريب فروت والرمان.. إلخ. وقد كانت هذه التجمعات ميسورة قبل انتشار الجماعات المسلحة في المنطقة، حيث كانوا يصدرون منتجاتهم من الفواكه والخضروات إلى المدن القريبة منهم وكذلك إلى الولايات البعيدة عنهم في أرض الوطن؛ مما كان يدر عليهم أرباحاً نقدية سمحت لهم في أن يُنشئوا مدارس نظامية بالتعاون مع منظمة SOS العالمية، وأدركوا بفطرتهم أن الاستثمار في الانسان هو أعلى أنواع رأس المال قيمة في تحقيق النمو.

أسس الحاج محمد عبدي زياد هذه التجمعات، وقد كان – رحمه الله – رجلاً عصامياً اتصف في حياته بمجموعة من الصفات جعلته في مقدمة أقرانه؛ حفظ القرآن الكريم وهو صغير، درس الفقه الشافعي. والتقى بالكثير من أعلامه، وأخذ منهم العلم كالعلامة الفقيه الشيخ شعيب بن عمر بن عثمان بن أمين الضرير، ثم ارتحل إلى مقديشو لدراسة التفسير والفقه واللغة العربية على أيدي جهابذة من علمائها، منهم؛ الشيخ أبوبكر بن محضار المتوفي في ورشيخ والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بالشيخ صوفي الشاشي المتوفى في عام 1323هـ، والشيخ محي الدين بن معلم مكرم، والشيخ آدم محمود عوليهن، وممن استقطبهم من علماء محافظة هيران إلى التجمعات الزراعية الشيخ إبراهيم محمد يرى والد الشيخ العلامة محمد يرو والشيخ خليف عبدله والشيخ محمد عمر كبولى للتدريس في حلقات مساجد مبارك والشين.

وكان الحاج محمد كثير السفر إلى بيت الله الحرام حاجاً ومعتمراً وطالبا للعلم والتزود بالمعارف عند مشايخ الحرمين الشريفين واكتساب العلم والفوائد بمباشرة الرجال، وفي مكة المكرمة والمدينة المنورة التقى السيد محمد صالح السوداني مؤسس الطريقة الصالحية وأخذ عنه الطريقة، كما التقى مفتي مكة المكرمة آنذاك، وفي عودته من البلاد المقدسة التقى بالسيد محمد عبد الله حسن زعيم حركة الدراويش في قلعة (تليح) وأهداه بندقية كرمز للدعوة إلى الجهاد، خاصة وأن العشائر الصومالية في محافظة هيران كانت مؤيدة وموالية لحركة السيد محمد عبد الله حسن الجهادية، فتعددت المشارب التي نهل منها الحاج محمد عبدي زياد بتعدد شيوخه، بيد أن أكبر مؤثر في علمه السلوكي كان السيد محمد جوليد؛ الذي أخذ منه علم السلوك(5) يقول الشيخ إبراهيم بن السيد محمد جوليد في كتابه “الدرر البهية في مناقب مشايخ الطريقة الصالحية” عن مناقب الحاج محمد عبدي زياد: (.. هو العالم العلامة ذو المحبة الصادقة والسيرة المرضية، لازم شيخه محمد جوليد خدمة له حتى صار من أهل بيته وأمين سره ومبعوثه الخاص في القضايا المهمة،… كلفه شيخه محمد جوليد بالانتقال إلى مسقط رأسه في محافظة هيران للدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى الحق، فأنشأ بلدة “مبارك” الواقعة جنوب مدينة بولوبرتى على بعد 30 كيلومتراً، وأحيا فيها الشريعة والطريقة(6) ثم يختتم المؤلف حديثه عن الحاج محمد عبدي زياد بقوله ” لا شك أن الحاج محمد نورٌ في عصره وبلده ومرشدٌ في منطقته، وكانت له في ذلك جماعة صلحاء تساعده على فعل الخيرات والطاعات، ولما كثر الإخوان في بلدة “مبارك” أنشأ لهم بلدة أخرى سماها “الشين” وأحيا فيها الشريعة والطريقة كما أحيا في البلدة الأولى “مبارك”.

وهكذا أنشأ الحاج محمد عبدي زياد جماعة مبارك والتجمعات الزراعية التابعة لها في وقت كان الصومال يعاني الاحتلال الكنسي الرباعي “فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإثيوبيا” ولم تكن هناك قوة تؤَمِن مقومات الحياة للإنسان الصومالي غير القبيلة، فهي الوحدة الاجتماعية الأساسية التي تدور حولها الحياة، فحلت محل الدولة وأضحى الانتماء إليها بديلاً عن الانتماء للوطن، خاصة إذا أضيف إلى ما سبق عنصر الأرض التي تملكها وتدافع عنها، وكذلك التقليد القبلي الذي يَنِم عن التضامن والتكافل بين أفرادها، فاكتملت مقومات الدولة المستقلة للقبيلة، وعُرِف سر ارتباط الصومالي بقبيلته، فهي تعطي الأمن والاستقرار وتُؤَمِن له متطلبات الحياة؛ولذا فهو يعطيها كامل ولائه، ولسان حاله يقول:

وهل أنـا إلا مـن غُـزَيَّـة إن غـَـوَت *** غَـوَيْتُ وإن تـَرْشُد غُـزَيَّة أرشـد

كان مجتمع جماعة مبارك مختلفاً تماماً عن ذلك المجتمع القبلي الذي يحيط به، فكأنه واحة في صحراء قاحلة، فهو مجتمع صغير متدين يهدف إلى تقويم سلوك الفرد قولاً وعملاً، ويضع للإنسان ضوابط معينة في علاقته مع ربه ومع أفراد مجتمعه، بدءا بإصلاح الفرد نفسه بمجاهدة نوازعها، فهو يعفو ويصفح ويعرض عن الجاهلين، ويؤمن بقيمة العمل والجد والاجتهاد في كسب العيش ومع كل ذلك يعلمون بأن فضل الله يعم جميع خلقه، فهم يعبدون الله كما أمرهم، وهو يرزقهم كما وعدهم، فما أحلى اليقين وحسن الظن بالله.

كان هذا المجتمع يخضع لإدارة جماعية برئاسة الحاج محمد عبدي زياد وبعضوية كبار الشخصيات في الجماعة، يشاركون معه في إدارة شئونها واتخاذ القرارات اللازمة لتنظيم مجتمع الجماعة، يوزعون الأراضي على الذين جاءوا إلى الجماعة من مختلف المناطق والقبائل، ويوفرون لهم التعليم ويدربونهم على المهن ويبعثون الدعاة إلى القرى المجاورة كما يبعثون النابغين من الطلاب لمواصلة تعليمهم في المدن الحضرية المشهورة بتخصصات معينة، عاش هذا المجتمع في توافق وانسجام تتجلى فيه روح الأخوة الإسلامية الحقيقية؛ بينما لم يكن المجتمع القبلي هادئاً مستقراً، بل تحكمه الصراعات وبسط النفوذ والتنقل إلى مواطن الرعي والكلأ، ولم يكن يعيش لهدف يأمل فيه حياة روحية تراعي الجانب الخلقي والسلوكي بقدر حرصهم على قيم القبيلة وتقاليدها.

لذلك عمل الحاج محمد عبدي زياد عند تأسيسه جماعة مبارك ببصيرة نافذة على توفير كافة أسباب الولاء الديني في جماعته ليحل محل الولاء القبلي؛ فقام بتوفير الأرض الزراعية لأفراد الجماعة لتكون مصدراً للرزق والكسب ولتكون سبباً من أسباب التوطن والارتباط بالمكان، وقام بتوفير المسكن وتسهيل الزواج لأفراد جماعته بمهر يسير يستطيعه كل فرد.

كما اهتم اهتماما كبيراً بالتربية الإيمانية والعلمية لتحقيق الوازع الديني في النفوس وأعلى من شأن الأُخوة الإيمانية بين أبناء الجماعة، وَكّون مجلساً للقضاء والفصل بين الناس وشُرطة لحفظ الأمن وتنفيذ التعزيرات؛ مما منح أفراد الجماعة أماناً وسكينة، طالما سعى المجتمع الصومالي للبحث عنها بين أحضان القبيلة..

وبذلك زالت العصبية القبلية في مجتمعه الجديد وارتقت الجماعة في تربيتها الدينية وسلوكها الاجتماعي وتحررت من شواغل الدنيا وصراعاتها إلى إقامة مجتمعها الروحي الذي يتسم بالخلوص والبساطة والارتفاع عن حظوظ الدنيا إلى اكتمال الروح وتزكيتها فأخذوا من عادات المجتمع الصومالي ما وافق تكوينهم الروحي والسلوكي ورفضوا ما تعارض مع ما يَسْمُون إليه من تطبيق مفاهيم الإسلام على واقعهم الجديد.

هكذا نشأت جماعة مبارك والتجمعات الزراعية التابعة لها ” الشين والمختار ” جنانا في وسط صحراء قاحلة ورياضاً للأخوة الإيمانية وسط هجير القبلية اللافح؛ فكانت محط الأنظار وموضع الاعتبار وملتقى القلوب ومدرسة العلم والتزكية … سبقت عصرها بسنوات وسنوات، ونما غرسها واستوى عودها..

فالله دَرُّك يا وطني كم في النفس لك من محبة وانتماء..كيف لا وأنا على أرضك وُلِدْتُ وبين زروعك وأشجارك ترعرعت وعلى ضفاف أنهارك شببت ومن معينك الصافي نهلت حباً وحناناً، وازددت شوقاً والتياعاً إليك.

……………………………………………………………………….

الهوامش:

1 – نقلا من كتاب “الوطن في ضمير الشرفاء”للدكتور بدر بن علي العبد القادر عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود، ص 174.

2- يراعه؛ قلمه، ومَحبَرته هي وعاء الحبر، وقيل إسفنجة مبلَّلة بالحِبْر صالحة لتحبير خَتم أو طابع

3- وهو نهر كبير دائم الجريان، يستمد مياهه من وسط إثيوبيا، ويبلغ طول مجراه في الأراضي الصومالية نحو 600 كيلومتر من دخوله الصومال في قرية “فرفير”، ويواصل مسيرته في وسط الصومال متجها جنوبا لمسافة 300 كم حتى يصل إلى بلدة بلعد، ومن هناك يتجه نحو الجنوب الغربي موازيا لساحل المحيط الهندي لمسافة 230 كم، لكنه لا يصل إلى المحيط بسبب وجود كثبان رملية تحول دون وصوله، حتى مصبه قرب ساحل المحيط الهندي شمال شرق كسمايو، حيث يتلاشى بالقرب من مدينة جلب غير بعيد عن المجرى الأدنى لنهر جوبا، ويفيض النهر في العام مرتين؛ الفيض الأول: من شهر أغسطس حتى نوفمبر وهو الأكبر حيث موسم الأمطار (Deeyr) ويبلغ تصرف المياه في النهر 115,6متر مكعب في الثانية، أما الفيض الثاني؛ فيبدأ من شهر أبريل حتى يونيو وهو أقل حجما، حيث يبلغ تصريف المياه في النهر 117,3متر مكعب في الثانية.

4- حيث كان أهل الصومال يسمون التاريخ بالأحداث التي صاحبته من مواجع وأفراح، فسنة جفاف ومجاعة، وأخرى بمطر وفيضانات وثالثة بحروب وضحايا، ورابعة بأوبئة وأمراض … وهكذا، وسبب اطلاق هذا العام بجمعة (Indhaceel) – كما رواه لنا فضيلة الشيخ أبوبكر محمد عمر المفتش السابق في وزارة التربية والتعليم الصومالية – كان هذا الرجل قاطع طريق يمارس النهب والسلب، وقد تاب إلى الله وأراد أن يؤدي فريضة الحج، ذهب إلى سلطات الاحتلال في مدينة “بولوبرتى” فدخل على الحاكم الإيطالي ومعه عدد من ضباطه، فطلب منهم وثيقة السفر لأداء فريضة الحج، وقالوا له مستهزئين أنتم المسلمون لديكم الاعتقاد إذا قتلتم من ليس على دينكم تدخلون الجنة، فلماذا تتعب نفسك، اقتلنا تدخل الجنة الموعودة لكم !، فخرج من عندهم وهو غضبان، و في اليوم التالي عاد إليهم وكرر الطلب وكرروا الرد، وأخرج سلاحه الذي خبأه تحت ثيابه وأطلق عليهم النار وقتل منهم ستة ضباط، ثم هرب ولجأ إلى مركز المجاهدين في ” تليح” عند السيد محمد عبد الله حسن، وبهذا سموا هذا العام بجمعة (Indhaceel).

5- وهو؛ عِلْم من أصول الإيمان وقواعد الدين كمحبة الله ورسوله، والتوكُل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له، وما يتبع ذلك، وهذه الأعمال واجبة على جميع الخلق باتفاق أئمة الدين كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.

6- فالطريقة في اللغة هي الأسلوب او المسلك الذي يوصل إلى المقصود بسهولة ويسر، وهي المنهج او الأسلوب الذي يستنبطه شيخ الطريقة السنية من الكتاب والسنة المطهرة لتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملا بظاهرها وجوهرها

6 تعليقات

  1. جزاك الله خير الجزاء يا والدي أستاذ عثمان افتنا افادك الله وعلى رحمة الله حاج محمد عبدي زياد مؤسس التجمعات.

  2. عبدالله حسن ديريه

    اسأل الله ان يرفع الصومال وينشر فيها الأمن والأمان والإستقرار وجزاك الله خير يا استاذي ووالدي على المقال الرائع . والله يعيننا لكي نساهم في نهضة هذا البلد الرائع.

  3. جزاك الله خير الجزاء يا أستاذ عثمان كم سررنا بكتاباتك اللامعة، وإضافاتك الجديدة! كنت أود أن أسأل الأستاذ الغالي عن خبر الكتاب ” الدرر البهية في مناقب مشايخ الطريقة الصالحية” كيف يمكن أن نحصل منه نسخة؟ وأين طبع الكتاب؟ شكرا لك!

    • جزاك الله خيرا على حسن طنك بنا، وشكر الله لك جميل ثنائك، أما عن كتاب الدرر البهية في مناقب مشايخ الطريقة الصالحية فهو كتاب لم يطبع بعد طبعة تجارية، وإنما أهداني بعض المنتسبين إلى الطريقة الصالحية، ويحتاج الكتاب إلى تحقيق ومراجعة.

  4. خليل عبد الرحمن المبارك

    تحية للأستاذ الكاتب القدير: عثمان مصطفى
    لقد أتحفتنا بمقال أدبي تأريخي ماتع، تنبض كلماته بالحنين إلى أرض الوطن الحبيب، وتنمُّ حروفه عن الوفاء له وللمصلحين من أهله، ولا غرو في ذلك فهذا دأب الرجال، وعنوان كرم طبعهم، كما قال ابن الأنباري: “من كرم الرجل حنينُه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه”, وقيل لبعض الحكماء: بأي شيء يُعرف وفاءُ الرَّجل دون تجربة واختبار؟ قال: بحنينه إلى أوطانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه.
    ذكرتُ بلادي فاستَهلَّتْ مدامعي بشوقي إِلى عهدِ الصِّبا المتقادمِ
    ولله در أبي هلال العسكري إذ يقول:
    إِذا أنا لا أشتاقُ أرضَ عشيرتي … فليس مكاني في النُّهى بمكينِ
    من العقلِ أن أشتاقَ أولَ منزلٍ … غنيتُ بخفضٍ في ذُراه ولينِ
    وصدق من قال:
    ومن لم تكنْ أوطانهُ مفخراً لهُ … فليس له في موطنِ المجدِ مفخرُ
    ويبدو من مقال الأستاذ مصطفى أن جماعة “مبارك والشين والمختار” كانت “مباركة” كاسمها، وخلدت مآثر ومفاخر جليلة في صفحات تاريخنا القريب، فهي جماعة اجتمع شملها على التعليم والتزكية في زمن الجهل والتخلف، وعلى التآخي والتآلف في عهد القبلية، وعلى الكسب والاستثمار في قوم لا عهد لهم بذلك، فهم لا جرم كانوا شامة بيضاء على جبين أهل تلك الديار. جزى الله خيرا مؤسسها الحاج محمد عبدي زياد، ولا يعني هذا أن هذه الجماعة هي الوحيدة في بلادنا في تلك الحقبة، بل لها نظائر في نواحي أخرى، ولئن كانت كل جماعة لها خصائصها ومزاياها، فبينها قاسم مشترك هو: خدمة الأمة والنهوض بها علميا وسلوكيا واقتصاديا وحضاريا، ومعالجة داء القبلية بالأخوة الدينية، وفي تاريخ بلادنا من الأعلام النبلاء، والمصلحين الفضلاء الكثير والكثير، لكن أين من ينبري للكتابة عنهم، وتخليد مآثرهم؟
    أكرر شكري مرة أخرى للأستاذ عثمان مصطفى، وأتمنى أن يتحفنا بمثل هذه المقالات بين الفينة والأخرى، كما أرجو أن ينير للقارئ أصل تسمية هذه الجماعة، خصوصا (الشين والمختار) فهل كلمة (الشين) عربية أم صومالية، وما هي الدلالة التي تحملها؟
    والسلام.

    • أشكر ابتداء الأخوة الفضلاء الذين اتسعت صدورهم وأوقاتهم لقراءة مقالي وأخص بالشكر أولئك النفر من الفضلاء الذين اهتموا بالتعليق على المقال لتتسع دائرة المشاركة والإفادة، وفي القلب منهم الأستاذ الفاضل خليل عبد الرحمن المبارك الذي أولانا بجميل كرمه وعظيم ثنائه بما لا نستحقه.
      أما بعد أخي الكريم فلقد حفلت أرضنا الطيبة وبلادنا الخصبة الولادة بالعديد من أهل الفضل والصلاح والكثير من المصلحين الذين ما قصرت بهم همتهم في العمل على رفعة شأن الأمة ورفع راية الدين، كل وفق ما توفر له من إمكانات عصره؛ لذلك نشأت بجهودهم حواضر وهَّاجة أضاءت السبل في ظلمة ليل القبلية والجهل؛ فكانت منارات يهتدي بها الحيارى في أزمانهم، ولولا ما أريد لبلادنا لكان لهذه الحواضر شأن في هذه الأمة .. وما جماعة مبارك وقرى مبارك والشين والمختار إلا أمثلة حية على هذا السبق الذي عاشته بلادنا وشهدته رحالنا.
      أما عن أصل تسمية جماعة مبارك والشين والمختار، فإن كلمة مبارك أطلقت وأريدت لمعناها وهو المكان المبارك .. أما كلمة الشين فهي كلمة صومالية تطلق على معنيين يقويان بعضهما البعض فهي تعني الغابة المتشابكة الأغصان كما تطلق على المكان الذي يكثر فيه النحل، وأما المختار فتعني المكان الذي تم اختياره أو وقع عليه الاختيار..
      وختاما أضم صوتي لصوت أخي الكريم في استنهاض أهل العلم وأرباب القلم لينفضوا التراب عن مآثر تاريخنا تخليدا لمآثر عظماء أثروا الحياة في زمانهم وأناروها وبددوا ظلامها .. فهي دعوة للكتابة عن منارات العلم والتربية والهدى في تاريخ الصومال وروادها حتى تكون نبراسا للأجيال القادمة التي انقطعت صلتهم التاريخية بمن سبقوا ورحلوا ولتكون تجارب حية نستطيع أن نبني عليها لحاقا بعصور العلم والمعرفة ..
      كفانا سباتا في مجاهل التاريخ !!
      مع خالص تحياتي لكم جميعا

%d مدونون معجبون بهذه: