خواطر دعوية [1] “بين المحاضرة والحفل الغنائي”

صليت في أحد المساجد الصومالية ، وبعد الصلاة ترجل أحد الفضلاء من الدعاة لإلقاء محاضرة قد أعلنت له قبل عدة أيام ، فأفاد الشيخ وأجاد في كلمته القيمة ، وفي أثناء كلامه صدرت من الواعظ الكريم كلمات لعلها من سبق اللسان أو زلة لم يقصدها ولم يتوقع تأثيرها السلبي ، وكان الأولى به أن لا يتحدث عنها في هذا المجلس المبارك وأن يصون المسجد مما لا يليق به ؛ لأنه رمز العفة والطهارة ، ولا يذكر ولا يبجل فيه إلا المولى جل في علاه والرسول الكريم، ويؤمر في المعروف وينهى عن المنكر ، وما له علاقة في الشريعة الغراء .

فأما الأولى : فقد وجه الشيخ الكريم اللَّوم والعتاب إلى الحضور ، بسبب ما تراءى له من قلة الحضور ، قائلا : لو كانت الدعوة لحفل غنائي ، كانت الاستجابة أكثر والإقبال أعظم .

قلت : لم يكن الحضور قليلا كما تصور الشيخ الجليل ، بل كان عاديا ؛ لأن الناس لم يعودوا كما كان سابقا ، بل زهدوا عن حضور المحاضرات والاستماع إلى المحاضرين ؛ لأن المغريات والمشاكل الدنيوية ومصادر التلقي المتنوعة أضحت الشغل الشاغل لكثير من الناس، أو قد يعود سبب هجرة الناس عن حضور المحاضرات إلى أسلوب الوعظاة والمتصدرين في المشهد الدعوي الذي دخل فيه من ليس من أهله .

ثم متى كان الهدف من إقامة المحاضرات بكثرة أو قلة الحضور ، بل كان الواجب أن يكون الهدف إفادة الناس وتعليمهم ، سواء كثُر العدد أو قلَّ؛ لأن ذلك قد يطعن الإخلاص وينقص الأجر ، ويحول الدعوة إلى ساحة من يبحث الشهرة والتصدر في المجالس .

 وقد تفطن لهذا المرض ( الاهتمام بالجماهير ) العقلاء والعلماء في سابق الدهر ، فقد ذكر الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الحافظ عبدالرحمن بن مهدي البصري قصة غريبة وعجيبة حول الاغترار والاعتبار بكثرة الجمهور أو قلتهم ، قال الإمام ابن مهدي : كنت أجلس يوم الجمعة ( للوعظ والتذكير ) ، فإذا كثر الناس ، فرحت ، وإذا قلُّوا ، حزنت ، فسألت بشر بن منصور ، فقال : هذا مجلس سوء، فلا تعد إليه ، فما عدت إليه.

ثم إن الأنبياء والمرسلين لم يكن يعيرون بكثير من الاهتمام في تكثير الأتباع بل كان همهم الأول إبلاغ رسالة الإسلام ، وهذا نوح عليه السلام يقول ﴿قالَ رَبِّ إِنّي دَعَوتُ قَومي لَيلًا وَنَهارًا فَلَم يَزِدهُم دُعائي إِلّا فِرارًا وَإِنّي كُلَّما دَعَوتُهُم لِتَغفِرَ لَهُم جَعَلوا أَصابِعَهُم في آذانِهِم وَاستَغشَوا ثِيابَهُم وَأَصَرّوا وَاستَكبَرُوا استِكبارًا ثُمَّ إِنّي دَعَوتُهُم جِهارًا ثُمَّ إِنّي أَعلَنتُ لَهُم وَأَسرَرتُ لَهُم إِسرارًا فَقُلتُ استَغفِروا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرسِلِ السَّماءَ عَلَيكُم مِدرارًا ) ، ومع هذا الجهد العظيم كانت النتيجة ما حدثنا به القرءان الكريم ( وَمَن ءامَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلّا قَليلٌ) ، وفي الحديث الشريف ( عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِىُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِىُّ مَعَهُ الرَّجُلاَنِ ، وَالنَّبِىُّ مَعَهُ الرَّهْطُ ، وَالنَّبِىُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ) .

وأما الثاني : فقد ذكر الشيخ المفضال اسما مشهورا في وسط الفن الصومالي ( الغناء ) ، لأن حفل الغنائي غالبا يستقطب عددا كبيرا من الجمهور .

قلت : لم أفهم ما العلاقة مع بين الموضوعين، ولا المبرر الشرعي لذلك ، وكان الأولى أن لا يذكر هذا الشأن في داخل المسجد ، ثم إن المجتمع الصومالي مجتمع حساس في شأن القبيلة ، وقد أظهرت المأساة الصومالية بأن الناس لا يطيقون ذرعا لمن يمس أبناءهم ولو كان فاسدا مفسدا ، ولا تفرق القبيلة بين أفرادها ماداموا ينتسبون إليها .

وقد يقول القائل إذا كان الشيخ يريد تحذير الناس من أهل الفن والغناء ، لماذا لا يبدأ بأبناء قبيلته وعشيرته الذين لا يقلون سوء من هذا أو ذاك .

وقد خبرت عن قرب بأن ذكر الأسماء لا يحقق شيئا يذكر ، بل يبعد المسافة بين الدعاة والجمهور ، ولأجل ذلك ينبغي للداعية الذي يريد نفع الناس الابتعاد عن ذكر الأسماء والرموز ، ما لم يكن هناك مبرر شرعي يجيز له ذلك ، والاقتصار بقول ( ما بال أقوام يفعلون .. ) .

وفقني الله تعالى وإياكم لما فيه الخير والصلاح .

%d مدونون معجبون بهذه: