تربية الأبناء مسؤولية مشتركة

من أكبر أمنيات البشر رؤية فلذة أكبادهم في الدنيا مما يمكن أن يتحقق بالإنجاب ، فهل يا ترى يتوقف الأمر بمجرد الاستخلاف؟ أم أن الأمر ليس بالسهل الهين كما يظن البعض أو يتصور؛ لأن الإنسان الوالد يتمنى رؤية خليفه أفضل منه حالا! – كما يرى علماء النفس – الأمر الذي يوجب على التفكر الصحيح في كيفية صناعة وتكوين الطفل بل وتمهيد التربة الصالحة التي تتولى تربيته وتعليمه وتنشئته تنشئة سليمة وفق الأسس الاجتماعية والثقافة المجتمعية الراقية على مدى فترات حياته. إضافة إلى تكوين وبناء أسس قوية متينة ومتفاهمة داخل النسق الأسري وبالتالي تشمل الطفل بالرعاية والعناية والحب والعطف مع التربية الصحيحة المتمثلة بالقدوة الصالحة من الأبوين والمحيطين به في أول مؤسسة اجتماعية للفرد في المجتمع.

إن كل إنسان يولد وهو صفحة بيضاء من حيث المعرفة والثقافة والقيم والعادات والتقاليد وكذلك التوقعات الاجتماعية، وكل إنسان يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه … ومن جهة أخرى يرى علماء الاجتماع بأن حوالي 70% من العادات مكتسبة؛ وبالتالي يمر الفرد في المجتمع عملية التنشئة الاجتماعية والتي لا تقتصر فقط على الطفولة ولكنها تستمر في المراهقة والرشد وحتى الشيخوخة (زهران، 2003).

وتلعب كلا من المدرسة والمسجد دورا أساسيا ومحوريا في تربية الأبناء وتوجيههم، وذلك يستدعي بناء أطر وقوالب للعمل المشترك والتعاون والتساند بينهم للوصول إلى الغاية العظمى والتي هي تخريج جيل حامل رسالة وطنية ودينية. وتعتبر الأسرة أول مؤسسة اجتماعية يلتقي بها أي إنسان في هذه الدنيا. والأسرة كما يعرف بوجاردوس جماعة اجتماعية صغيرة تتكون عادة من الأب والأم وواحد أو أكثر من الأطفال يتبادلون الحب ويتقاسمون المسؤولية ، وتقوم بتربية الأطفال حتى يمكنهم من القيام بتوجيههم وضبطهم؛ ليصبحوا أشخاصا يتصرفون بطريقة اجتماعية (أحمد، 2013).

وتختلف تربية الأبناء في العصور القديمة والحديثة بحيث أنه في الماضي كانت التربية سهلة بحكم المجتمع البدائي البسيط وخصائصه من حيث التعاون في المسؤؤليات والمحيط الجغرافي المحدد ناهيك عن قلة التأثيرات الخارجية للأطفال والمجتمع المحلي عامة. أما المجتمع الحديث في المدن والعواصم فإنه يواجه خصائص التطور من التعقيد وتقسيم المسؤوليات وتعدد المؤسسات المشتركة في تأثير الأطفال والأسر. فالبيئة هنا ليست خالية من التأثيرات العالمية والثقافات المتداخلة بتأثير وسائل الإعلام والإنترنت بحكم العولمة وتأثيراتها على النشء والمجتمع عامة.

وعليه؛ فإنه من الضروري جدا تكاتف الجهود بين الآباء والأمهات لمواجهة التحديات العصرية، ويعتبر عنصر التفاهم الزوجي من أهم الركائز في تربية الأبناء وتنشئتهم، بحيث أنه إذا وجد تفاهم بين الأبوين بشأن تربية أو تغذية أو طريقة التعامل مع الأبناء فإن ذلك يدعم ويقوي فرص نجاح استقامتهم وصلاحهم؛ لأنّ الاختلاف في طرق التعامل وفي اسلوب العلاقات يؤدي إلى عدم وضوح الضوابط والقواعد السلوكية للطفل، فيحاول إرضاء الوالد تارة والوالدة تارة أُخرىٰ فيتّبع سلوكين في آنٍ واحد، وهذا ما يؤدي إلىٰ اضطرابه النفسي والعاطفي والسلوكي.( فإن الأطفال الذين يأتون من بيوت لا يتفق فيها الأب والأم فيما يخص تربية أطفالهم يكونون أطفالاً معضلين أكثر ممن عداهم ) (الحسيني).

ولكن ما شأن الأسرة الصومالية التي لا تحظى بالتواجد الدائم لأحد الأبوين في أغلب الأحيان وبالذات الوجود الأبوي داخل الأسرة ؛ حيث يغيب عن أمور الأسرة إن لم يكن السبب الوفاة فالهجرة الخارجية كالغربة في المهجر أو الهجرة للتجارة والعمل أم الهجرة الداخلية لعدم استتاب الأمن أو ما شابه ذلك. وكل ذلك يخلق جوا من الوحدة في مسؤولية تربية الأبناء الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الإحساس العاطفي لدى الأطفال الصغار وفراغا عاطفيا بل وضياعا لدى المراهقين؛ الأمر الذي يؤثر بدوره على مستوى تحصيلهم الدراسي وبناء شخصيتهم .

وقد برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة تضاءل مسؤوليات الأب والتي انحصرت في الأغلب جلب المصاريف للأسرة أو إرسالها لها في بدايات الشهر ثم متابعة أحوالها تليفونيا مما له مبررات تقليدية بحجة أن الرجل القوي المرموق لا يقضي وقتا طويلا مع الزوجة والأطفال! وقد يجد أعذارا من المجتمع والقبيلة بحيث لو أن المرأة طالبت بوجود الرجل جنبها للأنس أو لتقاسم المسؤولية فإن المجتمع يتساءل ويقول: ماذا تريد هذه المرأة؟ ألا تحظى بمصاريف شهرية؟ أليست قادرة على تحمل مسؤوليات أطفالها؟ وبما أن هناك اعتقاد اجتماعي بأن الرجل الذي يجلس مع النساء والأطفال كثيرا سيهبط مستواه! وربما يغيب الرجل عن الأسرة لأسباب أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية وغيرها، فقد حكى لي ذات مرة معلم في إحدى الخلاوي القرآنية قائلا : كنت مؤمنا بمسؤولية الأب على أبنائه ولم أكن أسمح لأي امرأة التواصل المباشر معي بحجة أن تعليم الأبناء لا دخل لها بالمرأة! غير أنه ظهرت مشكلة غياب الأب عن الأسرة والأبناء بصورة جلية الأمر الذي أجبرني على التفاهم مع الأمهات فيما يختص بتربية الأطفال وتعليمهم وكافة شؤون الخلوة.

أين كل هذا في طريقة تعامل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وأبنائه وأحفاده؟ إذ يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي وابن ماجه. وفي هذا الحديث دليل عظيم على محاسن الإسلام التي جاء بها، ومن جملتها أنه جعل الإحسان إلى الزوجة والعيال من أفضل الأعمال والقربات، وفاعله من خيرة الناس . ألم يحن الوقت للتصحيح من الأخطاء الاجتماعية والثقافية التي ترتكب في حق الأسرة والمرأة والطفل؟ وخاصة لدى المثقفين المعاصرين.

إن ممارسات عديدة في حياتنا وتعاملنا مع من حولنا تكون نتائجها سالبة وضارة وتؤثر علينا مستقبلا، وذلك ما حدث لكثير من الآباء الذين خسروا أبناءهم بعد أن صاروا فريسة لصيادي الأجيال الضائعة والمحرومة من العطف والحب والحنان الأبوي وغير ذلك من الاحتياجات الأساسية للحياة.

المراجع

www.islamweb.net. (2016, 1 14). معنى خيركم خيركم لأهله. Retrieved 1 14, 2016, from Islamweb.net: http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=46907

أحمد, د. ف. (2013). دور منظمات المجتمع المدني في التنمية الاجتماعية في الصومال (1 ed.). دار الفكر العربي.

الحسيني, ا. ش. (n.d.). تربية الاطفال في الاسلام. مركز الرسالة.

زهران, د. ح. (2003). علم النفس الاجتماعي (6 ed.). القاهرة: علم الكتب.

7 تعليقات

  1. د. فاطمة أبوبكر
    د. فاطمة أبوبكر

    شكرا أحبائي القراء والمحللين، ودعواتكم بأن يوفق الله قلمنا بما يساهم في ترسيخ المحبة والتعاون الأسري والاجتماعي .

  2. عبدالله عبدالرحمن

    حقا انه مقال اكثر من رائع ومفيد ويستحق القراءه مرارا بما يحتويه من توعيه صادقه لكل فرد فى هذا المجتمع والذى يحتاج منا جميعا الى جهود جباره للوصول الى مجتمع مثالى ينعم فيه الجميع بالامن والرخاء والسلام . مع شكرى وتقديرى الى الدكتوره/فاطمه .
    عبدالله عبدالرحمن

  3. مقال أكثر من جيد، وأرى حسب فهمي المتواضع أن تعامل المجتمع الصومالي مع الأطفال يعتمد في الغالب على الرعاية الجسدية المعتمدة على الماكل والمشرب والملبس، بل أن هناك من يتفاخر بخروج اولاده على التقاليد كنوع من التميز.

    في المجمل أحسنت دكتورة فاطمة …وننتظر منك المزيد.

  4. حسن مودي عبد الله

    مقال رائع .. يستحق القراءة ، وفي الصميم، بارك الله فيكم دكتورة فاطمة، قراء شبكة الشاهد في انتظار المزيد من مقالاتك القيمة في مختلف المجالات. وشكرا.

  5. د. فاطمة أبوبكر
    د. فاطمة أبوبكر

    أياديكم السالمة وشكرا لكم على تعليقكم البناء. فعلا مجتمعنا في حاجة إلى تكامل الأدوار وتكاتف الجهود للوصول إلى السعادة الحقيقيية. وهنا تظهر الحكمة في ثنائية الوالدين وكيف أن الله جعل الرجل والمرأة شركاء في الأسرة والانجاب وكذلك الرعاية والتربية، ولولا ذلك لأعطى كل جنس أولاده على حده!

  6. سلمت الأيادي مقال رائع وفي الصميم ، الغوص في أعماق التربية هي فعلا ما يحتاج إليه نحن كآباء وأمهات.. شكرا لك دكتورة فاطمة.

%d مدونون معجبون بهذه: