جُذور المذهب السَّلفي في الصُّومال [القرن السّادس الهجري]

إن تحديد مُبتدأ الطّوائف – مُجتمعها ومُفترقها – وتجدّد عهودها في قطر أو ناحية مُعيّنة تحديداً دقيقاً ؛ ممّا يصعب على المرء تجرّؤ الجزم فيه ، ولا تعدو المباحث والأقوال المنقولة في مثل هذا اجتهاداً تقريبيّاً يحتمل طرفي الخطأ والصّواب ، وبالأخصّ إذا كان للمُحَدَّد تاريخ طويلة وأخبار موغلة في القدم ، وندر المكتوب عنه في صفحات مدوّنات رواية الأخبار أو المرويّ على ألسنة القُصّاص الأجياليين .

ولصعوبة الإدراك المعرفي التام فيه ؛ تطلق الادّعاءات أزمّتها نفياً أو إثباتا في التقادم والتأخر ، ووقت النّشأة وظروفها ، ويسود الخلاف ويأخذ حدّته إذا كان للمُحَدّد أطراف متقابلة.

والمتتبّع لتواريخ الأمم والقبائل ، والمذاهب والفرق ، والمبادئ والآراء ؛ يلاحظ هذا وبكثرة إذا جمع شتات المكتوب عنهم ، وقرأ الكتابات المتقابلة فيهم . وتتنوّع مجالب نشوء الخلاف في ذلك من بواعث مذهبيّة – أصوليّة أم فروعيّة – ، أو سياسيّة ، أو قوميّة حسب ماهية المبحوث عنه .

ويتلقّف النّاس هذه القضايا إما بنظرة علميّة موثّقة في بعض الحالات ، وإمّا بحظوظ نفسية أو مذهبيّة أو قوميّة في أكثر الحالات ، وبنظرة واقعيّة فاحصة على المناظرات المقاليّة أو الكتابيّة بين أرباب الرّؤى المُختلفة يتبيّن ذلك .

والمُتعلّق من ذلك بالعقائد والأيديولوجيات أشدّ من غيره نظراً للمُفاضلة الأصليّة بين قضايا العقيدة وقضايا غيرها ؛ لأن العقيدة تُعتبر الوجود الرّوحيّ للأفراد والجماعات .

ومع العلم ببزوغ فجر عقيدة أهل السنّة مع انفتاح نَور الشّريعة المُحمديّة ، وأنّها الأصل في الأمّة ، وأنّه ما ابتدأ الانحراف عنها إلّا بعد تأصّلها وترسّخ جذورها ، كما يَخلُف التغيّر أو التغيير لأصل الإسلام ( الفطرة ) الّذي هو الأصل للإنسان[1] ؛ إلّا أنّ ظهور متبنّيها والمنافحين عنها يتعاقب في الأزمنة والأمكنة ، وذلك لتباين الحاجة إلى ذلك .

وقد أَثُلَ نور العقيدة السنّيّة في المدينة واندال منها إلى أصقاع المعمورة ، وكانت للأقطار المجاورة للحرمين فضلُ زيادة في ذلك ، بجهود أبنائها وبركة دعوة أهل الحرمين .

 وقد كانت اليمن من البلدان الّتي انتشر فيها العقد السنّي، وقلّ حظ الكلاميّين فيها في صدر قرونها الأولى [2] .

وكانت مَهجراً علميّاً لسكّان شرق إفريقيا ، وربّما كانت أكبر المراكز العلميّة الّتي كانوا يرتحلون إليها بحُكم قُربها منهم ، وازدهار الحركة العلميّة فيها .[3]

وقد ارتحل جمع غفير من أبناء الصّومال إلى اليمن لطلب العلم منذ وقت مُبكّر ، وحملوا الأفكار والمذاهب الموجودة في اليمن وأوصَوها إلى أهاليهم ومُجتمعاتهم ، فعن طريقهم درج المذهب الفقهي الشّافعي ، وبعض الطّرق الصّوفيّة والعقيدة الأشعريّة في وقت متأخر .

وكانت المناحي الفكريّة لديهم تتباين حسب الموروث الفكري من معاقل العلم اليمنيّة الّتي لم تكن بينها الانسجام والمشاكلة إلّا في قرونها الإسلاميّة الأولى .

وأبرز المدارس الفكريّة الّتي انضوتها الصّومال : 1- المدرسة السلفيّة ولم يكن تغلغلها في أواسط المجتمع مثل اللّذين بعدها حسب الموجود من تاريخها 2- المدرسة الكلاميّة وخاصّة الأشعريّة 3- المدرسة الصّوفيّة ولها وشائجُ قويّة مع المدرسة الكلاميّة ، وقد ذاع صيت هذه المدارس في اليمن منذ عهود سابقة ، وكانت المدرسة السلفيّة أقواهنّ إلى أن استحوذ على نفوذها المدراس الكلاميّة – كما سيأتي – .

ولفقر المعلومات التاريخيّة عن أخبار الحركات الفكريّة في الصّومال يصعب تقصّي حقائق الصّراعات الفكريّة ، وتواريخ الحركات الإسلاميّة في القرون الهجريّة السّابقة ، بيد أنّ بالإمكان دراسة الأحوال الفكريّة في الصّومال من خلال الفقهاء الّذين اغتربوا لطلب العلم ورجعوا إلى ديارهم لنشر العلم الّذي حملوه ، وسُطّر عنهم شيء في كتب التّواريخ والطّبقات .

ومن هذه النّافذة أطلّ على كوكبة من الفقهاء الصّوماليّين ، وقفت عليهم أثناء قراءتي لكتاب ” طبقات فقهاء اليمن ” لعمر ابن سمرة الجعدي ، يُحتمل مساهمتهم في الحياة العلميّة الصوماليّة ، وهم :

1- موسى بن يوسف 2- أبو القاسم ابن عبد الله 3- إبراهيم بن محمّد بن المُثنّى 4- عبد الله بن عبده 5- أحمد بن المزكبان .

قال الجعدي :” وتفقه به – أي العمراني – من الزيالعة … ” ثمّ عدّهم فقال :” من جزيرة مقديشو من بلاد السّودان “[4] .

 ونصّ كلامه الأخير يُنفي احتماليّة كونهم زيالعة غير صوماليّين ، فقد كان من عادات أهل اليمن آنذاك تسمية غالب السّودان الخارجين إليهم من بلاد الحبشة لا سيما من يكون رقيقاً حبشياً ومن عداه زيلعياً .[5]

لم تتجاوز السّطور الجعديّة عن البوح بأسمائهم وبلادهم ، ولم يكتب لنا عن أحوالهم ما نهتدي به إلى عِيشتهم العلميّة ، كما فعله مع آخرين ، وذلك إمّا لمتربة المُتناهي إليه من أخبارهم وإمّا لأغراض تأليفيّة أخرى .

وعن طريق الاستعانة بالقرائن المُحيطة بحياة الفُقهاء المُشار إليهم ؛ توصّلت إلى إمكانيّة موافقة مذهبهم العَقَدي لمذهب أهل السنّة – أو المذهب السّلفي – ، وغالب الظّنّ أنّهم كانوا عليه ، ويتبيّن ذلك من خلال المعرفة بـ :

1- تفقههم على الإمام الفقيه يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي صاحب ” البيان ” – تـ 558 ه – ، وقد كان رحمه الله مع باعه الطّويل في الفقه وبروزه فيه[6] ، رائد مدرسة أهل السنّة العقديّة وإمامها والمنافح عنها في عصره في البلاد اليمنيّة ، ويُعدّ كتابه ” الانتصار في الرد على المعتزلة القدريّة الأشرار “[7] من أجلّ ما وصل إلينا من الّتّراث العقدي السنّي في القرن السّادس الهجري .

وكان رحمه الله – لشدّة تمسّكه باعتقاده الأثري – يُنكر على مُخالفيه ويُناظرهم في أمور الاعتقاد ويُسهبُ في ذلك ، فقد ناظر المعتزلة والزيديّة والأشاعرة ، وقصّته مع ابنه الإمام طاهر معروفة [8] .

وكان أغلب أهل اليمن في عهده متمسّكين بأصل اعتقاد القرون الأولى ولم ينجذبوا إلى الآراء المُحدثة بعدهم ، وكانوا وقتئذٍ بمعزل عن أفكار المتكلّمين الّتي أخذت أوج قوّتها في اليمن بعد القرن الخامس الهجري بفرعيها الاعتزالي والأشعري .

وفي عهده كان الإمام رحمه الله أبرز من أثّر في الحركة الفكريّة العقائديّة اليمنيّة ، فقد قلّد مذهبه عامة أهل اليمن وأيّده أكثر عُلماء اليمن وطلّابها .

ورد في ” مرآة الجنان ” لليافعي [9] أنّه سأل بعضَهم : ” من أين جاءهم هذا الاعتقاد؟ فقال له: غرهم صاحب البيان ” [10] ، وكان المسئول على مُعتقد الغزالي ، ثمّ قال اليافعي : ” ولم يزل فقهاء الجبال كلهم قديماً، وبعضهم حديثاً – يقدحون في الإمام حجة الاسلام، وعقيدته السنية المخالفة لعقيدة الحشوية ” [11] . لم يكن العمراني مخترع مذهب عقدي جديد في اليمن بل كان المذهب موجوداً في اليمن قبله كما نبّه على ذلك بامخرمة في ” قلادة النّحر ” والأهدل في ” تحفة الزّمن ” .[12]

كان الإمام رحمه الله رُحلة طلّاب العلم في العالم الإسلامي وخاصّة المناطق المُجاورة لليمن ومنها الصّومال ، والسّودان ، والحبشة ، وكان كما يقول الجعدي في ” طبقات فقهاء اليمن ” [13] ” جاوز علمه البحر مع السّودان ” .

وبما أنّ الإمام كان ذا أثر كبير على طُلّابه فمن المُتوقّع أن يكون تأثيره على هذه النّخبة من طلّابه الصّوماليّين مماثلاً لتأثيره على غيرهم ممّن دُوّنت مذاهبهم الاعتقاديّة المطابقة لمبادئ شيخهم ، لا سيّما وقد خُصّوا بالذكر من بين جمهرة تلاميذه المتفقهين عليه .

2- سيادة المذهب السّلفي آنذاك في الأقطار الإسلاميّة عموماً واليمنيّة خصوصاً ، ولم يشتهر فيها التأرجح الفكري بين العقائد السلفيّة والآراء الكلاميّة ، وقد أُثبت هذا من قبل أعلام التأريخ اليمني :

فقد ذكر الأهدل أنّ اليمن كانت ” قديماً وحديثاً على معتقد الحنابلة [14] وسبب ذلك وقوع كتب الحنابلة إليهم ككتاب الآجري الشريعة وكتاب التبصرة وكتاب الحروف السبعة وغير ذلك ” .[15]

 والمُحتَمُ تواجد مذاهب فكريّة أخرى كالزيدية – الّتي كانت محصورة في الشمال الشرقي اليمني[16] – في اليمن في عصر الإمام يحيى ، ولكنّ غالبيّة أهل اليمن كانوا على مُعتقد الحنابلة كما أفاده الأهدل ، وهذا إذا قُورن بالمذاهب الكلاميّة – الاعتزاليّة والأشعريّة – .

وقال الطيب بامخرمة – بعد نقله لكلام سبق أن نقلناه عن مرآة الجنان مُفاده انتشار وشيوع المذهب السّلفي بين أهل اليمن – :” ولا شك أن أهل اليمن كانوا يعتقدون ذلك من قبل ظهور صاحب البيان وقد رجع اليوم غالبهم أو كلّهم عن هذا الاعتقاد ” [17]

هذه البيئة العقائديّة تُعطينا تصوّراً عن الانتماء الفكري للفقهاء الصّوماليّين المتربّين على يد أكبر رجالات أهل السنّة اليمنيّين في القرن السّادس الهجري ، وللبيئة أثرٌ ملحوظ في اتجاه الإنسان الحياتي والفكري .

 ويُمكن اعتبار هؤلاء الفقهاء روّاد المذهب السّلفي في هذا القرن في الصّومال ، مع العلم بأنّ الطلّاب كانوا يرجعون إلى بُلدانهم بعد سنوات من التفقّه والتعلّم .[18]

3- الاتجاه العقدي لدى المؤرّخ ابن سمرة الجعدى صاحب ” طبقات فقهاء اليمن ” – حفيد الإمام يحيى بالتلمذة – أثّر في كتابه ، إذ إنّه لا يورد غالباً إلّا من كان على المُعتقد السّني معروفاً به ، يقول د. أحمد عارف [19] :” … أمّا بقيّة الأعلام الحنابلة [20] فقد ذكرهم مؤرّخا الحنابلة في اليمن علي بن عمر بن سمرة الجعدي المتوفى سنة 586 ه وبهاء الدّين الجندي المتوفى حوالي 734 ه في كتابيهما طبقات فقهاء اليمن ، والسلوك في طبقات العلماء والملوك ، وغالباً لا يذكر هذان المؤرّخان إلّا من كان على مُعتقد الحنابلة فلذلك حمل عليهما كلّ من الأهدل وبامخرمة ” [21] .

ولمح إلى موقف الجُندي محمد بن علي الأكوع في مقدّمة تحقيقه لسلوك الجندي [22] ، وكُتب عن الجعدي : ” ابن سمرة الجعدي – منهجه ومورده في كتابه (طبقات فقهاء اليمن) “[23] وعن الجندي: ” بهاء الدّين الجندي سيرته ومنهجه في كتابه السّلوك في طبقات العلماء والملوك)[24] ولم يتح لي الوقوف عليهما .

وهنا يمكن القول بأن الجعدي جرى على قاعدته الأكثريّة المذكورة في تسطير أسامي الفقهاء الصّوماليّين .

ومن مجموع المعالم المذكورة يغلب على الظنّ سلفيّة اتّجاه الفقهاء المذكورين ، وتبنّيهم لمذهب الإمام يحيى الاعتقادي ، وتتلمذهم عليه في أصول العقائد كتفقههم عليه في مسائل الفروع ، ويتسق اعتبارهم من جذور المدرسة السلفيّة المُعاصرة ، والله أعلم .

………………………….

الهوامش

[1] هذا مُفاد النص النّبوي : ( ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه … ) البخاري 1358 ومسلم 2658 .

[2] راجع : تاريخ اليمن الفكري في العصر العبّاسي 1/271 .

[3] ارتحل أهل المنطقة أيضاً إلى الحجاز ومصر والشام والعراق .

[4] طبقات فقهاء اليمن صـ 208 .

[5] السّلوك في طبقات العلماء والملوك 2/111 .

[6] نال العمراني رفعة شأنه بكتابه ” البيان ” الّذي شرح به ” المهذب ” للشيرازي ، وهو من أجلّ الكتب المصنّفة في المذهب الشّافعي ، وقد اعتمد عليه المحققون كالنووي والرافعي والسبكي وغيرهم .

[7] حقّقه د. سعود الخلف ، وهو مطبوع بمجلّدين ، ويُلاحظ على الكتاب أنّ العمراني تأثّر بشيء من كلاميّات المتكلّمين ، مع ردّه لهم .

[8] يكثر الخلط والادّعاءات في أمر الإمام القاضي طاهر بن الإمام يحيى ، والمُعتمد في ذلك ما ذكره تلميذه بهاء الدّين في طبقات فقهاء اليمن 188 ، وأنّه ما زال على عقيدة أهل السنّة .

[9] مرآة الجنان وعبرة اليقظان 3/249

[10] صاحب البيان : الإمام العمراني ، وأنبّه على : أنّ السّائل والمسئول على معتقد الأشعرية .

[11] يقصد بهم : أهل السنّة المُخالفين لأهل الكلام .

[12] سيأتي إيراد نصيهما في ذلك .

[13] صـ 174 .

[14] نسبة الاعتقاد السنّي إلى الحنابلة شاع في المتأخرين ، وهو غير صحيح ، فالحنابلة خدموا له كغيرهم من أرباب المذاهب الثلاث الأخرى .

[15] نقل عنه عارف في مقدّمته ” الاتجاهات الفكرية والسياسية في اليمن ” 18

[16] مقدمة في دراسة الاتجاهات الفكريّة والسياسيّة في اليمن 18

[17] قلادة النحر في وفيات أعيان الدّهر 4/207 .

[18] انظر مثالاً لذلك في ترجمة الفقيه يوسف المزكّى الكلجوري من طبقات فقهاء اليمن 210

[19] له عدّة أعمال منها : الصلة بين الزيديّة والمعتزلة ، وتحقيق شفاء صدور النّاس بشرح الأساس .

[20] يقصد بهم حنابلة الأصول دون الفروع ، وسبق أن نبّهنا على هذا .

[21] مقدّمة في دراسة الاتجاهات الفكريّة والسياسيّة في اليمن 14 .

[22] مقدّمة السّلوك في طبقات العلماء والملوك 29-30 .

[23] رسالة جامعية نيلت بها درجة الليسانس .

[24] رسالة جامعية نيلت بها درجة الليسانس .

3 تعليقات

  1. جهد موفق ورائع. بارك الله في الكاتب المميز.

  2. شكراً للكاتب القدير .ومقالاته الرائعة فى الشاهد العربي، وبالطبع في مقالتك هذه معلومات أولية ومهمة للمنطقة من خلال غوصك في أعماق لمصادر الأولية لتراثنا الإسلامي، ولا أخفي عليك بأننا عرفنا هذه الكتب من خلال قرآءتنا مرار وتكراراكتاب ” الثقافة العربية وروادها في الصومال للدكتور محمد حسين معلم، والعلومات التي تنقلها حاليا نقلها قبلك الدكتورغير انه لا يوجد ما يدل على السلفية وغير السلفية اطلاقا ، وإنما توحي فقط الحركة العلمية ورحلات العلماء والفقهاء واحتكاك بعضهم ببعض، وجزاك الله خيراً.

    • محمد برى

      شكرا أخي .. مع أني لم أرجع إلى كتاب الدكتور محمد إلا أني أعتقد أنه أثرى الموضوع وتكلم عن بعض مناحي المقال ، وآسف أنه ليس في متناول يدي حاليا .
      أسعدكم الله .

%d مدونون معجبون بهذه: