لتعلَموا عدد السِّنين والحساب

كل العالم احتفل في الأيام القليلة الماضية بنهاية السنة الميلادية 2015 وبداية السنة الحالية 2016، وأصبح هذا الاحتفال مناسبة سنوية يحتفل بها العالم كل بطريقته وحسب تقاليده الخاصة. وهي بالفعل مناسبة مهمة لمن له بصيرة ( هو الذي جعل اليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شُكورا ) أي أن الله جعل اليل والنهار لصنفين من الناس: صنف يتذكر ويتدبر في تغيُـر اليل والنهار: النهار بضيائه وصحوه ومعاشه، واليل بظلامه وسُكونه وراحته. وصنف يشكر ويحمد ربه ( ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلّكم تشكرون…) فالسَنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والسّاعات أوراقها والأعمال ثِمارها، فمن كانتْ أعمالُه في الطاعات والصالحات وعظائم الامور فثمار شجراته طيبة، ومن كانت في المعاصي والمنكرات فثمار شجراته مُرة كالحنظل.

وكل لحظة من الحياة كنز لايتكرر. وإذا لم تُشغل نفسَك بالحق شغلتْك بالباطل؛ لأنّ الطبيعة لا تعرف الفراغ، والإناء الخالي من الماء يملؤه الهواء والأوساخ، والقلب الخالي من الله ومن الأعمال العظيمة مملوء بشيء آخر بالأثرة أو الحقد أوالهوى والشّهوات إلخ.

(هو الذي جعل الشّمس ضياء والقمر نورا وقدّره منازل لتعلَموا عدد السّنين والحِساب…) فبالشّمس نعرفُ الأيام وبسير القمر نعرف الشُّهورَ والأعوام. فهل عرفنا عدد السّنين وحسبنا حسابها، وسعينا للانتاج والانجاز وفعل الخيرات والتقدم في سُلم الحياة بخُطوات ثابتة وبرؤية واضحة المعالم… أم أنّ الأيام تحملنا على حين غفلة… ومن سُنة الله أنّ من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب والملآلات نجا. الوقت أنفس ما عُنيتَ بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع.

 كلنا نشكو من سُرعة انقضاء الوقت وقِلة بركته وعدم قُدرتنا على انجاز اي شيء يُذكر، وقلّ من يسأل نفسه ماذا كسبتُ قدّمتُ وعملتُ وأنجزتُ فيما مرّ عليّ من أوقات (سنة كاملة و12 شهرا، و52 أسبوعاً و366 يوما و8784 ساعة من الزمن) ومن عرف قيمة الوقت فقد أدرك قيمة الحياة، فالوقت هو الحياة. فالأعمار تفنى والأعمال تبقى، والوقت لا يتوالد ولا يتجدّد ولا يتوقّف ولا يرجع للوراء، فاليل والنهار يعملان فينا فهل عملنا فيهما بما يُشرفنا ويرفع قدرنا عند الله وعند الناس؟ إننا في ممرّ اليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة… ومن يزرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة في الخير وراحة بالانجاز الذي قدّمه، ومن يزرع شراً يوشك أن يحصد ندامة فلكل زارع مثلما زرع ولا يسبق بطيء بحظّه. وأعظم الربح في الدنيا أن تُشغل نفسك في كل أوقاتها بما هو أولى بها وأنفع في معاشها ومعادها. وإذا كنت حريصا على حياتك وتأمينها فلا تُبدد وقتك؛ لأنه مادة الحياة.

والراحة للرجال غفلة والفراغ لصّ محترف وعقلك هو الفريصة لعمل هذا اللصّ الغادر. فانتهزوا فُرص الخير؛ لأن الفرصة تمرّ مرّ السحاب. ورأسمال كل انسان هو قلبُه ووقتُه فإن أشغل قلبَه بهواجس الظنون والتفكير في السفاسف، وضيّع وقته فيما لا يعني ولا يُفيد فمتى يربح من ضيّع رأس ماله. لهذا قال أصحاب الهمم العوالي (إن إضاعة الوقت أشدّ من الموت؛ لأن تضييع الوقت يُبعد الانسان عن عمل الصّالحات الذي هو سبب نجاحه وفلاحه في الدنيا والاخرة، بينما الموت يقطعه عن الدنيا وأهلها وربما كان يزداد فيها شرا وفسادا وخبالا).

فالعاقل هو من أعطى كلَ لحظة حقها من الواجب عليه، ويبحث دائماً عن فرصٍ للتقدم ولا يكتفي بأداء المطلوب منه ويغتتنم ساعات أعماره القصيرة بالأعمال الصالحات الجليلة النافعة؛ لأنْ الأمس قد مضى ولا نستطيع تغييره ولكننا نستطيع الاستفادة من يومنا والإسهام في صنع غدنا… والحكماء يقولون: (ليس لنا أن نتطلّع إلى هدف بعيد يلوح لنا في الأفق، وإنما علينا أن نُنجز ما بين أيدينا من أعمال واضحة ومُحددة) تعلو الدقائق في حياة خصبة وتَهون أعوام بعمر مُجدب.

فعملٌ يُجهد خير من فراغ يُفسد، والصلاة خير من النّوم، والتجلد خير من التبلد، والمنية خير من الدنية. ومن الواجب أن نُشغل أوقاتنا بالعمل والبذل والجود والإحسان إلى نفوسنا وإلى الآخرين من حولنا… والعاقل هو من يَحرص على نفع نفسه والانتفاع من غيره في كل يوم لتزداد معارفُه وتنمو خبراتُه ويكثر علمُه؛ لأن الفضيلة لا تتحقق بعمل فاضل واحد بل يجب أن تكون نتيجة لماض عمليّ طويل.

والناس في الحياة صنفان: صنف يعرف قيمة الوقت ويُخطط له ويحسب حساب اليوم والأسبوع والشهر والسنة، ويعرف في آخر عامه ماذا حصّل وماذا لم يُحصل وماذا كان عليه أن يحصّل ولماذا؟ ومن سأل نفسه كل أسبوع مرة ماذا أنجزتُ / عملتُ/ قرأتُ في هذا الأسبوع فقد ضمن لنفسه أعظم مستقبل عملي/ وعلمي.

*وصنف آخر يحمله الوقتُ لا يُخطط ولكنه يتفرّج وينتظر ما يأتي به الزمن القادم فيذهب حيث تأخذه الرياح ويتجه مع الأمواج حيث اتجهتْ. وعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فاته أمر عاتب القدرا…. والعقلاء لا يُفكرون في القيام بالواجبات فقط بل يُصنفونها حسب أهميتها ويضعون لها جداول وشعارهم في هذا (من شغله الفرضُ عن النفل فهو معذور، أما من شغله النفل عن الفرض فهو مغرور). وليس المهمُّ أن تتقدم بسُرعة شديدة، بل المهمّ والواجب أن تتقدم في الاتجاه الصحيح وحسب خُطة مدروسة ومتدرجة… فالقصد والدوام وأنت السّابق الجواد.

ومحاسبة النفس أمر صعب وثقيل جدا، وخاصة لمن ليس عنده نور الحكمة ولاسُوء الظن بالنفس، ولا تَمييز النعمة من النقمة؛ لأن النّفس الإنسانية تُحبّ اللّهو وتكره الجدّ، وهذا هو السرّ في نُدرة العظماء وكثرة الماجنين والعابثين مُقارنة مع الأذكياء والعقلاء.

وهنا أقدم 4 نصائح عملية لِمن يحب أن يستفيد من وقته ويُنتج

  • لا تُؤخر عمل اليوم إلى الغد فمن أخّر أطال الأمل وأساء العمل. ومَن زرع “سوف” أنبتتْ له نبت ليت ونتيجتها الخيبة والندامة. لا تكن عبد المنى فالمنى رؤوس أموال المفاليس. وإذا هممتَ بعمل فصدرته بـ(سوف) فلن يتمّ لأن سوف حرف يُفيد تأخير العمل حتى الموت وضياع الفرصة، ومن أخّر الفُرصة عن وقتها فليكن على ثِقة من فَواتها.
  • أن نُلزم أنفسنا بالأعمال التي لا ترغبها؛ لأنّ أفضل الأعمال ما أكرهتَ عليه نفسك، وألا نرضى عنها أبدا، لأنّ من أفسد الأشياء على الإنسان رضاه عن نفسه فإنّ من رضي عن نفسه انقطع عليه بلوغ نهاية ما يلزمه. وقديما قالوا: حسنة الجاهل الوحيدة أنه دائما في حالة رضى عن نفسه. فالعاقل يُجاهد في طلب الحكمة، والجاهل يظن أنه وجدها. مازلتُ أسوق النَّفس إلى الله وهي تبكي حتى سارت إليه وهي تضحك.
  • أن نعرف أننا نكتب تاريخنا بأيدينا وبأعمالنا اليومية، فأعمالُك ويومياتُك هي سجلّ حياتك وديوان تاريخك المفتوح. (ونكتب ما قدّموا وآثارهم) وخير مرآة ترى فيها نفسك هي أعمالُك، وأفضل مِقياس لعقلية الإنسان هي معرفة الموضوعات التي يُناقش فيها. وهناك فرق بين العمر والحياة: العمر سنوات معدودات بينما الحياة قيمة وأثر وإنجاز؛ لأن المباني تَـحكي هِمة الباني. ولكل إنسان وجود وأثر، ووجوده لا يُغني عن أثره، ولكنّ أثره يدلّ على قيمة وجوده. فكن رجلاً مَن أتوا بعده يقولون مرّ وهذا أثره. وآثار الرجال إذا انتهت إلى التاريخ خير الحاكمينا. وكلُ إنسان صانع نفسَه ولكن لا يعترف بهذه الحقيقة إلا الناجحون.
  • كتابة المذكرة اليومية تحت عنوان كبير إذا أصبحت فلا تنتظر المساء… وتسجيل الأحداث كما هي دون تزوير حتى نتفادى السلبيات في المرات القادمة، فالحاضر هو نتيجة الماضي والمستقبل متوقف على حسن استفادتنا من الحاضر. ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها. وإذا أردت أن تعرف حالك أو منزلتك في الغد فانظر أين أنت اليوم وكيف تعمل ما تُحب أن تحصل عليه. واختم بها هذا الدعاء: اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا.
%d مدونون معجبون بهذه: