ميلاد السعادة

لا تسأل المرأة عن عمرها ، هي من أبسط الذوقيات التي يستحضرها الإنسان الراقي عند التعامل مع الأنثى ، وطالما سخرت أنا من هذه المسلَّمة البديهية ، ويبدو بأن سخريتي تلاشت تماماً مع مطلع ميلاد عمري الجديد ، وأول عبارة تهنئة سمعتها كانت ” ثلاثين يا فاطمة ” والله كبرتِ يا الله.. كم صباحا استيقظت! الحمد لله كانت هذه تهنئة من جدتي؛ ولا كانت عواقب التهنئة وخيمة.

الكبر عدو المرأة ، والتقدّم بالسن يدهش الرجل ، ولكن الهرم سنة الحياة ، وتتجلى جماليات السعادة في تقبُّل قواعد الحياة كما هي ، أن نكبر يوما بعد يوم وإشراقة بعد إشراقة هي الحب بأجمل صورة ونعمة يمدنا به رب الكون ، بأمل جديد ويفتح أمامنا ميدان العمل، ويعدنا لغد أفضل لمن تسلح بالطموح والجد .

لكل مرحلة عمرية مفاتيحها السحرية وأسرارها الخفية ، ومتاهاتها الخاصة ، وفيها الكثير من النجاحات لمن حاول الصعود ، والعديد من الانكسارات من لامس السقوط ، وقد يكافئ بالتوفيق من واظب على النهوض ، وسعيد هو من فهم دهاليز وخبايا المرحلة التي يحياها ، ويأمل الجميع بأن يكون لهم من حياة السعادة نصيب؛ ولكن من سوء الحظ بأن سفينة السعادة تسير ولا يكون من ركابها إلى القليل من البشر الذين عرفوا بأن كل شيء مؤقت ولحظي ، فلا حزن يدوم ولا فرح يطول ، و الكربة ساعة ، والفرج لحظة ، وبينهم تكون لحظات العمر متحولة ، وبين ثناياها تتولد مشاعر مختلفة .

 كبار السن هم أكثر سعادة من دونهم هذه نتيجة توصل إليها باحثون بريطانيون، وفسروا ذلك بأن كبار السن يستمتعون باللحظة الحالية من حياتهم دون قلق ما قد سيكون في المستقبل وهم بذلك يرفعون شعار ” أن هموم الحياة لا تنتهي ” فهم أكثر تفهما للأمور التي تواجههم ، وأكثر استعدادا للعطاء وتولى المهمات الجديدة دون تذمر ، عندهم قدرة رائعة على التأمل ، وهذا التأمل يفتح لهم معاني للحياة الجميلة ؛ فيرون في زيارة صديق عرفان ، وفي ضمة حفيد حنان ، ويقاومون النسيان في صلة الأرحام ، وفي مناجاة الأحبة أمان ، هم ببساطة يتلذذون بطعم الحياة من نافذة أبسط الأشياء من نكهة شاي ، ورحيق الورد ، ومن عيادة مريض ، وصلاة الفجر ، و ورد القرآن ، وهم محبون بحق للحياة؛ فكل يوم يمر عليهم وهو بمثابة ميلاد حقيقي لهم .

السعداء في أي عقد عمري هم خير من ترجم رأي تولستوي الروائي الروسي الشهير الذي يقول ” إننا نبحث عن السعادة وفي الغالب هي قريبة منا ، تماماً كما نبحث عن النظارة وهي فوق عيوننا “

%d مدونون معجبون بهذه: