دور المناصحة في الأمن الفكري

في عهد بوش الابن تم إعلان الحرب على الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 ، واستمرت ما يربو علي عقد من الزمن استخدموا فيه كافة أنواع الأسلحة الفتاكة من صواريخ توماهوك وكروز وطائرات بي 52 إلا أن النتيجة كانت سيئة ووخيمة، فقد تقوى الارهاب وانتشر أكثر وصارت له شوكة و تفرخ من القاعدة داعش وأخواتها التي في النهاية انسلخت إلى الدولة الإسلامية واليوم نعيش في ظل حرب شبه كونية مع داعش التي بذكائها الإعلامي استقطبت وجندت آلاف الشباب من شتى الدول وبغبائها السياسي وتصرفاتها الصبيانية جلبت لنفسها قبل غيرها هذه المآسي والكوارث.

ليس الإرهاب رجلا حتى نقتله أو مجموعة متمركزة في مكان ما حنى نصفّيهم بالقصف ونستريح منهم؛ ولكنه فكر وعقيدة تشربتها قلوب البعض وصارت قناعتهم بها راسخة مما يتطلب منا جميعا البحث عن علاج ناجع لهذا المرض العضال؛ علاجا يلامس جذور الأزمة التي هي بالأساس فكري وعقدي وتفسير قاصر للنصوص الشرعية والبحث عن الفتاوى الشاذة التي تجيز القتل بالجملة وتكفير المخالف لهم بالرأي والحكم على العاملين في الدولة بالردة نفس الفكر التكفيري الذي ظهر في مصر (التكفير والهجرة) والذي كان زعيمهم شكري مصطفى الطالب في كلية الزراعة، ومن المسجونين أيام عبد الناصر؛ لكن الفكر التكفيري له امتداد تاريخي تمتد إلى صدر الأول من الإسلام وبالتحديد أيام الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) الذي قاتلهم ولم يكفرهم مثل ما يكفرون الناس بكل سهولة بل قال قولته الشهيرة (قوم بغوا علينا) ولا عبرة بتعدد الأسماء والانتماءات فهناك سمات تجمعهم أهمها تكفير المخالف لهم، واستباحة دماء المسلمين بشبهات واهية، والتركيز على الحاكمية كأنها ركن من أركان الإسلام وحمل السلاح والاغتيالات، وقبل مواجهتهم بساحات المواجهة من الضروري أن نعطي مساحة للمناصحة ونواجه الفكر بالفكر وبالمناظرة والمناقشة الهادفة.

والمناصحة هي بدل النصح ومخاطبة الشباب بحوار هادئ وهادف مع ما يحملون من أفكار منحرفة ومناقشة الشبهات التي عندهم من قبل أصحاب الكفاءات الشرعية وأصحاب الفكر ويجب ترتيب اللقاءات في السجون بصفة دورية وأماكن تواجدهم وبعد قبولهم للنصيحة لابد من إعادة تأهيلهم ودمجهم من جديد في المجتمع، وعلي الناصح أن يخلص النية لله ويركز على الأفعال لا أشخاص وعلى المنهج الذي يحملونه ؛فالنصيحة مطلب شرعي، والدين نصيحة كما ورد في الحديث .

تجربة المناصحة تجربة أثبتت فعاليتها عبر التاريخ، وفي كثير من الأماكن إذ أن كثير من الشباب المغرر بهم من العوام وليس لهم علم أو خبرة يفرقون به بين الصالح والطالح وبين الحق والباطل، وقد دخلو الجماعات المتطرفة بحسن نية وبغيرة وحماس لنصرة الدين وإعلاء شأنه ثم وقعوا في شراك أرباب الفكر التكفيري الذين استخدموهم كوقود لمعركة الكل يعرف أنهم خاسرون فيها وجعلوهم قنابل بشرية تتفجر هنا وهناك، مشروع كله موت وخراب ديار مما يستوجب علينا مناصحتهم وإقامة الحجة عليهم ومقارعة الفكر بالفكر ومناقشتهم مناقشة هادئة وهادفة في نفس الوقت فالحق أبلج والباطل لجلج، الحق واضح وضوح الشمس لا لبس فيه وتتقبله النفوس السوية، والباطل منكر وتتقبله النفوس المريضة.

وهناك تجارب من المناصحة نجحت عبر التاريخ:

تجربة الصحابي الجليل حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عندما استأذن من الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتناقش مع الخوارج وواجههم بالحجة والدليل ودار بينهم نقاش فنّد أقاويلهم وأفكارهم واحدة واحدة، وبين لهم المنهج الصحيح وأضاء لهم فساد معتقدهم، وطلب منهم العودة إلى الصف، اقتنع وقبل دعوته بعضهم و رجع معه من الخوارج ألفان تركوا هذا الفكر الضال، وتمادى في غيهم البقية حتى قتل أغلبهم والقصة مذكورة في كتب السير والتاريخ.

تجربة الدعاة الصوماليين: في نهاية السبعينات من القرن الماضي تغلغل الفكر التكفيري إلى أوساط الشباب الإسلامي بالصومال وانتشر بقوة إلا أن الدعاة والمصلحون واجهوه بقوة المناظرة وبالحجة البينة مما أدى إلى انضماره وتراجعه؛ ومن ثم انحصر الفكر بأناس قلائل بعضهم ما زالوا إلى اليوم حاملين الجهل والظلام ويعرف بتكفير الجو لانفصالهم عن الواقع وتقوقعهم مع نفسهم؛ علما بأن هناك جماعة تكفيرية أخرى أشد تطرفا وتشددا تختلف عن هؤلاء وتتمركز في مقديشو العاصمة ومدينة قرطو في بونتلاند..

تجربة مراجعات الجماعة الإسلامية التي حصلت في مصر أتت أكلها وتراجع أفواج عن الفكر الظلامي؛ فالجماعة هي التي اغتالت الرئيس أنور السادات في بداية الثمانينات واليوم يتبرؤون من هذا الفعل الشنيع بل ويؤكدون أن الزمن لو عاد لما أقدموا مثل هذا الفعل وتبنت الجماعة فكرة المواجهة مع الدولة بقوة السلاح.

وقاد هذه الجهود كبار العلماء والمفكرين في مصر والتقوا رموز الجماعة في السجن ، ومن خلال المناظرة والمناصحة أثمرت هذه الجهود وتمخضت في النهاية إلى مراجعات فكرية شملت الجهاد والأسس الشرعية لوقف العنف وأصدروا أربعة كتب وهي: مبادرة وقف العنف، رؤية شرعية ونظرية واقعية، حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين، تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء، وأخيرا النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين، والكتب الأربعة شارك في صياغتها وكتابتها كل من كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وعاصم عبد الماجد، وأسامة حافظ، وفؤاد الدواليبي، وعلي الشريف، وحمدي عبد الرحمن، والأخير حمل مراجعات الجماعة لدى خروجه من السجن لنشرها وعرضها على المجتمع..

إلا أهم تجربة في مجال المناصحة هي بالتأكيد التجربة السعودية وما حملته من نجاحات ملموسة تجاه مناصحة الشباب المغرر بهم ومناظرة أرباب الفكر التكفيري في داخل السجون، وقد أثمرت جهودهم وتراجع كثير من الشباب إلى وعيهم واليوم يعد برنامج المناصحة أكبر برنامج لتوعية الشباب ووقايتهم من الوقوع في شراك أصحاب الفكر الضال. كما أن هناك مراكز للمناصحة في كل من رياض وجدة قامت بعمل رائع في مجال المناصحة ونجحوا بإقناع كثير من الشباب إلى الرجوع إلى دفة الصواب والأرقام تتحدث بنفسها في هذا الموضوع.

لابد من تفعيل دور المناصحة الوقائية فالوقاية خير من العلاج كما يقول المثل كذلك المناصحة خير وسيلة للأمن الفكري، ولابد من إحياء دروس المناصحة الوقائية في المساجد ومراكز التعليم المختلفة؛ لتكون مثل التطعيم للشباب ضد الأفكار الشاذة والمتطرفة، الأمن الفكري لا يأتي إلا من خلال تعاون ثلاثي بين البيت والمدرسة والمسجد عند ذلك سنجد جيلا لديه مناعة قوية ضد الأفكار الملوثة ولا يقبل إلا أن يكون فردا صالحا ومنتجا في المجتمع المسلم الذي ينتمي إليه بدل أن يكون قنبلة في يد البعض يفجرون متى ما يشاؤون، وفي وجه من يشاءون، ولا يغتر بأناشيد الجماعات المتطرفة وأشرطتهم الساحرة، ولا يكترث لأقاويلهم، ولا يصغي إلى أباطيلهم الواهية وعنترياتهم الفارغة.

الاعتراف بالخطأ فضيلة يدركها القليل، والتمادي في الغي والتعنت بالباطل من صفات أهل الزيغ والضلال؛ قال السلف: ” الفتنة إذا أقبلت عرفها العلماء وانغمس فيها الدهماء، وإذا أدبرت عرفها الدهماء، الفتنة إذا اقبلت عَقِلها أهل العلم وأهل التجارب والمحن ؛ فيصدعون بالحق ويُحذرون الأمة منها؛ ولكن الجهلة يسيرون خلف هذه الفتنة ويرونها أنها الحق المبين ، ولكن بعد زوالها وظهور حقيقتها فعندها يُدرك الجهلة أنهم كانوا يعيشون في أوهام وأحلام.

%d مدونون معجبون بهذه: