أثر الاستدعاء السّلبي لوقت السّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة [1]

إنّ ممّا اتّفقت عليه الأديان السّماويّة – الصّحيحة منها والمحرّفة – أنّ لهذا الكون نهاية ، وأنّ البشر سيعودون يوماً ما إلى خالقهم ويُحاسبون – مع اختلافهم في تفاصيل النّهاية والبعث والنّشور والجنّة والنّار – ، ويعتقدون أنّ لها أمارات تحصل قبل قيام السّاعة ، مثل : خروج المهدي ، ونزول عيسى ، والدابة، والدجال ، وغيرها عند المسلمين ، وخروج المسيح من بني إسرائيل ، والدجال عند اليهود ، وعودة المسيح ، ومعركة ” هرمجدون ” أو ” سهل مجيدون ” النهائيّة عند النّصارى .

وفي هذا يقول ابن القيم :” والأمم الثّلاث تنتظر منتظراً يخرج في آخر الزّمان فإنّهم وُعدوا به في كلّ ملّة …” [1]

وبما أنّ الأديان السّابقة – قبل التّحريف – أثبتت شيئا من علامات السّاعة ، فإن الإسلام جاء لتأكيد تلك العلامات وإضافة أخرى لم تُذكر في الشّرائع السّابقة .

وقد قصد الإسلام من وراء ذلك عددا من الأمور المهمّة منها :

  • تحقيق كمال الإيمان باعتقاد ركن من أركانه يتمثل في أشراط السّاعة كمقدّمة من مقدّمات اليوم الآخر .
  • تأثير الشخصيّة المسلمة من خلال هذه الأشراط ، وذلك باتباعه الأوامر واجتنابه النّواهي المتأتّي من علمه بانتهاء العالَم ورجوعه إلى من يحاسبه .
  • تحقيق العلم بأنّ الأمم لا تدوم على حال من فساد أو صلاح ، فمهما كان من صلاح فسيعقبه فساد أُخبر عنه قُبيل السّاعة ، ومهما كان من فساد فلا بدّ من تجدّد صلاح في يوم ما قُبيل السّاعة .
  • وبما أنّ الإنسان مشرئبّ دائماً إلى إدراك الحقائق في كلّ ما هو معلوم ، فقد كانت أشراط السّاعة لمحة علمٍ بسيطة عن أمرٍ غُيّب عنهم تماماً وهو وقت قيام السّاعة .

هذه الأمور وغيرها توضّح شيئا من فقه أشراط السّاعة ، ومن فقُه فيها يجزم أنّ أمارات السّاعة تساعد الفرد والمجتمع للنّهوض من الحال المأساويّة إن كانوا في وقت فساد ، أو التمسّك بحال الإيمان والنّعم إن كانوا في وقت صلاح .

ومع هذا فلا يُعدم في مثل هذه الأمور من يذهب بها إلى غير مجراها بعلم أو بغير علم ، تارةً بالجفاء عنها وإنكارها والتمرّد أمام المنقول فيها ، وتارةً بالغلوّ فيها وتتبّع المخفيّ منها ومحاولة إنزالها على واقعٍ ما .

وقد كثرت المحاجّة مع المتقزّمين في الرّأي الأوّل ، وقلّت مع الأكثر خطراً في السّاحتين العلميّة والاجتماعيّة ، وبناء عليه أسلّط الضّوء على أثر هذه الفئة أو بعبارة أخرى أثر الاعتقادات الخاطئة في علامات السّاعة ووقتها على الأمّة الإسلاميّة ، مُقتصراً على أمرين :

الأوّل : أثر الاستدعاء السّلبي للسّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة .

الثاني: أثر دعوات تحديد وقت السّاعة في ضعف الأمّة .

وقبل الشّروع أنبّه على : أنّ مثل هذا الموضوع يسع لكتيب مفرد أو بحث مُحكم – ولم أرى حسب علمي مكتوبا عنه – ، ولكنّي سأقف معه هنا وقفات – وعلّ الله يُحدث همّة في جمع كتاب فيه – .

أثر الاستدعاء السّلبي للسّاعة وعلاماتها في ضعف الأمّة :

إنّ علامات السّاعة – وكما ذكرنا – واقعة لا محالة ، صغاراً كانت أم كباراً ، وقد كان الحديث عنها مُمتدّا من يوم البوح عنها في العهد النّبوي إلى اليوم وسيظلّ كذلك .

وموقف المسلمين منها واحد – في الجملة – وهو الإيمان بها ، وانتظارها كشيء مُخبر عنه لا غير ، يصاحبه أحداث وفتن عظيمة ولأجلها أُمر بالاستعاذة من بعضها مثل خروج الدجّال وشرّه ، وبما أنّ المرء لا يعرف ما يُختم له إذا بلغ تلك الأيّام لم تكن الرّغبة في استعجالها مطلباً شرعيّا .

ولا شكّ في أنّ الترغيب والترهيب في أخبار هذه الأمارات ، وذكر الواقع منها ، والاقتراب من باقيها مع مضيّ الزّمن ؛ يساعد في هضم النفس ، وينفع في عظة النّاس بها ، للانزجار عن مخالفة الخطاب الشّرعي .

بيد أنّ استخدامها كمطرقةٍ على التغيّر من الأسوأ ، وحجابٍ سادلٍ على الغيرة الشّرفيّة ، ألحق على حسابات الأمّة هزائم ساحقة في الواقع والتّاريخ .

فقد أصبح النّاس يتواكلون في أمر السّير قُدماً مترقّبين قيام علامات السّاعة ، ومن لم يتفوّه هذا بفمه وجد في قلبه أثر ذلك .

وأسباب ذلك كثيرة من أهمّها :

  • التدهور الحياتي والنّظامي ، فمن سنن الأمم أنّها عند سقوطها تستحدث خرافات تسلّيها عن نفسها وتتمسّح بها عن وصمة العار والسّقوط الّذي لحقها ، وحاشا أن تكون علامات السّاعات من هذا الباب ولكن تحديدها كالإخبار بولادة المهدي أو الطفل الّذي سيقتله الدجال ، ونحو ذلك ، من الخرافات .
  • العجز واليأس عن المُضيّ نحو التغيُر ، فمن رأى الهزيمة على قومه ولم يستشرف على منفذ للخروج ، وفي نفس الوقت يرى تقدّم مناوئيه ، ويرى الفارق الكبير بينه وبينهم ، يطفق في التفكير العكسي أو الانحرافي عن اتجاهه ، ويفكّر في طرقٍ لتبرير الاستسلام .
  • تجنّب الأعباء الثّقيلة جرّاء محاولة التغيير ، والاعتذار بعدم نفعيّتها لقرب حصول ما يضادّها أو إتيان من ينفّذها على الوجه الأليق ، وذلك عند قيام علامات السّاعة الكبرى .
  • وهناك أغراض دينيّة ترغيبيّة أو ترهيبيّة لردع النّاس عن المنكرات والمعاصي ، وهو وإن كان غرضاً جميلاً بحدّ ذاته إلّا أن ما يتبعه من المبالغات التبشيريّة أو التحذيريّة – كرؤية الجساسة ، أو العلم بمكان المهدي – ، يؤدّي إلى اعتقاد خاطئ عن مجرى الحياة .

وقد تنبّه بعض رموز الأمّة إلى خطورة هذا الأمر في حياة الدّاخل الإسلامي فحذّروا منها :

منهم العلّامة محمّد رشيد رضا في مقالٍ له في مجلّة المنار [2] عنوانه ” الحيرة والغمّة ومناشئهما في الأمّة ” ، وقد عدّ هذا الاعتقاد الخاطئ قديماً في الأمّة – كما سنبيّنه في الكلام عن مظاهر هذا الاعتقاد – .

قال رحمه الله :” قد أشرنا في مقدمة العدد الأول من (المنار) إلى أكثر المسائل التي لبَّست على

الأمة الحق بالباطل، وشَبَّهت الرشاد بالغيّ، وشرحنا كثيرًا منها في مقالات مطولة بعد ذلك، ونُقَسِّم ما نذكره ههنا إلى قسمين: قسم قديم العهد دخل أكثره على الأمة من باب الدين، فاخترق القلوب ونفذ إلى أعماق النفوس، وقسم حديث النشأة دمر على الأمة من باب التمدن العصري، أما الأول فمن أهم مسائله اعتقاد أن الأمة يجب أن تكون دائمًا في تَدَلٍّ وهبوط، وأن الترقي والتقدم مستحيلان؛ لأن هذا من علامات قرب الساعة، وهذا الاعتقاد فاش في المسلمين، ويروون فيه أخبارًا وآثارًا اشتبه على الجماهير صحيحها من سقيمها، وحقها من باطلها، ولا يمكن أن تنجح مع هذا الاعتقاد أمة، ومنها أنه ليس للمسلمين إلا نهضة واحدة تكون قبيل قيام الساعة على يد المهدي المنتظر الذى يُنصر بالكرامات والعجائب، لا بالقوة والعصبية، وهذا الاعتقاد قريب مما قبله في مضرته وفي شبهه وأدلته …. ” الخ

ولست هنا للنّقاش عن موقف رشيد رضا – رحمه الله – من بعض أشراط السّاعة – ولكلّ جواد كبوة – ، ولكنّ كلامه واقعي في تأثّر بعض النّاس السّلبي لعلامات السّاعة .

وللسرجاني كلامٌ جميلٌ عن الموضوع في كتابه قصة التتار [3]

الهوامش

………………………..

1] إغاثة اللهفان 2/338 ت : الفقي

[2] مجلّة المنار 2/754

[3] قصة التتار صـ 168 .

%d مدونون معجبون بهذه: