دور اللغة العربية في الخطاب الدعوي الصومالي

من نعم الله تعالى على الناس من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام أن أرسل إليهم رسلا وأنبياء يتحدثون بلغة قومهم ليسهل عليهم فهم خطاب الله تعالى ومراد حكمه في إنزال الكتب وإرسال الرسل ﴿ وَما أَرسَلنا مِن رَسولٍ إِلّا بِلِسانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ وَيَهدي مَن يَشاءُ وَهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ﴾ إبراهيم ٤.

يقول قتادة رحمه الله : بلغة قومه إن كان عربيا فعربيا، وإن كان عجميا فعجميا، وإن كان سريانيا فسريانيا، ليبين لهم الذي أرسل الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم. (الدر المنثور ج5/4).

وقد أخرج أحمد عن أبي ذر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم يبعث الله نبيا إلا بلغة قومه) إسناد رجاله ثقات.

ولذلك حرصت العناية الربانية بإرسال الناس لمن يشاركهم في الجنس واللغة والشكل حتى لا يحصل النفور بين الداعي والمدعو ، ولا يكون هناك حاجز مادي أو معنوي بين الرسل والأمم ، وفي التنزيل ﴿ قُل لَو كانَ فِي الأَرضِ مَلائِكَةٌ يَمشونَ مُطمَئِنّينَ لَنَزَّلنا عَلَيهِم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسولًا ﴾ الإسراء ٩٥ .

وينبغي للداعية إلى الله تعالى الذي يطمع بأداء رسالته الدعوية على الوجه الأكمل إجادة اللغة واللهجة التي يريد أن يخاطب الناس بها سواء كانت لغته الأصلية التي تربى عليها أو لغات الأمم الأخرى التي يريد مخاطبتهم وتوصيل رسالته إليهم .

وقد اختار الله تعالى اللغة العربية بأن تكون لغة آخر الرسالات مع كون المصطفى ( ص) رسول الثقلين الإنس والجن جميعا عربهم وعجمهم ، ولما أراد مخاطبة الأمم الأخرى أمر بعض أصحابه تعلم لغة القوم حتى يدعوهم إلى الإسلام .

والشعب الصومالي يحب اللغة العربية وتُدرس علوم اللغة العربية في ربوع الصومال ، وهناك مدن ومناطق مشهورة بتدريس وتعليم علوم الآلة وأخواتها ، ولكن هذا لا يسري على عموم الشعب بل القلة القليلة من طلبة العلم الشرعيين وبعض الدارسين في المعاهد العربية أو عملوا وعاشوا في البلدان العربية هم الدين يستطيعون فهم الخطاب الدعوي باللغة العربية ، وأما الأكثرية فيجدون صعوبة في فهم اللغة العربية.

ومشكلة اللغة لا تتوقف عند عامة الناس ، بل يعاني منها عدد غير قليل من الذين يحفظون متون قواعد النحو عن ظهر قلب ممن تخرجوا من جامعات عربية عريقة أو درسوا عند جهابذة اللغة العربية من علماء الصومال ، وتبرز هذه المعضلة عند التحدث أو إلقاء كلمات الوعظ والإرشاد في المحافل والمساجد ، وقلَّ من يستطيع ارتجال موعظة صغيرة فضلا عن محاضرة أو خطبة تستوفي شروط وقواعد اللغة العربية، إلا إذا استعان المكتوب ، وكثير من الخطباء يعتمدون على الكتب المعدة والمؤلفة في جمع خطب الجمعة ، وليس عيبا على الخطيب في مرحلته الأولى في ميدان الخطابة الاعتماد على غيره ممن جمعوا خطبهم في كتاب ، ولكن لا ينبغى أن يكون طول حياته رهينة لما سطره الآخر ، ولا يطور نفسه، ولكن اللغة تنمو وتترقى بالممارسة والتحدث الدائم ، وهذا مما لا يتوفر فيه بين الشعب الصومالي ؛ لأن الصومالية هي الأولي والمهيمنة في حياته اليومية .

وفهم اللغة العربية أصل في فهم نصوص الوحيين ، ولا تغني الترجمات إلى اللغات الأخرى عنها شيئا ، كما يجب التفريق بين ميدان التعليم للطلبة والمتخصصين وبين مجال الدعوة والوعظ و الإرشاد ، فالأول يجب عنايته وتطويره ، وأما الثاني فيتوجه إلى الجمهور وعامة الناس رجالا ونساء ، فيجب مراعاة واستخدام اللغة الصومالية التي يفهمونها ؛ لأن اللغة وسيلة فلا يجوز أن تصبح غاية بذاتها، فإذا كانت العربية لا تؤدي إلى المهمة المطلوبة فلا يجوز أن تبقى عقبة أمام من لا يجيدها ولا يفهمها.

وتعاني الجالية الصومالية في المهجر مشكلة كبيرة في فهم دينها ، فالغالبية العظمى من الرجال والنساء يصعب عليهم فهم اللغة العربية فهمًا صحيحا ، ومع ذلك يصرُّ بعض المساجد الصومالية في المهجر استضافة بعض العلماء الناطقين باللغة العربية ويبذلون في سبيل ذلك مبالغ طائلة من ميزانيات المساجد الشحيحة أصلا ، ويكون المردود جهدا بلا نفع يذكر ، بينما يوجد بين الجالية الصومالية عدد من الدعاة والعلماء الذين يستطيعون سدَّ هذا الفراغ المصطنع من قبل بعض القائمين على المساجد ، كما يمكن صرف هذه المصاريف في مجالات أكثر فائدة للجالية.

ومن الغرائب التي لا يصدقها العقل أن منعت بعض إدارات المساجد ترجمة الخطبة الثانية من الجمعة إلى اللغة الصومالية مرة واحدة فقط في كل شهر ، في مسجد يمثل الحضور الصومالي أكثر من ٨٥٪ رجالا ونساء ، وهولاء يصعب عليهم فهم لغتي العربية والإنجليزية .

ولا يفهمنَّ أحد حطأً بأن المقال يراد منه إبعاد اللغة العربية عن الساحة الدعوية الصومالية كما يحب البعض ، ولكن المراد منه هو إعطاء كل لغة حقها وحصتها في مجالها .

وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، و الله من وراء القصد .

%d مدونون معجبون بهذه: