التحالف السلبي مع الحركيين

( جامع وفارح صديقان ، فارح طالب علم ، وليس له انتماء حركي ، بل يتعاون مع الجميع ، وأما جامع من مرتادي المساجد ، ينقل إلى صديقه ما يدور في الساحة من تساؤلات ، فجرى بينهما هذا الحوار )

قال جامع : يا شيخنا العزيز فارح ، أنت طالب علم ، يُحتاج إلى علمه ، ولكن أراك تتواري عن الأنظار ، وتظهر التواضع المذموم ، وتتحالف وتتعامل مع الخاسرين والمغمورين ، ومن ليس لهم جلبة ولا صياح في دنيا الناس، فهلا خرجتك من جحرك ، وأنهيت عزلتك ؛ لأن الأغيار يسيؤون الظنَّ بك ، ويشوهون سمعتك ، وينشرون عنك الأكاذيب ، لأجل الحيلولة بينك وبين الناس ، ليخلو لهم الجوّ ، كما قال طرفة بن العبد :

يا لك من قنبرة بـمعمر خلا  ***لك الجو فبيضي واصــفري

ونقري ما شئت أن تنقري *** قد ذهب الصياد عنك فابشري .

قال فارج : يا جامع ، كان عهدي بك بعيدا ، وكنت أقول في نفسي زميلك جامع قد تخلى عن تتبع ونقل الأفكار المعوجة ، ولم يعد يستمع إلى وكالة أنباء قيل وقال ، ولكن ظني بك خاب ، ولا زلت على ما كنت عليه من قبل ، فما تفسير هذه الألغاز التي سردتها كأنك تقرأ أخبار النشرة التاسعة مساء في استوديوهات الواق واق.

قال جامع : شيخنا فارح أقصد التواضع المذموم ما يفعله طلبة العلم الحقيقيون أمام الصعاليك ممن تزينوا بزي العلماء وأهل العلم ، فتصدروا في المجالس من غير تأهل لهم ، حتي ظنَّ الدهماء أن هؤلاء هم العلماء ، وأن غيرهم الأغيار .

أخي الشيخ فارح قولكم لست أهلا لهذا الموضوع ، يعطي انطباعا سيئا عنكم ، لو قلتم هذا الكلام أمام من يعرف قدر العلم ومكانته، ويفهم التواضع الحقيقي وأهميته لكنتم معذورين ومقدرين في تلك الحال ، ولكن عندما تقولون هذا الكلام أمام أنصاف طلبة العلم وباحثي الشهرة، ومروجي الإشاعات ، يتخذون هذا الكلام وسيلة وأداة للنيل بكم والإساءة إلى مقامكم ، وقد عجبت يا شيخي القصة التي سمعتها مباشرة من صاحبها ، حيث قال : كنت مدرسا في العلوم الشرعية في أحد مخيمات اللاجئين الصوماليين في دول الجوار ، وكان أحد تلامذتي سافر إلى المهجر ، وبعد سنوات كثيرة قد تمكنت من اللحاق به ، ووجدته عضوا في أحد المراكز الدعوية ، فلما رآني سألني إن كنت أستطيع تدريس المادة الفلانية ، فأبديت تواضعي عن تدريسها على الوجه المطلوب ، فإذا التلميذ النجيب ينقل إلى الإدارة الموقرة بأني جاهل مركب ، وبدورها وضعتني في خانة المرغوب عنهم .

 لماذا لا تصدون هذا الباب وتنزلون إلى الميدان ، قبل فوات الأوان .

قال فارح : أخي جامع ، هذا دين ، ولا يجوز أن يكون أداة للتنافس المذموم ، وما أسميته بالتواضع المذموم ليس الأمر كما قلت ، بل التواضع بين يدي طلبة العلم الشرعي أمر محمود ، وإنما التواضع المذموم هو ما يطلق عند أهل العلم المهانة كما يقول ابن القيم الجوزية في مدارج السالكين ( أمَّا المهانة: فهي الدَّناءة والخِسَّة، وبذل النَّفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السِّفَل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كلِّ حظٍّ لمن يرجو نيل حظِّه منه، فهذا كلُّه ضِعَةٌ لا تواضع، والله سبحانه يحبُّ التَّواضُع، ويبغض الضِّعَة والمهانة ) .

يا جامع من تواضع لله تعالى وتواضع للخلق وعرف حق العلم وأهله لا يضيره شيء ، وإن فاته شيء من حطام الدنيا ، والشهرة المصطنعة وصولجان المبهرج .

وأما طلبك للتصدر والنزول إلى الميدان ، فنحن موجودون بفضل الله تعالى ، ولكن لكل مدينة رجالها ودعاتها ، ومن حق العلم والعلماء الاحترام ووضع الثقة على كل طالب علم مهما كان مستواه العلمي ، وإتيان البيوت من أبوابها ، ومن زار بلدة أو دعي إليها أو استضافته إدارة المسجد ينبغي أولا أن يسأل عن طلبة العلم والقائمين على التدريس وإفادة الناس فيها ، وأن يقدر دورهم ويعلي مكانتهم حتى وإن كانوا في مرتبة أدنى في مستواهم العلمي ، فمن فعل غير ذلك فقد خالف طريق العلماء.

قال جامع : يا شيخنا العزيز ما زلت تتحدث عن الآداب والأخلاق المدونة في مقدمات الكتب العلمية ، وصفات طلاب العلم ، ولكن الأمر لم يعد كما كان ، فاليوم يأتي الشيخ والعلامة والداعية الكبير أو حتى من لم يثبت قدمه في أول طريق العلم إلى مسجد المدينة كأنه إمام زمانه؛ فلا يسأل عن إمام المسجد فضلا عن طلبة العلم الموجودين في المدينة ، وقد يستخدم عبارات لا تليق لكل من لا يروق له في مشربه .

ومما آلمني به يا شيخ فارح هو أن أحدهم امتدح أحد طلبة العلم الذين لا يحبون الظهور والتصدر أمام بعض الدعاة المشهورين ، فما كان من أحدهم إلا أن وجه نقدا لاذعا للممدوح به ، متهما إياه بما هو بريء منه ، فلما روجع في كلامه استمر في هذيانه .

يا شيخ فارح : الدنيا تغيرت ، فما كان ممكنا قبل سنوات لم يعد يصلح به اليوم ، والجهد الفردي وإن كان مقدرا ، ولكن العمل الجماعي أصبح اليوم من ضروريات الدعوة ، فقيد اسمك في إحدى الحركات ولو على سبيل المجاملة ، وتحالف مع الأقوياء من علية القوم ، حتى تنفتح أمامك الأبواب المغلقة ، وتخاطب الجماهير التي طالما حجزت عنها ، كما ينبغي لك الابتعاد والتخلص عن علاقاتك القديمة مع المغمورين والمرغوب عنهم الذين لا ينتظمون في صفوف المؤثرين والمنظرين في الحركات ؛ لأن البقاء معهم والحفاظ بهم ليس في مصلحتك؛ لأنهم لا يقدمون ولا يؤخرون ، بل يبقون حملا ثقيلا على كاهلك .

قال فارح : هذه نصيحة من لا يقيم وزنا ولا يعطي اعتبارا للقيم والأخلاق الفاضلة ، وليس هذا من صفات الدعاة والعلماء ، ومن رضي عنها فهو في سبيل الغواية .

قال جامع : يا فارح ما زلت تتحدث عن الأخلاق والمثل العليا ، وإعلاء شأن العلم والعلماء ، فقد ولىَّ زمان هذا ، فينبغي لك أن تفعل كما يفعل غيرك وإلا فابحث عن كوكب آخر تعيش فيه .

قال فارح : ماذا يفعل ويعمل الغير ؟.

قال جامع : إن كنت تريد أن يكون لك شأن في دنيا الناس ينبغي لك الاعتماد والتحالف مع الأقوياء وكبار القوم ؛ لأن فلانا من الناس بقي فترة غير قصيرة خارج الحلبة ، فلما عرف السِّر وتوطدَّت صلته مع الكبار أصبح اليوم محل حفاوة وترحيب ، وانفتحت الأبواب أمامه ، ولكن فلانا ( . ) لما رفض مسايرة الواقع وقبول المهانة في فترة ما ومجاملة القوم ، والتخلي عن تعبير رأيه في الشأن الدعوي ، أصبح منبوذا غير مرغوب في المحافل والملتقيات التي تأتمر بتوجيهات فضيلة الوالد التي تأتي ما وراء البحار .

إذن فاجمع أمرك وامدح كل من لقيته وابعث رسائل التهنئة والتوقير إلى المقام الأعلى ، ولا ينطق لسانك إلا بالشكر والامتنان لهم ، وصوِّب بكل أخطائهم ، وابحث المعاذير لكل تصرفاتهم ، وقدم قرابين الاعتذار مما لم تفعله ، من غير أن أضمن لك بأن الأمر سيعوذ إلى سابق أمره ، وأن القلوب ستصفوا مما أصابها .

قال فارح : هذا فراق بيني وبينك ، وما تنقله إلي أو تنصحه لي لا علاقة له بالخلق السوي ، وإنما هي أخلاق ضائعة ، يجب أن نَفر من هذا التحالف السلبي فرار الفريسة من الأسد .

%d مدونون معجبون بهذه: