الإعلام الصومالي.. الواقع والمأمول

الإعلام بصفة عامة أو وسائل الإعلام بصفة خاصة مرآة لواقعنا السياسي والثقافي والاجتماعي؛ فهي تعكس الصورة الحقيقية للحدث من دون رتوش أو تجميل أو تهذيب، واليوم نعيش في ظل ثورة إعلامية حقيقية..التقليدية منها والحديثة؛ فلم يعد لاحتكار الإعلام أي معنى؛ إذ بمقدور أي فرد نشر المادة الإعلامية من خلال هاتفه النقال إلى العالم بالصوت والصورة، انتهى المعسكر الشيوعي الذي كان يتبنى فكرة حجب الحقيقة عن الشعب؛ فموسكو التي كانت لا تعرف أيام حكم الحزب الشيوعي إلا جريدة برافدا؛ اليوم تعج بالجرائد، والصومال الذي كانت جريدة نجمة أكتوبر هي السائدة والوحيدة أيام الحزب الشيوعي التقدمي يصدر اليوم عشرات الجرائد الورقية منها أو الإلكترونية.

كما انتشرت بدورها إذاعات إف إم الخاصة في طول البلاد وعرضها؛ فلم يعد الفرد منا مجبرا على الاستماع إلى إذاعة مقديشو الوطنية، وأغاني فرقة وابري التي كانت تمجد القائد الملهم السيد (جالي) سياد بري صباحا ومساء، لقد فقد الإعلام الحكومي احتكاره للمعلومة، وخسر الرهان في ظل التنافس الشرس من القطاع الخاص، ولم يعد أغلب الجمهور يتابعه؛ فالجمهور لا يهمهم ذهاب الرئيس ومجيئه وعشائه واستقبالاته بقدر ما يهمهم الواقع المعيشي للمواطن البسيط والحالة والاقتصادية والتعليمية والوضع الاجتماعي للمجتمع، وبالتالي فلابد أن تتناول الوسائل الإعلام الموضوعات التي ترفع مستوي وعي الفرد وتحذر في نفس الوقت من أن ينزلقوا إلى براثن الجهل والإرهاب والتخلف بكافة أشكاله وصوره وتثقيفهم بالانتماء الوطني والديني.

الصحافة الإلكترونية هي السائدة اليوم في الصومال إعلاميا إلا أنني كمتابع أرى أن أغلبها دون المستوي المطلوب؛ فلا تهتم بالموضوعية والتحليل ولا تزود القارئ البسيط مادة علمية يمكن الاستفادة منها، وأكثرها تنشر نفس الخبر الذي تنشره الواحدة منها، ولا يتناول الكتاب بالنقد والتحليل للمواضيع التي تهم المواطن مثل الاقتصاد والسياسة والحالة الاجتماعية.

ولهم عذر في ذلك؛ إذ أن أغلب القائمين عليها من شباب المهجر في الدول الغربية وغير متخصصين في مجال الإعلام وغيره من التخصصات المطلوبة، بل أغلبهم من خريجي مقاهي السياسة أو ما يسمي بالعامية الصومالية (عراك الجالسين)، ومن الطرائف أن اغلب المواقع تحمل أسماء قرى وبلدات ترمز عادة إلى أنها تابعة للعشيرة الفلانية سياسيا.

وفي ظل غياب تشريعات حكومية تنظم العمل الصحفي استغل بعض ضعاف النفوس مواقعهم الإلكترونية باستخدامها للتشهير بالشخصيات العامة ورجال الأعمال والسياسيين والشركات وبث الدعايات عنهم بهدف ابتزازهم والمساومة معهم بالمال مما يشبه بالقرصنة البحرية.

كما أن بعضهم يعتمد على إثارة صحفية بكتابة خبر عريض ومثير، ثم ما أن تنقر حتى ترى صفحة بيضاء؛ وكأن الخبر لم يكن، مما يدل على عدم المهنية والتطفل على الصحافة، ناهيك عن التضليل الإعلامي والاصطياد في المياه العكرة؛ لإثارة البلبلة والفوضى. أما ذكر مصادر الخبر وتوثيقها فمهم جدا إلا أن عددا قليلا منهم يراعي ذلك ويتحقق من صحة الخبر وسلامة مصادره.

ومن الغريب أن بعض المواقع التابعة لحركة الشباب الإسلامية تبث سمومها من أمريكا من دون خوف أو وجل، مع العلم أن ما يبثونه يمكن تصنيفه بأنه تحريض بالقتل وتمجيد للتفجيرات والقتل الجماعي في الأسواق والمساجد وتسويقها كأنها عمليات بطولية جهادية؛ فهل القائمون على هذه المواقع يعملون كعملاء مزدوجين لحساب أمريكا ويضحكون على البسطاء في الحركة أم ماذا؟

لقد كنت في لندن أيام المحاكم الإسلامية، وتابعت فصول قضية حدثت هناك، وهي أن شابين أنشآ موقعا إلكترونيا، وسمياه الجهاد، وكان الموقع يروج لأفكار التطرف، وبعد فترة قصيرة من عمل الموقع اعتقلت الشرطة البريطانية الشابين في مدينة لستر، وأغلقت الموقع على الفور واستمرت محاكمتهما فترة بتهمة التحريض بالقتل ونشر أفكار متطرفة والكراهية، فكيف لنا أن نصدق استمرارية المواقع التابعة لحركة الشباب وعملها بكامل الحرية في أمريكا مع ما تبثه وتسوقه من مواد وصور خطيرة؟

الإعلام المرئي هو أيضا في المنافسة ويصارع من أجل البقاء؛ فقد اختفى كثير من القنوات التي ظهرت في الفترة الأخيرة؛ إلا أن الموجود ما زال يفتقد إلى برامج هادفة، وبحاجة إلى تطوير وتنويع للبرامج؛ كي يحصل على ثقة المشاهد، علما أن نسبة المتابعين لهذه القنوات لا بأس بها، وتعتبر لندن من العواصم الأكثر احتضانا لأغلب مراكز القنوات الصومالية.

في الدول المتقدمة الإعلام صناعة تدر على أصحابها ملايين دولارات، وتدار بالمهنية والحرفية العالية من قبل متخصصين؛ مما جعلها حسب تصنيفهم السلطة الرابعة التي تطيح بالحكومات أو تساهم في انتخابها، ولها تأثير في مراكز اتخاذ القرار ، وتتمتع بالمصداقية نوعا ما؛ مما جعلها موضع ثقة لدى القارئ والمشاهد، ويُصنَّف بعضها بصحف أو قنوات موالية وأخرى معارضة إلا أن القارئ أو المشاهد على قدر من الوعي والإدراك في قبول مصداقية الخبر من عدمه.

إن ما نأمله من الاعلاميين في الصومال أن يرتقوا إلى حد المسؤولية، وأن يساهموا مساهمة إيجابية في نشر الوعي لدى الفرد والمجتمع، وأن يهتموا بالمواضيع التي هي من صلب اهتمامنا، وأن يأخذوا دورهم الإيجابي في ترسيخ مبادئ الأخوة والوحدة بين أبناء المجتمع الصومالي، وأن يحاولوا جاهدين إزالة ترسبات الماضي وتراكمات الحرب الأهلية، وخلق الأرضية المناسبة للتفاهم والمصالحة وبناء ثقافة السلام في البلاد.

%d مدونون معجبون بهذه: