ولاية جوبالاند في جنوب الصومال [المخاض العسير والفساد المنتشر]

المقدمة

تكاثر الحديث وتصاعد أكثر فأكثر عن الفيدرالية في الصومال بصورة يندى لها جبين التاريخ خجلا، ولاقت قبولا نسبيا وإن كان الحماس أكثر لدى الساسة، ولكن يبدو أن الفيدرالية ستفتح بابا جديدا في صراع ليس سياسيا فحسب، بل هو عرقي تتحكم فيه المعتقدات القبلية التي ظل يتوارثها الناس ويتقاتلون من أجلها منذ أمد بعيد، وكلما حاول الشعب الصومالي طي صفحة من ذلك الإرث المشئوم فإن صفحة أخرى تنفتح تلقائيا.

 بالمثل مرت الصومال بحروب قبلية قادها زعماء حرب وتفشى العنف والقبلية على نحو لم تعرفه البلاد على مدى تاريخها الطويل إلا أن الشعب نسي أو تناسى، ولا يتذكر إلا حين يستثيره الزعماء السياسيون لتسويق برنامجهم وإحياء نعرات وجراحات لم يبرأ منها الشعب الذي يعاني منذ عقدين من حروب وهمية مبنية على أسس مصلحية قبلية في الظاهر ولكنها تنتهي بمصلحة أفراد لا يرحمون أحدا، وسيَان عندهم من كان من قبيلتهم الذين ضحوا معهم بكل شيء أو كان من قبيلة الخصم. وبدأت القبيلة تنهض من جديد وبدأت تكشر عن مخالبها وأنيابها وتستعيد قوتها وشراستها بعد أن كادت أن تصبح في ذمة التاريخ.

ومن هنا أردت أن أسطر ملاحظاتي عن إقليم زرته مرارا وتابعت سير العملية السياسية فيه وخاصة في فترة اختيار الممثلين في البرلمان، ألا وهو إقليم جوبالاند. وإن كان كلامي لن يعجب البعض ممن ينظر للمواضيع من زاوية ضيقة؛ فكلما سطرتَ أو انتقدت نظاما فأنت عدو لقبيلتهم، ويلصقونك بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه لا تعكس إلا أزمة الثقة بين مكونات الشعب الصومالي، ومهما يكن من أمر فما علينا سوى المحاولة في اعتماد الحقائق وإثبات صوابية رؤيتنا لا لإقناع المصابين بهستيريا القبلية بل لطرح وجهة نظر أخرى.

بداية المشروع

 يتكون الإقليم من ثلاث ولايات، هي جوبا الوسطى وجوبا السفلى وجدُو، ويحدها من الجنوب كينيا، ومن الغرب إثيوبيا، ومن الشرق المحيط الهندي، ومن الشمال محافظتا باي وبكول الصوماليتان، ويقدر عدد سكانها بحوالي 1.5 مليون، وفق تقديرات غير رسمية. و كانت فكرة مشروع جوبالاند من إبداعات بروفيسور غاندي وبمساندة كينية لتدريب 2500 جندي للخدمة في صفوف القوات المسلحة الصومالية، إلا أن هذه القوات هي قوات صومالية الانتماء كينية الهوى، والغرض من تشكيلها حماية الأمن القومي الكيني، وخير دليل على ذلك أنه عندما طلب الرئيس الصومالي السابق الشيخ شريف شيخ أحمد إعادة هذه القوات التي قامت كينيا بتدريبها إلى الصومال للقيام بمهمات عسكرية لتثبيت الأمن والاستقرار في العاصمة مقديشو كان الرد الكيني بالرفض بحجة أن هذه القوات حتى وإن كانت صومالية فإنها أنشئت لخدمة مصالح كينية وستبقى كذلك !

أهمية مدينة كيسمايو

 تحتل مدينة كيسمايو موقعا استراتيجيا فريداً مقارنة بالمدن الأخرى على مستوى الجمهورية، كما تعتبر المدينة الثالثة بعد مقديشو وهرجيسا من حيث الأهمية، وفيها ميناء، ومطار دوليين، بالإضافة إلى ما تتمتع به المحافظة من ثروة حيوانية هائلة، وخيرات طبيعية أخرى، وإلى جانب وجود مخزون هائل من البترول كما أشارت بعض الشركات، وهي منطقة ساحلية تتمتع بالثروة السمكية. وفوق هذا وذاك؛ فإنها تُعد من المناطق الصومالية الخصبة الصالحة للزراعة، ولأهميتها أصبحت منطقة متنازعة بين القبائل، وتطمح أيضا دول الجوار إلى استغلال هذه الثروة. وإن المدينة مرت بمراحل دامية مختلفة؛ إلا أنها لم تنعم يوما بسلام مستقر وراسخ، تمكن البعض الاستيلاء علي المدينة لفترة وجيزة ولكن لم ينعموا بالحفاظ على الاستمرارية والتربع على عرشها. واختلفت أسماء المليشيات المسيطرة وتنوعت أيدلوجياتهم إلا أن حركة الشباب هي أقوي قوة حكمت المدينة لفترة أطول من الآخرين، وأخيرا سقطت مدينة كيسمايو على أيدي القوات الكينية ومليشيات رأس كامبُوني في شهر أكتوبر عام 2012م، وظهر إلى العلن مساع حثيثة لتشكيل إدارة (جوبالاند)، وانطلاقا من ذلك أقيم في الثامن والعشرين من شهر فبراير 2013م في مدينة كيسمايو مؤتمر يرمي إلى تشكل إدارة (جوبالاند) برعاية الإدارة المؤقتة لمدينة كيسمايو، وبحضور أكثر من ألف شخص من سكان مناطق جوبا، وفي ظل أجواء مفعمة بالخلافات السياسية والإدارية والفكرية – بين مختلف الأطراف المسلحة التي تسعى إلى الاستحواذ والانفراد بالسلطة – فاز أحمد مدوبي برئاسة الولاية مع غياب تام لمنافسة حقيقية تخضع لنظام تصويتي محكم ومراقب دوليا؛ حيث كان الاقتراع برفع الأيدي، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

إشكالية القبيلة ومفهوم الدولة

 المجتمع الصومالي لم يدرك فكرة مفهوم الدولة وماهية الحكومة وماهية المواطنة، وتحليل هذه الإشكالية نعيدها إلى الماضي؛ حيث إن المجتمع الصومالي كان بدويا يترحل من البقعة الجافة إلى البقعة التي يجد فيها الكلأ والماء؛ لذلك لم يكن الفكر الصومالي يتجاوز الإبل، وعندما تحول إلى مجتمع مدني يمارس الديمقراطية كانت قفزة نوعية. أما القيادات السياسية فهم ينتمون إلى هذا المجتمع ويعانون من نفس الإشكالية في مفهوم الدولة، والقيادات الصومالية ليس لديها رؤية واضحة تجاه التنمية وتجاه تطوير النظام الحكومي.

 والعشائر الصومالية فقدت الثقة ببعضها البعض، وتشعر كلّ منها أنّها مستهدفة، ولا توجد ضمانات تضمن للجميع حق الوجود وحق الحياة على أرض هذا الإقليم إلا الإستقواء بالقبيلة، فقد جرت حروب أهلية شرسة، وعمليات تطهير وتهجير على أساس قبلي، وبعد مرور عقدين على تلك الأحداث لم يتعاف النّاس من تلك التّجربة المريرة، ولم تجتمع على جلسات صلح حقيقية تضمن الطمأنينة للجميع، ونظام جوبالاند جاء من هذه التركيبة، ويقوم منهجها على الاستقواء بالقبيلة، وعلى هذا الأساس شكل برلمانها المحلي الذي يفقد جل أعضائه الوطنية الحقيقية ناهيك عن مؤهلات أخرى، إلا أن من تراهم أنت أشرار وقتلة، هم أبطال في عيون قبائلهم، إلا أنهم مجرمون حقيقيون وإن اعتبرتهم قبائلهم أبطالاً، وقد لامست خلال زيارتي مفارقات شديدة ومحسوبية في كل الاتجاهات، والقاطنون هناك لا يجمعهم شيء إذا استثنينا الصفوف في المساجد، فمثلا تجد الشخص ولمجرد أنه ينتمي إلى القبيلة الفلانية تتفتح له آفاق لم يحلم بها مع أنها قد تكون الزيارة الأولى له للمدينة، وقبيلة الرئيس هي الآمرة وقولها هو الفصل، فهم الأغلبية في الجيش والشرطة والمخابرات، وكل من تسول له نفسه بالحديث عن حقه في السلطة والثروة يكون مصيره مجهولا، ولهذا أصبح انعدام الثقة بين القبائل القاطنة سمة ظاهرة، والنظام يحرم السكان من حقوقهم الإنسانية الأساسية، في الوقت الذي يقوم بدعم أبنائه ويجمع لهم الأموال لتحسين ظروف معيشتهم. الأمر الذي يزيد من ولاء أفراد القبيلة لقبيلتهم لشعورهم بالامتنان لهم فيكونون جاهزين لرد الجميل إذا طُلب منهم ذلك، معتقدين أن هذه مملكتهم، ولهذا يصبح ولاءهم للقبيلة لا للدولة. وإذا استمر الوضع بهذا الشكل فلا يمكن أن تستقر الأمور؛ لأن إبعاد بعض فئات المجتمع عن مراكز السلطة واتخاذ القرارات بسبب انتمائهم العرقي أو القبلي هو العامل الرئيسي لاندلاع النزاع بين أبناء الإقليم، وهذا يؤدي إلى توسيع الهوة بين المجتمع وإدامة النزاع وأسبابه. ولهذا كان على النظام على الأقل حفظا لماء الوجه محاربة كل سياسة تشجع التهميش و الإقصاء، و أن يشجع على التلاحم والتماسك الاجتماعي بين القبائل القاطنة، خاصة أن الفترة التي تلي النزاعات تعتبر الأواصر الاجتماعية والوطنية ضعيفة. كما أن استبعاد بعض فئات المجتمع من صياغة السياسات العامة يؤدي إلى تلاشي الثقة بين أبناء المنطقة، وستفشل عملية إعادة بناء حكومة محلية إذا استمر الأمر على ما هو عليه الآن.

شرعية الانتخابات الأخيرة

تساءل المتابعون بالتطورات الحاصلة في إدارة جوبا حينها من هو الفائز في الانتخابات الرئاسية التي تجري في إقليم جوبا؟ بغض النظر عن كونها شرعية أو غير شرعية، ورأى كثير من المحللين أن رئيس إدارة جوبا حاليا أحمد مدوبي هو المرشح الأكثر حظا والذي يتوقع فوزه في الانتخابات وبأغلبية ساحقة إن صح التعبير، نظرا لدوره في اختيار أعضاء برلمان جوبا الذين سيصوتون للمرشحين المتنافسين. إلا أنني أرى أنها كانت انتخابات شكلية وصورية ولم تكن إلا مسرحية هزلية للضحك على المواطن المسكين، ونتائجها كانت معروفة ومحسومة سلفا. وبالتالي فقد أعلن أحمد مدوبي رئيسا في وقت صوَت فيه البرلمان الصومالي الفيدرالي عدم شرعية برلمان إدارة جوبا، وسحب الشرعية منه وذلك بعد ازدياد الشكاوى التي كان يقدمها بعض سكان إدارة جوبا، ومعنى هذا أن الانتخابات الرئاسية غير شرعية؛ لأن الفرع للأصل ينسب.

 التحدي الأكبر

التحدي الأكبر الذي أمام نظام جوبالاند يتمثل في حركة الشباب المجاهدين؛ إذ لم تنجح القوات الكينية بجانب مليشيات أحمد مدوبي في بسط نفوذها في بقية مناطق الإقليم، ولا تزال حركة الشباب تدير مناطق إستراتيجية في إقليمي جوبا السفلى والوسطى. ونظرا لإدراك الحركة أنها تشكل التهديد الرئيسي لاستقرار الإقليم تتفادى الدخول في الحرب المباشر ضد القوة التي تعتبرها غازية، وبالتالي فإنها تكتفي بأسلوب نصب الكمائن والاغتيالات السرية، ومع ذلك فإن حركة الشباب – بحسب مصادر مطلعة – لا تزال تدير مدينة كيسمايو بطريقتها الخاصة عن بعد ؛ فتجمع الضرائب من شخصيات وشركات تجارية تماما كما كان الوضع أيام سيطرة الحركة على المدينة؛ ولكن هذه المرة يتم التواصل والتهديد عن بعد، وهذا هو واقع جدير بالدراسة والتحقيق؛ لأن حركة الشباب تمارس أدوارا مختلفة في جميع المدن التي كانت تسيطر عليها يوما ما؛ وقد صرح لي أحد التجار قائلا : نحن لا نزال ندفع الضرائب بشكل دوري وغير معلن؛ ومن لا يستجيب لطلبات الحركة يدفع ثمنا باهظا؛ فيكون عرضة للاستهداف المباشر وغير المباشر؛ ولذا تضطر معظم الشركات التجارية إدارة أوضاعها بطريقتها الخاصة؛ وذلك حفاظا على فروعها وقوافل بضائعها وكذا موظفيها في مختلف المناطق والقرى التي تتواجد فيها حركة الشباب وربما في غير تلك الأماكن. ويضاف إلى هذا التحدي إشكاليات كثيرة من بينها مقاربة وحسن تقدير تنوع التركيبة العشائرية في المنطقة، والعناية بالفئات المهمشة ؛ بالإضافة إلى ما ينبغي أن تقوم به الإدارة الجديدة فيما يخص بعلاقاتها مع النظام المركزي ودول الجوار، وما إلى ذلك من الجهود المطلوبة لتحسين صورتها وحسن توزيع السلطات والثروات واستشراف مستقبل مفعم بالعدالة والنزاهة بعيدا عن سياسات الاستبداد و الاستقواء بالخارج.

أما مسألة تدخل دول الجوار في جنوب الصومال لا يختلف اثنان في أن دول المنطقة لها أطماع مختلفة وتدخلها المباشر سواء كان عسكريا أو سياسيا له مبرراته وأهدافه، ومن ذلكم ما يلي :

التدخل الكيني : كانت فكرة التدخل الكيني علي الأراضي الصومالية أن يبعد خطورة الشباب عن أراضي كينيا، وخلق منطقة عازلة لمنع الهجمات ، وتشكيل منطقة ذات استقلال ذاتي توفر لكينيا الأموال والإمدادات ، وتأسيس جماعة مسلحة تعمل بالوكالة لصالحها ، ولهذا ظهرت أولى الصراعات بين الرئيس الصومالي آنذاك ودولة كينيا حين تعهدت الأخيرة للدولة الصومالية بأنها تقوم بتدريب جنود قوامها ألفين وخمسمائة جندي صومالي بغية إيجاد جيش صومالي يستطيع أن يتولى مهامه في بلده حسب التصريحات المعلنة من جانب الدولة الكينية. حينها استبشرت الدولة الصومالية بهذه الخطوة؛ حيث كانت إثيوبيا الدولة الأكثر حظا في تدريب القوات الصومالية، إلا أن الشعب الصومالي كان في حالة استياء بهذه العملية التدريبية وذلك في تشكيكه بنية إثيوبيا التي يعتبرها الشعب الصومالي دولة لها أهداف احتلالية للأراضي الصومالية.

 وبعد أن تم تدريب الجنود في كينيا طلب رئيس الصومال آنذاك شيخ شريف شيخ أحمد من الحكومة الكينية إرسال تلك الجنود إلى مقديشو التي كانت تشهد حالة أمنية خطيرة؛ حيث كان مقاتلو الشباب يسيطرون معظم أحياء العاصمة، ويتقدمون نحو القصر الرئاسي. اضطر الرئيس حينها بأن يطلب من كينيا إرسال تلك الجنود ليساعدوا في حربهم ضد حركة الشباب المجاهدين إلا أنه فوجئ بقرار كيني رافض لطلبه، وعللت كينيا بقرارها بأن هذا الأمر يشكل خطراً على أمنها القومي؛ مما أثار شكوكا عريضة حول أهداف كينيا بهذه الجنود، وبهذا تدخلت كينينا في الأراضي الصومالية بمرافقة قوات صومالية ، وطردت حركة الشباب من كيسمايو وفرضت سيطرتها علي المدينة إلا أن السيطرة على كيسمايو لا يعني التخلص من الأخطار الأمنية التي تواجهها كينيا. واتسمت سياسة كينيا بموالاة قبيلة ضد أخرى، وتوجيه تنديدات على بعض القبائل الصومالية القاطنة في المنطقة، ومساندة طرف ضد آخر في الحرب التي اندلعت في كيسمايو بعد تنصيب أحمد مدوبي بنفسه رئيسا للإقليم، وهذه سياسة تختلف تماما عن سياسة القوات الأفريقية لحفظ السلام التي تعتمد على حربها ضد حركة الشباب بقوتها الذاتية دون أن تستند إلى قوى قبيلة ضد أخرى، وهو مما أدى إلى أن يستنكر المتحدث الرسمي للقوات الأفريقية في الصومال آنذاك العقيد علي آدم حامد، سياسة كينيا في عملياتها العسكرية بجنوب الصومال. ويعرف القاصي والداني أن كينيا قد دعمت أفرادا بعينهم للوصول إلى رئاسة إقليم جوبالاند؛ ليصبحوا شركاء سياسيين لها ومنفذين لبرنامجها واستراتيجياتها في المنطقة.

التدخل الإثيوبي : عملية التدخل الإثيوبي في الصومال ليست وليدة اليوم وإنما كانت في أغسطس/آب 1996 حينما اجتاحت القوات الإثيوبية بلدة دولو ، وبلدة حواء من المناطق الحدودية بهدف ملاحقة أعضاء من جماعة الاتحاد الإسلامي. وفي مايو/أيار 1999 سيطرت قوات إثيوبية، بمساعدة من الفصائل الصومالية الموالية لإثيوبيا بلدة لوق في جنوب غرب الصومال على مقربة من الحدود مع إثيوبيا وكينيا، وتدخلت إثيوبيا إلى الصومال مرات عديدة تحت ذرائع مختلفة، مرة بتأييد ومساندة الحكومة الصومالية، ومرة بمحاربة الشباب لحفظ أمنها الداخلي، ومرة لدعم الجيش الصومالي، ومرة أخري ضمن القوات الإفريقية حتى احتلت أثيوبيا مقديشو عاصمة الصومال، بل إنها لم تقتصر فقط في التدخل العسكري وإنما تلعب دورا سياسيا معروفا ومشبوها، كما تقوم بتدريب القوات الصومالية في أراضيها بدعم من دول غربية تتقدمها أمريكا، ولكن مهما يكن من أمر لا يمكن لأثيوبيا أن تدعم يوما القوات الصومالية في التخلص من حركة “الشباب المجاهدين” بقدر ما تحاول إضعاف قدراتهم وزرع كتائب موالية لها في داخل الجيش، ومعروف أن التواجد الإثيوبي السياسي في جوبالاند له أهدافه واستراتيجياته، وأنها باشرت نفسها بتشكيل الإدارة للإقليم ، وأن هدفها الأهم هو إيجاد وطن بديل لحركة تحرير أوغادينيا المتمردة في إثيوبيا والمطالبة بانفصال الإقليم الصومالي عن إثيوبيا وإرجاعه للصومال الأم ، وهذا مما بدأت تظهر بوادره؛ لأن أحمد مدوبي نفسه من مواليد تلك الإقليم الصومالي في إيثوبيا .

الفساد المنتشر

الفساد في الإقليم ليس كالفساد في غيره ولا يشبه بقية الأنظمة الفيدرالية لا من حيث الكم والكيف، ولا من حيث الفاعل والعوامل؛ فالفساد في تلك المنطقة ما عاد حالة استثنائية إنما بات القاعدة، والفساد هناك لم يعد مخجلاً فقد بات مقننا؛ والذين يمارسونه لا يرمش لهم طرفٌ حياءً ، فالفساد يُمارس لذاته ويُمارس كسلاح في الحرب المحتدمة على الحكم.. رأيت أنه لا مكان للخبرات والشهادات العالية في مدينة كيسمايو، القبيلة هي مصدر القوة والنفوذ، والأولوية تكون دائماً لأبناء القبيلة المسيطرة . فإن كان الفرد أستاذاً في السياسة وبارعاً فيها ولكن لم تكن قبيلته ذات قوة واحترام فلا نصيب له، الأمر الذي فتح البرلمان لأشخاص غير جديرين به، وقد لا يفهمون معني البرلمان أو المهمة التي أسندت إليهم ، وكلامي هذا ليس من فراغ ولا دعاية رخيصة وإنما هو واقع عايشته وشاهدته بأم عيني، فالمظاهر الظاهرة للعيان من حياة البذخ والرفاهية لمسؤولي الإدارات المختلفة تغنينا عن رصد الأرقام وحساب الواردات والمصروفات، والتي تعدُّ من أشد المحرمات وخطا أحمر لا يمكن الاقتراب إليه، ويكفينا أن نعلم أن كل شيء يتعلق بالمال تحت الإشراف المباشر لمكتب الرئاسة المصون من الاختراق بتقنيات غاية في الإحكام بحسب روايات الاقتصاديين في المنطقة.

الخلاصة

من الصعوبة بمكان إيجاد حلول سحرية أو ربما أكثر عملية لمشكلة إقليم جوبالاند؛ فهي مشاكل معقدة شأنها شأن بقية الأقاليم والولايات الفيدرالية؛ وذلك لضبابية مواقف الفئات المتنفذة فيها؛ فإدارة ولاية جوبالاند تعيبها مواقفها وسياساتها العلنية والمبنية على الإقصاء والتهميش و الاستقواء بالقوات الكينية والتعامل معها كأوصياء على المنطقة؛ بحيث صارت هي الآمرة والناهية في كل شيء ؛ وذلك دون الحاجة إلى إخطار الحكومة الفيدرالية بتحركاتها ولا حتى الالتزام بتعليمات القيادة العليا لقوات الاتحاد الإفريقي في الصومال ( أميصوم ). ومع وجود هذا الوضع الذي يتذمر منه الساسة الصوماليون بمختلف مستوياتهم؛ فإن الكرة الآن في ملعب زعيم حركة رأس كامبوني السابق والرئيس السابق والجديد لولاية جوبالاند، والذي يعتبر على أنه شخصية تم فرضها أو بالأحرى فرض نفسه لما لديه من سلطة وعلاقات وإنجازات وفرص خلقها من أجل عودته إلى السلطة بعد عامين من العمل المتواصل كان فيها رئيسا مؤقتا لإدارة ولاية جوبا. أو كان جنديا مخلصا لكينيا وإثيوبيا كما يحب أن يسميه معارضوه. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو.. هل يمكن أن يؤسس رئيس ولاية جوبالاند في فترة ولايته الجديدة نظاما يشارك فيه جميع أطياف السكان، نظاما شفافا يوالي الحكومة المركزية بدون شروط، ويؤدي إلى نسيان الماضي الأليم والمخاض العسير..!

التوصيات :

  • عقد مؤتمر مصالحة حقيقية لسكان الإقليم برعاية من إدارة الإقليم ووجهاء العشائر ؛ وذلك بهدف لمِّ شمل الفرقاء ولتحقيق التآلف المنشود.
  • تكوين شرطة وجيش مكون من جميع أطياف المجتمع بشكل يؤدي إلى ثقة الجميع بقوات الأمن في المنطقة بعيدا عن المليشيات القبلية غير المنضبطة.
  • وضع دستور واضح يشارك بصياغته مثقفو المنطقة دون استثناء.
  • تقسيم السلطة والثروة بطريقة عادلة وبشكل يضمن للجميع حقوقهم الأساسية.
  • التركيز على الاندماج والتماسك والتلاحم الاجتماعي والمشاركة السياسية للفئات المستبعدة أو التي تشعر بأنها مهمشة سياسيا، على اعتبار أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لتخطي جميع العقبات في تلك المناطق؛ وفق قاعدة (حيث يوجد العدل والمصلحة فثم شرع الله).
  • ………………………………………………..

*** للاطلاع على الملف بصيغة بي دي إف اضغط على الرابط التالي :

http://alshahid.net/wp-content/uploads/2015/10/قضية-شهر-سبتمبر-2015….pdf

%d مدونون معجبون بهذه: