على خطى إبراهيم مشينا…

الحج شعيرة تسابقت لها الأمم الأخرى؛ ولكن كل حسب معتقد خاص به ، وهدف صنعه مع الاحتكاك الفكري للأرض وللمعتقد ، فمن الناس من حج على أساس سماوي إبراهيمي كالحاج المسيحي الذي حج إلى كنيسة القيامة، وكنيسة بيت لحم أو كالحاج اليهودي الذي وقف أمام الهيكل المزعوم حاجاً ، أو من انطلق وحج وفق رأي بشري “محض” كالذي خرج مشياً حافي الأقدام حاجاً إلى معابد بوذية في التبت، أو من غطس وحبس الأنفاس داخل نهر الجانج من الهندوس، أو من قصد المعبد الذهبي من السيخ، وكلها ما هي إلا محاولات بشرية لتهذيب وتربية النفس قد نتفق عليها أو نختلف فيها؛ ولكننا نتفق بأن الحج تجربة لا يمكن أن تُعوض ، وبأنها رحلة روحية لا تُنسى، ويفتخر بها كل شخص مسلم قصد الحج الإسلامي وسار على خطى إبراهيم عليه السلام واهتدى بنور الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام .

إن المبيت في مِنى هو أول خطوة يخطو بها الحاج ، بعد أن يتوشح بالبياض ويعقد النية ويجتاز الميقات، فنفسه تكون في غاية الحماس ، والجسد يتحرك بمنتهى الاستعداد ، فتواجده في منى والاقتراب من ” مسجد الخِيف” يبعث على الفرحة والبهجة وشعور لا يعادله أي شعور سعيد مر به الإنسان من قبل ، ترقب لذيذ لمناسك الحج القادمة ، وشوق مستميت لمناجاة الرب عز وجل ، وشعور بالاندماج والوحدة مع الكون ومع المكان ومع بقية الحجاج ، أجواء كلها جديدة لم يعتد عليها المسلم من قبل ، ينام في المخيمات وعلى الأرض ، ويشترك في المخيم الواحد مع عدد لا بأس به من الحجاج ، تتنافى معها خصوصية الفرد ، وتضيق فيها مساحة التصرف المنفرد ، فالأكل مشترك، وساعات النوم ليست في الحسبان؛ ومع ذلك يختلج في نفس الحاج سعادة يشعر بأنه محسود عليها .

تتسابق الأقدام إلى مشعر عرفة ، ويلوح في المكان مسجد نمرة ، وترن في الأسماع كلمات خير البرية ، من وصى وأوصى الخلق على الخلق وأشهد عليهم رب الخلق ، الساعات في نهار عرفة تمر بلمحة بصر ، ويقترب موعد النفير إلى المزدلفة ، وتسمع مع غروب الشمس صوت المدافع إيذاناً بالتحرك وترك المكان ، تنهمل الدموع حزناً على مفارقة المشعر، وتارة أخرى تنهمل الدموع فرحاً وعزة عند سماع صوت ملايين الحجاج وبنَفس واحدة وهي تلبي “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك .. إن الحمد والنعمة لك والمُلك لا شريك لك”

الليل في المزدلفة قصير ، ورغم تواجد الملايين الحجاج فيه فهو هادئ ، يغشى المكان السكينة والراحة ، وينزل الله عز وجل النعاس على عيون الحجاج أمنة ورحمة ، يغالبهم النوم مرة ويغالبوه مرات، ويأبون أن يكون النوم العدو الذي يحارب طاعتهم وعباداتهم ، وفي منتصف الليل يُؤذن للرحيل؛ لاستقبال يوم الحج الكبر بقليل من جمرات ترمى، وكثير من عبرات تُسكب في جنبات الحرم المكي ، ويعمد الحاج إلى إتمام حجه بالإفاضة ، وذبح الأضحية ، وتقصير أو حلْق ، وتحلل من الأبيض، والإنفراد بالله عز وجل في أيام التشريق ولسان حاله يقول يا ربنا لك لبينا و دعوتك أجبنا ، وعلى خطى إبراهيم مشينا ، وعلى نسك الحبيب سرنا ، ومن بركة زمزم شربنا ، وفي المسعى سعينا ، يا ربنا تقبل منا ، وإلى طهارة الأطفال أرجعنا، وأشملنا بالمغفرة مع إخوتنا الذين غابوا عنا بأجسامهم وأرفقتنا أرواحهم ودعواتهم بفضلك وجودك علينا. وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.

%d مدونون معجبون بهذه: