مدرسة الحج

لم تنقطع قوافل الحجاج تفد إلى مكة المكرمة مند أن أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بإعلان الحج والأذان به؛ فكانت القلوب تهوي إلى هذه البقعة الطاهرة، وكانت العرب في الجاهلية يفدون إلى الحج كل سنة، ويمارسون أغلب المناسك التي نمارسها اليوم، ويلبون نفس التلبية مع زيادة شركية كانوا يضيفون إليها إلى أن جاء الإسلام وجعل الحج واحدا من الأركان الخمسة التي هي أساس الدين.

فالحج ركن الخامس من أركان الإسلام، ويتميز عن غيره من الأركان أنه الركن الشامل والفريد في نفس الوقت؛ فهو عبادة بدنية مثل الصلاة والصوم وعبادة مالية للمقتدرين مثل الزكاة كما أنه لب التوحيد إذ التلبية هي إقرار بالقبول بوحدانيته، ويتميز الحج عن غيره من العبادات بأنه يشمل قدسية الزمان والمكان؛ فقدسية الزمان تتمثل في العشر الأولى من ذي الحجة، الأيام الفاضلة التي يقع جل أعمال الحج فيها؛ فيوم التروية الثامن من ذي الحجة، ووقوف عرفة أفضل يوم تطلع فيه الشمس يوم التاسع، والحج الأكبر يوم العاشر منها، أما قدسية المكان فحرم الله وبيته العتيق والكعبة المشرفة.

الحج عبادة وسلوك حضاري وأخلاقي بالدرجة الأولى؛ فمثل الاهتمام الذي نوليه تعلّم أركانه وواجباته وسننه، لابد وأن نولي تطبيق أخلاقيات الإسلامية في الحج اهتماما أكبر. فالحج مدرسة نتعلم منها معاني الإخوة والمحبة والإيثار والوحدة بين الشعوب الإسلامية، وفي نفس الوقت يتبادل المسلمون الأخبار فيما بينهم من شتى أرجاء العالم، الحج مدرسة للصبر وتحمل المشاق في طاعة الله فليس مكانا للزحام والتدافع والتلاسن والتدابر ورفع الشعارات التي تفرق الأمة.

مبدأ لا جدال في الحج مبدأ يرسخ في أذهاننا المعاني السامية المطلوبة من الحاج فترة أدائه هذه الشعيرة مثل الصبر والحلم والكرم وجميع الخصال الحميدة؛ فالرسول صلي الله عليه وسلم جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وما الحج إلا اختبار حقيقي لمدى التزام المرء لهذه الأخلاق، وهذه الخصال الحميدة. سلوك الحاج جزء من عبادته؛ فلا يصدر منه إلا خيرا ، يصبر على أذى الناس ويتحملهم ويبادر لإسعاد الآخرين.

الحج مدرسة اليسر وليس مدرسة العسر، ومدرسة التخفيف عن الأمة وليس مدرسة التشدد والتنطع؛ فمبدأ افعل ولا حرج التي رسمها الرسول صلي الله عليه وسلم للتخفيف على الحجاج فيما لو قدموا نسكا على نسك في الترتيب رفقا بهم يدل على هذا المعني العظيم. الحج مدرسة المساواة بين الناس فالكل يلبس زيا واحدا لا فرق بين غني وفقير وبين حاكم ومحكوم وبين مدير وعامل يطوفون معا ويبيتون معا ويرمون معا ويبتهلون إلى الله معا في أيام معلومات. الحج ليس مدرسة الشغب والفوضى بل مدرسة الانضباط والنظام، وليس الحج مكانا لجشع التجار والمستغلين لهذا الموسم برفع الأسعار مرتين في كل شيء بل هو ميدان يتسابق المؤمنون في خدمة ضيوف الرحمن.

يوم عرفة ما أعظمك من يومٍ ، يومٌ اكتسى صعيدك وسهلك وجبلك(جبل الرحمة) لونا ابيض ناصع البياض كاللبن والناس في صعيد واحد مبتهلين إلى الله بالدعاء والتضرع راجين عفوه ورحمته، ويباهي الله ملائكته بهذا المشهد العظيم وبعباده الذين جاءوا من أصقاع الدنيا ملبين أمره ، منظر يفرح المؤمنين ويحزن الشياطين ويصغرهم ويجعلهم يختفون إلى جحرهم وهم يجرون الذل والصغار، وسيختفي معهم كل مزايد على إيمان الناس واعتقادهم الذين يصنفون الناس أصنافا ويكفرونهم في مهمة لم يوكل لهم أحد؛ فلنترك العباد لخالقهم ولا نزايد على رحمته وعفوه فهو سبحانه وتعالى يضع رحمته حيثما شاء متى ما شاء، وقد روى مسلم في صحيحه : عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « حدث أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى على أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك. فرحمته سبحانه وتعالى أوسع مما يتصوره البعض من أنها لا تسع إلا من يحمل فكرهم ويمشي على نمطهم وما أقلهم !

لا تزال خطبة الوداع حاضرة بيننا نتذكر كل مناسبة حج وتحديدا يوم عرفة مع ما تحمله من معاني سامية وما أرسته من قواعد حكيمة نختصرها في أمرين :

  • طمس معالم الجاهلية.
  • إرساء مبادئ الأخوة الإسلامية والاحترام بين المسلم وأخيه المسلم مع وضع خطوط حمراء لدم المسلم وماله وعرضه فلا يحق لأحد تجاوز هذا الخط الأحمر تحت أي دعاوى واهية ومبررات باطلة، ما أحوجنا اليوم إلى تطبيق هذه الخطبة وإلى فهم معانيها فهما صحيحا لا لبس فيه ولا تحريف وتدليس.

الحج مدرسة يتخرج منه الحاج إما ناجحا فحجه مبرور وعمله مقبول وسعيه مشكور أو فاشلا فحجه مردود عليه ولم يستفد إلا نصبا وتعبا.

وأخيرا نسأل المولي عز وجل أن يتقبل الذين ماتوا في الحرم في حادثة الرافعة شهداء ويغمرهم برحمته وعفوه ويلهم أهلهم بالصبر والسلوان، وان يتقبل من الحجاج حجهم وسعيهم ويغفر لهم ويسهل لهم أن يرجعوا إلى أهلهم سالمين غانمين.

%d مدونون معجبون بهذه: