أزمة الصومال الأخلاقية [2]

الله لم يخلق شرا محضا، فكل شر يشوبها خير، وكل بلية ورائها حكمة، قد تُقطع يدُ المريض ويتألم، ويَفقد أحدَ أعضائه، ولكن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأنه لو لم تُقطع يده لسرى الورم بجميع كيانه، وقد يتجرع المريض أدوية مرة المذاق، وقد يحسو علقما من الأقراص، لكن المصلحة تفرض ذلك؛ لأنه يرجو وراء ذلك صحة وشفاء، و نبي الله خضر حَزَّ رأس صبي وموسى تَبَرَّم عن ذلك؛ لأن الحكمة وراء ذلك غابت عن علمه، ولو أدرك هذه الحكمة لسبق إلى قتله من خضر، وقد نكره شيئاً وهو خير محض لنا، وقد نحب شيئا وهو شر لنا؛ ولذلك قالوا قديما” رب ضارة نافعة” وعليه فإن نزوح الصوماليين إلى الغرب لم يكن شرا محضا بل تضمن جوانب مضيئة، ومصالح جمة أجملها في النقاط التالية:

أولا: لا يخفى على أحد على أن الله قد أنقذ شريحة واسعة من الشعب بيد هؤلاء المهاجرين إلى الغرب، فكم أسرة قاموا إلى إعالتها، وكم يتيم كفلوا مستقبله، وكم محتاج تفانوا لمساعدته، وكم كوارث أسعفوا المنكوبين فيها، وكل هذا أوضح من الشمس في رابعة النهار، وهذه الميزة تميز بها الشعب الصومالي، لأننا اختلطنا بشعوب كثيرة مرت مثل ظروفنا فلم نر منهم سخاء مثل سخاء الصوماليين، ولا نجدة مثل نجدتهم، فنظام الحوالات الذي اخترعوه أبهر العالم؛ إذ صار أسرع وأجدر من البنوك العالمية الضخمة، إلا أن الشيء إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضده، فقد صاحب هذه الحسنات هنات وعاهات، من بينها:

  • أن عرض الصوماليين صار من أرخص الأعراض، وأن بناتنا ونسائنا يَجُبن في العالم من طوله وعرضه، وهن لحم على وضم، وكلأ مباح لكل راغب ، والحوادث المؤلمة في صحراء ليبيا، وفي معتقلات أوربا الشرقية، وفي معسكرات إغريقيا لهو مما يندى له الجبين، ويتغزز القلم لتقييده، لقد وجدنا رجلا يزوج زوجته رجلا آخر ليهرَّبها، وآخر يتزوج أمه أو أخته.. لقد وقفنا على قصص مؤلمة وديوثات يتحير لها اللبيب، وقد اشتهر عند أهل النخوة المثل السائر ” قد تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها” وأجدادنا قالوا” هَدَاْدْ طِمَنَيْسُ طَرِيْرْكَ وَاْ لَيْسْكَ طَوْرَاْ” سألتُ أحدَ المهربين لماذا قيمة تهريب البنات أغلى من قيمة البنين ؟ فأجاب لأن البنت إذا حلت عصا الترحال في أوروبا أنفع من الابن! ولذلك تمزقت وتشردت أسر كثيرة لأجل اختلاف مصلحة الأسرة ومصلحة أهل الزوجة؛ لأن الزوجة في هذه الحال سفيرة لأهلها لا ربة بيت زوجها.وقفنا على حوادث كثيرة في هذا المضمار يطول سردها لكن قصةً تلك البنت تكفيني كمثال: أنعمها ربها ببعل صالح وكانت تعيل والدها بمبلغ شهري، إلا أن العلاقة بين الزوجين تأزمت بسبب تدخلات خارجية وانتهت بالطلاق، ثم انفردت المرأة بإدارة البيت وضاعفت مشاهرة الوالد، ثم انتبهت الزوجة لخطئها، وأن صغارها في أزمة حادة، فتصالحت مع زوجها وأعادت الماء إلى مجراه، وأعادت مشاهرة والدها إلى ما كان قبل فراق زوجها، إلا أن والدها هاج غضبا وحنقا، وعندما سألها عن سبب خصم بعض إتاواته، صارحت معه الحقيقة بأنها عادت إلى زوجها، ولملمت شتات أسرتها. فقال لها والدها: يا بنتي إذا تريدين مني دعاء تفلحين به في الدنيا والآخرة فطلقي هذا الزوج فإنه لا ينفعك!
  • صعوبة عودة الأسرة المغتربة إلى أرض الأم، فإذا أقنع الزوج حليلته للعودة فإنها تقدم رجلا وتؤخر أخرى؛ لأن قرارها ليس في يدها، إذ لابد أن توافق ذلك أسرتها التي تعليها؛ لأن عودتها يعني قطع مشاهراتهم، وهو ما يزعجهم. عادت أسرة من أوروبا إلى الوطن إلا أن الأقارب رحبوهم بالشتائم والتذمر، لماذا عدتم؟ هذا الوقت ليس بمناسب! أمن البلد متدهور! التعليم رديء!… لكن الأسرة صممت على قرارها، فلما جن الليل فإذا وابل من الرصاص تغمر في سماء مسكنهم، ولا يعرفون سببا لذلك، إلا أنهم اكتشفوا في آخر المطاف أنها خطة ومكيدة تولها أقاربهم ليعيدوهم إلى حيث أتوا.

ثانيا: أثروا الشعوب التي سكنوا معها، فأنقذ الله بأيديهم عددا لا باس به من النار، إذ أسلم بسبهم شريحة عريضة من الأمم، وشجعوا آخرين للعمل بدينهم بعدما ضعفوا عن إسلامهم، كانت إحدى الأخوات تقول : ” ما كنا نتجرأ أن ننزل إلى الشارع ونحن مجلببات حتى جاءت الصوماليات، ومارسن الحياة العامة بجلبابهن فشجعنا ذلك” وكان أحد الدعاة الذي تعوّد بزيارة أوروبا يقول ” الصوماليات رسل أرسلها الله إلى أوروبا”. وقصة فاطمة في أمريكا مشهورة خلاصتها، أن فاطمة بعد النزوح إلى أمريكا سكنت في قرية نائية، وكانت أول مجلببة وضعت قدمها في هذه القرية، فدخلت بنكا لتقضي بعض حاجاتها منه، فلما رآها العمال ظنوا أنها لص ملثم فاتصلوا بالشرطة على عجلة، فلما وصلت الشرطة في المنطقة وبحثوا القضية رأوا أنها بمجرد امرأة محجبة. وفي يوم آخر دخلت فاطمة في مكان آخر فاتصلوا بالشرطة كالعادة إلا أن الشرطة طلبوا من الجهة التي اتصلت بها، بوصف الشخص بطوله وبلون ملابسه، قالوا ” لا تراعوا إنها فاطمة” وهذه الفضيلة تناقضها صور قاتمة، هذه جارتي عندما وصلت إلى البلد كانت حافظة القرآن الكريم، وفي سنواتها الأولى كانت تدرس القرآن لنساء حارتنا، إلا أنها بدأت تتغير تدريجيا، فهي تمشي الآن في الشوارع شبه عارية يتصاعد من فمها دخان السيجارة. فنسأل الله السلامة.

2 تعليقان

  1. شكرا لك الأستاذة الفاضلة فاطمة على تعليقك..

  2. شكر لك أستاذي و اسمح لي على هذه كلمة هي ليست أزمة أخلاقية بقدر ماهي أزمة واقع مضطرب انا لا ابرر لبعض الأخطاء ولكن اتفهمها واعتبرها حالات طارئة على الشعب الصومالي وليس متأصلة في فكر وفلسفة الانسان الصومالي وانها – بإذن الله – تنتهي وتكون إلى زوال بمجرد زوال الأسباب التي دفعت على ظهورها. وشكر لك مرة اخرى.

%d مدونون معجبون بهذه: