أزمة الصومال الأخلاقية [1]

كما هو معروف يتأثر الإنسان بالمحيط الذي يعيش فيه، و يتفاعل بالبيئة التي يسكن فيها سلبا أو إيجابا، وقد قيل قديما “الإنسان مدني بطبعه” فإن كان المحيط صالحا وأهله لهم عادات طيبة فمجاورهم يقتبس شيئا من صلاحهم، ويتأثر بهم إيجابيا، إذ “البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه” وهذه الحقيقة هي التي أدركها ذلك الرجل العالم عندما نصح لذلك الرجل الذي أباد عددا كثيرا من الناس، ثم أراد أن يغير حاله، ويستقيم سلوكه، فقال له العالم ” ارتحل عن أرضك هذه فإنها أرض سوء” فالأرض لا توصف بأنها أرض سيئة إلا حين كان سكانها سيئين أخلاقا واعتقادا، فشعب سامح لشخص أن يقترف هذه الجريمة البشعة بين أظهره ولم يحرك ساكنا لهو شعب سيئ قاسي القلب، فاقد الرحمة، عديم الإنسانية ؛ فلذلك يستحق أن يرتحل عنه، ويبتعد منه، إلى أرض فلانة فإنها أرض صالحة؛ لأن سكانها لا يقرون الظلم، ولا يداهنون ظالما.

و عدد كبير من الصوماليين عندما ارتحلوا عن البيئة القاتلة، القاطعة أرحامها، المعتدية على جيرانها، الناهبة ملك غيرها، ما كان عليهم ضير؛ لأنهم لم يجدوا من الغبراء أرضا تحتضنهم غير الغربيين، الذين أظهروا بكل جدارة ” أنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وأمنعهم من ظلم الملوك ” كما ورد ذلك في صحيح مسلم. وديننا يأمرنا أن نشكر من أحسن إلينا معروفا، لقوله صلى الله عليه وسلم ” من لم يشكر الناس لا يشكر الله” وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر ” من أحسن إليكم معروفا فكافئوه. ..” وديننا يأمرنا بالعدل حتى للخصم لقوله تعالى ” ولا يجرمنكم- لا يحملنكم -شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا “

فالصوماليون عندما وضعوا عصا الترحال في المحيط الغربي في التسعينات جاوروا مع شعب يختلف معهم، عقيدة وأخلاقا، فخالطوه في مدارسهم، وفي أماكن أعمالهم، وفي مستشفياتهم، وفي مطاعمهم، وتأثروا نمط حياته، بل طريقة تفكيره، والضعيف يتبع، والقوي يقود، والكثير يؤثر، والقليل يتأثر إن لم يذب ويختف تماما.

وأجدادنا قالوا قديما ” ِمْيلْ إِنْطَهَ لَغَلَأْيَهَيْ هَدَاْدْ تَكْتِتْ وَاْلَيْسْ إِنْطَتِرَىْ ” إذا سكنتَ مع العميان فتَعَام” وإن كنت لا أوافق مع هذا المثل بل يجب إذا سكنَّا مع العميان أن نحدَّ أبصارَنَا، وأن نبصر الحقائق كما هي لا أن نتعامى. وبما أن جل الدول الغربية وشعوبِها ملحدة، وأن قوانينها تنص على ذلك، وغالبا ما يكون ذلك النص في مستهل دستور الدولة، فيُلزم ذلك النصُ على وزارة التربية وكوادرها المختلفة، ووسائل الإعلام المقروء والمسموع والمشاهد أن يحقق هذا الهدف، وأن يُكِّون جيلا ملحدا يتناغم مع الهدف العام للدولة، وعليه؛ فإن عددا غفيرا من جميع شرائح الصوماليين الذين سكنوا في هذه البلاد أصيبوا من الصميم عن الشبهة أعني الإلحاد، خاصة الذين لم تكن لديهم حصانة علمية وعقدية، وحضارة ومدنية، وهذا الولد الذي التقيته قبل عشر سنوات في مدينة ” شِيَن” “النرويجية” فهو مثال لهذه الفئة، وكان لحم الخنزير ملآ في ثلاجته، وعندما حاولنا إقناعه قال لنا” أنتم عنصريون لماذا تحرمون لحوم بعض الحيوانات وتبيحون بعضا آخر؟”.

وهناك فئة أخرى: اعتنقت النصرانية لأجل الشبهات التي تثار ضد الإسلام، وهذه البنت ” التي درست معي المدرسة ثم انسلخت عن الإسلام وتنصرت، وصارت تهرف بما لا تعلم، وتطعن الإسلام والمسلمين، وتغري الغرب على المسلمين هي مثال لهذه الفئة الثانية.

وهناك فئة ثالثة – تشيَّعت وولوت وجهها نحو إيران، فعادت السنَّة، ويتسبِّح بشتم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين،

وتضرب أخماسا بأسداس، وتعوي عواء وهميا لإثارة الفتن. هذه الفئات الثلاثة وغيرها لا شك أنهم سيؤثرون مستقبل الأجيال القادمة في بلادنا، فالصومال لن تكون مثل الصومال قبل الحرب الأهلية، وإنما ستكون لها أخلاق أخر، وعقيدة أخرى، وستحل مكان القبيلة العرقية قبليةُ عقدية، ثم هذه الفئات العقدية والأيدلوجية ستكون سببا لتدخل دول الجوار وغيرها في شئون الداخلية للدولة الصومالية، بحجة دفاع عن حقوق الأقليات. هذه الدولة تدّعي بدفاع حقوق الأقلية الملحدة، وهذه تزعم بالدفاع عن الأقلية النصرانية، وهذه الدولة تذرع كأعذار للتدخل بحماية حقوق الشواذ من اللوطيين والسحاقيات… هذه بعض الجوانب القاتمة في مستقبل أولادنا والأجيال القادمة.

وهناك جوانب مشرقة تخالف هذه الجوانب سأتناول بعضا منها في الحلقة القادمة بإذن الله.

تعليق واحد

  1. هناك مئات من المقالات والأشرطة المرئية والمسموعة من الدعاة الصوماليين التي تتحدث عن الأخلاق والقيم واحترام الآخر ونبذ القبلية والحزبية ومعاملة الناس بحسب الدين والعلم ، ولكن لا تجد هذه الكلمات آذان صاغية لأن الواعظ لم يستطع مداواة نفسه قبل الكلام ، وهو متورط بهذه المساوي بشكل أو آخر، ماذا تنفع هذه المحاضرات اذا كانت تخالف واقع المتكلم .

%d مدونون معجبون بهذه: