جلسات المصارحة [3+4]

الجلسة الثالثة :

قال صاحبي : طالت بنا الجلسة بالأمس، ولكنَّها كانت مفيدة جدا استفدت منها دروسا فوق التصور، ولكن لما تحدثتَ شيئا من الإيجاز عن شخصية الشيخ أويس ، والمؤثرات التي أثرته في مجرى حياته، أحببتُ أن تنتقل إلى إنتاجه الشعري ، فتسلط عليه بعض الأضواء ، علنا نكتشف وراء ذلك مزيدا من مواقفه.

قلتُ: الأمر كما قلتَ ؛ لأن العوامل الشخصية تؤثر الشاعر تأثيرا كبيرا ، ليس بسلوكياته العملية، ولا بثوابته العقدية فحسب ، بل تلعب دورا بارزا في تكييف إنتاجه الأدبي، وإنشاد قصائده.، تماما هذا مما نلاحظ في قصائد أويس إذ لا تخرج عن نطاق قصائد الصوفية من التوسلات بالرجال وتعداد كراماتهم، ونظم أورادهم، والاستغاثة بالأولياء، والاستعانة بهم ، والتضرع والابتهال ، والتهليلات والصلوات ، وثناء الطريقة ورجالها. علاوة على ذلك فهو يسوق قصائده مظللة بظلال من الغموض في الفحوى والموضوع، وفي الدلالة والإيحاءات، كثير الخروج على القواعد النحوية والصرفية المتفق عليها، والأصول اللغوية الثابتة، والبحور العروضية، والأوزان وتقطيعها.، فلا يلتفت إلى قاعدة، ولا يبالي إلى منطق، ولا تحدُّه الأصول ، بله الفروع، فهو يلقي قصائده حرة طليقة، دون تردد أو وجل، ثائرا على الحجا مستخفا الألباب، فيأتي بأشعار ملحونة،وقصائد منبوذة، فيتعذر له النقاد : بأنَّه تلقاها هكذا من بحر النور(49).

وقد أزعج هذا الخروجُ وذلك اللحن الشيخَ ( عبد الرحمن بن عمر ) ومع أن الشيخ ( عمر بن عبد الرحمن ) ملك أزمَّة علم الآلة من النحو والصرف والعروض وزحافاته وعلله،إلاّ أنه بحبِّه الجامح للشيخ ، وتعصبه له يتردد بين ما تقتضيه تلك القواعد العلمية ، والأصول المستقرة، وبين خروج شيخه الصارخ على تلك الآلة ، فنرى وهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، فلا يجترئ أن يخطأ القواعد، ولا يستطيع أن يوجِّه سهام نقده إلى شيخه الذي انساب حبه في شريان دمه، وتغلغل تعظيمه في سويداء قلبه؛ فلا يجد سبيلا أمثل، ولا حلاَّ أنجع، من أن يغمض عينيه، ويستسلم لشيخه، سواء أخطأ أم أصاب، متعوذا بالله من معارضته (50)

وكأن لسان حاله – إن لم نقل لسان مقاله – يردد على القول المتواتر عند القوم: ( كن عند شيخك كالميِّت أمام غاسله ) ( من اعترض على شيخه طرد من رحمة الله ) ( ومن قال : لم ؟ لا يفلح ). لأن توجيه النقد للشيخ – عنده – كبيرة لا تغفر، ومصيبة لا تدان.

وأحيانا يتهرب ( الشيخ عبد الرحمن ) عن الواقع ويصب جام عتابه على نسَّاخ القصيدة ، وطلاب الشيخ (أويس) قائلا ” هذه القصيدة من ألفاظ الشيخ الناظم كما نظمه، ولعلَّ غيَّر الناسخون بعض الألفاظ ، لأن الشيخ إذا ألّف قصيدة نقلها منه بالتعجيل مائة تلميذ، أو أزيد أو أقلَّ…. ونحن لا ندري، فعلينا التسليم لكلام أهل الله تعالى نثرا ونظما (51). ولكن الشيخ ( عبد الرحمن ) أقام الحجة من نفسه على نفسه، من حيث يدري أو لا يدري، وتناقض تناقضا ظاهرا، إذ لا يمكن أن يتفق مائة ناسخ على التغيير و التحريف، خاصة إذا نسخوا القصيدة فورا كما أفادنا الشيخ! إذاً ليست آفة القصائد روّاتها وإنما آفتها منشدها!.ولذا نرى الشيخ (عبد الرحمن ) لا يطمئنُّ بتعليلاته وإنما يكثر الافتراضات تنصلا عن الورطة، فيقول في موضع آخر: ” وما رأيتم من قصائد الشيخ خلاف تقطيع العروض فهو نثر مشبَّه بالنظم “(52)

ويجيب عنه أحيانا آخر ” بأنه ( أويس ) يقصد المعاني لا الحروف “(53) وطورا يعتذر له بلسان بعض ” أنه تشرق له أنوار فيستقيم، ثم تنطفئ عنه فيلحن” (54). ثم يعيد الكرة فيقول : ” ينظم الشيخ فيجيد، ثم ينجذب فيأتي بما يخالف نظم أهل العروض في تقطيع الأوزان “(55) ومهما قلنا فإن تجاوزات أويس لم تقف عند هذا الحدِّ بل أطلت على الذوق والفهم السديد، فجاء بما يشبه هذيان الصبيان، وتمتمات السكارى، واضطرابات الحيارى مما صار غصة في حلقوم أتباعه والمتعصبين له، فأعيتهم الأجوبة المقنعة إلّا أن قالوا : ” الألفاظ المؤلفات وسيلة وليست مقصودة بذاتها بعضها لها معنى نفهمها و بعضها له معنى يفهمه الشيخ وحده ولا نفهمه “(56 ) و الشيخ عبد الرحمن يطمئننا بلا طائل لألفاظ غامضة المعنى ، مفككة النسق، مهلهلة النسيج، فائلا: يا أخي فاسترح بألفاظها ( القصيدة ) وحدها , فهمت المعنى أم لم تفهم، فإنَّ بعض ألفاظ الشيخ وراء عقولنا (57) ترى هل نستريح بطلاسم لا نفهما ! أم بكلام لا نعقله؟!. فهل المطلوب منا أن ننسلخ عن عقولنا وحواسينا كانسلاخ الحية عن جلدها، وهل المراد منا أن نكون مثل الببغاء تتلقف ما يرمى إليها من الكلام، بدون تمحيص أو غربلة، بل بلا دراية أو وعي.

ثم لا نحتاج ضرب أمثال لما ذكرناه من التجاوزات اللغوية، والألحان الأسلوبية، إذ أمرها أوضح من أن يكلف القارئ على نفسه جهودا مضنية حتى يقف عليها، فأمرها جلي بسيط، يدركها المبتدئ بالقواعد – النحوية والصرفية والعروضية – فضلا عن العلماء وطلاب العلم ، أنظر إلى هذه الأبيات :

 أويس كان سكران

وفارق هذه الأديان …   إلى ملكو الصمدان

سعتُ ومشتُ بأقدام  …  عسى ينال رضوان(58)

ألا ترى كيف حذف حرف العلة من فعلي : سعى ومشى عند إسنادهما بضمير المتكلم ! وكان الصواب أن يقول: ــــ كما لا يخفى ـــ سعيتُ ومشيتُ ، ثم يا ترى ما هي الأديان التي خرج منها وكان معتنقا بها قبل سكرانه ؟.ولو تتبعنا أخطائه النحوية والصرفية، الواردة في قصائده لطال بنا الحديث، ولو توعّر بنا الطريق، وفيما أشرنا إليه كفاية.

الجلسة الرابعة:

قال رفيقي : في لقائنا الماضي أشبعت القول حول أشعار أويس واتجاهاتها ومثالبها، ولكن يا ترى هل جميع قصائده على نمط واحد؟

قلتُ : لا شك أن لأويس قصائدا سلسة عذبة، كما له بعض نثريات أدبية وكتابات رائعة التعبير، واضحة الأسلوب. وقد لعبت قصائده وأشعاره وأناشيده وكتاباته ـ مع ما فيها من العيوب ـ دورا لا يستهان به في تطوير الأدب العربي الصومالي، وإثراء مفرداته، وله فضل كبير ببقاء اللسان العربي المبين في المنطقة ، رغم محاولات الاستكبار وأذنابه لاستئصاله من المنطقة، وجعل الشعب الصومالي شعبا لا أرومة له بأصل عربي ولسان عربي.

ولقد قيض الله لمنطقتنا (الصومال) شعراء فحول. كمحمد بن عبد الله، والزيلعي، والصوفي، وأويس، والشيخ عبد الرحمن عمر العلي، وقاسم البراوي وغيرهم.

فعلينا إذا أردنا أن نستنهض العربية مرّة ثانية في مجتمعنا ونعرف أرومتنا الحقيقية، وأصولنا الثابتة ـ بعد ضياع قد طال وجهل قد ترسخ ـ أن ننطلق من هذه المرتكزات الراسخة، ونعيد الكرة من جديد معتمدين على الله، فلا إصغاء إلى المشاغبين والمشوشين، وهراء الثرثارين.

ومن أشعار أويس المختارة قصيدة ( حادية الأرواح ) وهي قوية السبك، فصيحة اللسان، سلسة العبارات، سهلة المعنى إلّا أنها محدودة المضمون، سطحية العمق، فقيرة الأفكار، ومحاورها الرئيسية كالتالي:

1ـ الصلاة على الرسول وآله وأصحابه ومن والاهم بحيث افتتح بها القصيدة واختتمها كذلك.

2ـ تخيل أن مسكا وريحانا يتصاعدان من قبر الحبيب محمد _ صلي الله عليه وسلم _ فعما البلاد البعيدة بله القريبة، وإن شم شخص هذا العبير يزداد حبا وانشراحا، وعليه يجب إكرام هذا القبر المودع فيه الحبيب والشبابيك المحيطة به.

3ـ مدح الرسول (ص) بأنه عفيف ماجد حي طري أكرم خلق الله على الاطلاق، وأنه فُضّل على الأنبياء والمرسلين منفردا بالنبوَّة الحقيقية، فهو جمال الوجود وزينة العباد حيث هداهم إلى سبيل الزهاد، فهو مصباح الدين، حليم الأخلاق صاحب الفضل الفيَّاض، وهو لأويس زاد وبلاغ.

4 ـ صلَّى الله عليه في كتابه العظيم، إذ لا يوجد شيء مثله، فهو شبيه الخلق شكلا لا حقيقة.

5ـ إليه أُرسل جبريل وعليه أُنزل الوحي.

6ـ نقرأ صفاته في كتاب الله وندونها بأنامل أصابعنا.

7ـ أويس غاص في بحر حب الرسول (ص) فهام وحار.

8ـ صلاة الله على رسوله مادام يهدر حمام فوق أغصان الأشجار.

9ـ وأختتم بقصيدتي بالصلاة على محمد الشافع للخلق عند ضياع العباد.

10ـ وأخصها آل الرسول وأصحابه وأتباعهم جميعا ما نطق ناطق.

هذه هي الأفكار الرئيسية للقصيدة ، وكما ترى لا جديد فيها، إذ لا تخلب الألباب، ولا تستهوي الأفهام. ولما تطرق إلى العبير والمسك والريحان المتصاعد من قبر الحبيب عثر محيطا خصبا للتخيلات وحبك روائع التشبيه، وتوليد معان خلَّابة، ونسج قلائد البلاغة، ولكنّه نكص على عقبيه محروما غرفة واحدة من هذا المحيط الهائج !! وله قدرة على طلاء الألفاظ الظاهرة، وتنميق العبارات الساذجة، ولكنه إذا تحدث عن المعاني تبلَّد حماره، ولجَّ به عثاره. هاك نص القصيدة:

صلاة الله ما نادى المنادي ******* على المختار مولانا الحماد

يفوح المسك والريحان حقا ******* لقبر محمد مولانا الحماد

يعم الآل جيران الحبيب ******* بعرف عبيره أهل البلاد

يطيب القلب حبا مستطيبا ******* إذا شمَّ بأنفه يا مرادي

وأكرم يا فتى قبر الحبيب ******* وشباك الذي فيه يا حمادي

عفيف ماجد حي طري ******* كريم القوم في كل أيادي

فاق الأنبياء والمرسلين******* تفرد بالنبوَّة بانفراد

طراز الكون زين للعباد ******* وهاديهم إلى طرق الزهاد

سراج الدين أوجى للمعالي ******* حليم فيضه كنزي وزادي

عليه الله صلى في كتاب ******* عظيم ذكره في كل هاد.

فلا شيء كمثله يا مرادي ******* ولي معنى يعارض بالوداد

شبيه جسم لا منا شبيه ******* بهي نوره لا من جساد

به جاء الأمين إليه يوما ******* وأهبطه بوحي والوعاد

وأرسله المهيمن ذو الجلال ******* إلى الثقلين آذانا إنسداد

به نتلوا صفاته في كتاب ******* ونكته بأنملة الأيادي

……………………………………………………………….

أويس هائم ذا مستهيم ******* لقد غاص إلى بحر الوداد

عليك الله صلى ما تغنى******* حمام فوق أغصان العواد

وأختم بالصلاة على محمد******* شفيع الخلق إذ ضيَّع العباد

وخصَّ الآل والأصحاب طرا ******* مع الأتباع ما نادى المنادي.(59)

الهوامش

………………………………………………..

– الجوهر 66 /49

– الجوهر 72/50

– الجوهر 7251

– الجوهر 13/52

– المصدر السابق.53

– جلاء 38/54

– الجوهر 12/55

– الجوهر50/56

ـ الجوهر57

ـ الجوهر 58

59 الجوهر 91/ 92

%d مدونون معجبون بهذه: