جثة الشامي.. تتكلم !

استيقظ العالم الحي على صورة طفل صامت ، فنطق الجميع بوقت واحد بكل الأصوات وبكل اللغات وبكل الكلمات؛ ولكن الوقت قد أزف ، والشامي لم يسمع ومات.

مات الطفل الكردي إيلان، وبعد موته لقننا درساً صعباً مؤلماً أجبرنا جميعاً أن نقف أمام جثته باكين، مصدومين، مستنكرين، متسائلين أين كنا حتى يموت ابن ثلاث سنوات هكذا ؟ أين كنا حتى يختار إيلان اللعب على ظهر الموج بقارب الموت تحت البرد القارس والجوع القاتل؟

وضعنا الشامي بموته أمام أصعب اختبار ، يختبر إنسانيتنا وحقيقة مفاهيم الإنسانية لدينا ، فوجد فينا خواء داخليا ، وفراغا إنسانيا ، وجهلا حقيقيا لمفاهيم حقوق الإنسان لدينا.

بموتك يا صغيري أطلقت سهماً نافذا اخترق عروبتنا ، عروبة تركتك عند ولادتك تعيساً ، وبعد ولادتك تائها، نستك بأنك حي موجود، فأغلقت العروبة في وجهك الأبواب، وبنت حولها الأسوار، ومسحت اسمك، ومحت عنوانك، وأدارت لك ظهرها ، ناديت أنت يا شامي؛ ولم يسمعك أحد ، لم يلتفت إليك أحد ، فظللت أنت خارج الباب واقفاً تنتظر، وأنت صاحب حق تأمل إحساناً، وأنت جائع وبردان ، في المخيمات نائم ، مشرداً ، ونحن داخل جدران نحكي حكايات بأنك كنت وكنت؛ ونسينا بأنك مازلت كائنا.

أن جسدك المسجى على شوطئ البحر؛ ما هو إلا فصل من فصول حكاية مأساوية برائحة الدم؛ بدأت قبل عدة أعوام، وكانت قد تصدرت شاشة التلفاز وكُتبت بالأقلام ، وتداولها المحللون، ونُوقشت في مختلف المجالس، ولكن ما أن طالت حتى خفَّ وهجُها، وقلَّ الاهتمام بها، ولم يبق منها إلا ذكراً يوميا لعدد القتلى، ومناشدات دولية لعلاج الجرحى، وإدانات تسمع من هنا وهناك لإبادة جماعية تُرتكب، وسلاح محرم يُستخدم، سمعنا في تلك الحكاية ما لم نسمع عنه في العصر الحديث، من وطن كامل مهاجر، وشعب في غمار البحر مغامر، وصغار من الجوع يموتون ، ونساء أصبحن سبايا، وأمهات ثكالى، ورجال بالآلاف ضحايا .

لو كان من الممكن أن تتكلم الجثث لتكلمت جثتك يا إيلان، وأسمعت من كان به صمم ، خاطبت الضمير بلغة صامته، فأشعلت فينا الغضب من أنفسنا، ودب الرعب في أوصالنا، وذرفت الدموع من أعِيننا ، وجفانا النوم ، وعاتبنا القوم ، كيف لصغير لبس أحلى حله يموت بهذه الطريقة القاسية وسط الأمواج ؟ ولكن ما حيلة ضمير توارى عن الإبصار خجلاً وضعفاً .

يا شام.. يا مهبط الوحي ، ومنبع الرسل ، يا أرض القديسين ، وبوابة المصلحين ، يا جنة الأرض ، وحديقة التين والزيتون وبركة الكون ، يا من كُتبت فيها الأشعار، وأُنزلت فيها الآيات ، سامحي عاشقاً لا حيلة له ، و غضي الطرف عن محارب منزوع سلاح، وأسمعي لساناً صادقاً وقلباً خاشعاً يدعو لرب مجيب الدعاء، يا رب هذي شامنا ليس لها إلا أنت وكفى بك ناصرا . أما هذه المأساة فهي البداية.. بداية مراجعة الضمير. ولعلها تكون نهاية لمأساة القرن في الشام.. ” أرض المحشر والمنشر “.. كما ثبت في الحديث الشريف.

تعليق واحد

  1. عبد الرحمن عيسى

    لقد أسمعت لو ناديت حيا **** ولكن لا حياة لمن تنادي
    فعلا هي مأساة يقشعر لها الإنسان وما خفي أعظم، لقد كانت سوريا الشام آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وكان السياح يتقاطرون من كل حدب وصوب، ولكن القصة انعكست وأصبح السوريون لاجئين على مائدة الكرام واللئام!!!
    لك الله يا دمشق الفيحا وحلب الشهباء وحمص النخوة لك الله يا شام

%d مدونون معجبون بهذه: