لا، لا تقرأوا هذه الرسالة !

لا تقرأوا …هذه الرسالة فهي لذلك الطفل الغريق الذي ألقاه اليم على رمال شاطئ لا يعرفه.

يحق للحروف أن تتوارى خجلا، ويحق للكلمات أن تختنق في الحنجرة، يحق أن تغمض العين فلا ترى شيئا، ويحق صمّ الأذان لئن لا تسمع صوتا.

ولكن لا نستطيع أن نكبح المشاعر، ولا أن نحجر على الدموع ولا أن نبتلع العبرات، فهي لا تكبح ولا يحجر عليها ولا تبتلع، فهي ما يفرقنا عن الحجر والشجر وباقي الجماد.

حاولت أن أغمض عيني فلا أرى ذلك الطفل الغريق الملقى على رمال الشاطئ، أحاول عدم التفكير به، أن لا أسمع صوته وهو يشرف بماء البحر يحاول الصراخ فلا يستطيع، حتى الصرخة حرموه منها. أحاول ألا أفكر في لحظات رعبه وهو ملقى في البحر، هل بحث عن يد تنقذه؟

هل بحث عن يد أمه أو أبيه؟

ألعن اليوم الذي خُلقت فيه من هذه الأمة، أمة تلقي بفلذات أكبادها إلى البحر، يبحثون عن مأوى أو مكان آمن لم تستطع هذه الأمة أن توفرها له.

لعنة الله على شرق باعه، وغرب تخلى عنه، وحاكم اشترى بثمنه كرسي، وحكومة ترسل السلاح لهذا الحاكم. ولعنة الله على دول وحكام وحكومات كان يمكنها إنقاذه ولم تعمل على ذلك. لعنة الله على أغنياء أمّة لم يمدوا له اليد حتى لا يغرق. ولعنة الله على حاكم نام ملئ جفنه وأمه تحمله إلى الموت.

لعنة الله علينا إن سكتنا ورضينا.

ليس المؤمن بطعان ولا لعان، ولكن أقول ألا لعنة الله على الظالمين، ومن في هذه الأمة من ليس بظالم؟ من حاكم ومحكوم. حاكم يستطيع ولم يفعل ومحكوم لم يستنكر، لعنة الله على أمة باعتك وذهبت لتنام.

لا أعرف اسمك ولكن فقط أذكر رسمك يا بني.

أذكر وجهك المختفي تحت الرمال، كأنك لا تريد أن ترى وجوهنا.

ذكر وجهك متوجه للبحر؛ لأنه خلصك منا.

أذكر حذائك المتجه لنا كأنك تصفعنا به وتقول: هذا ما تستحقونه.

أذكر صمتك؛ لأنك علمت أن لا أذن تسمع لك.

ويلاه، كيف أمحوا هذه الذكريات؟

اعذرني يا بني، فلا مال لدي ولا صوت يسمع.

لا أستطيع أن أقول يرحمك الله، فالله رحمك، ولكن أقول ليرحمنا الله، فكلنا قتلناك.

وذنبنا فيك لا تغسله البحار، ولا تزيله الرمال. وستبقى ذكراك وصمة عار في جبيننا جميعا.

وأظن أننا تعودنا على العار، اعتدنا على الذل والهوان.

وسنتعود من الآن على جثث أبنائنا ملقاة على الشواطئ

تعليق واحد

  1. لا تعليق. عبرت هما في داخلنا

%d مدونون معجبون بهذه: