جالكعيو بين الوحدة والتقسيم

مدينة جالكعيو ليست قبرص وأهل جالكعيو ليسو قبارصة الأتراك أو قبارصة اليونانيين بل جالكعيو كانت دوما تفتخر بتنوع أهلها؛ فالزهرة إنما هي جميلة بتنوع ألوانها، هذا الذي ميزها عن بقية مدن الصومال، وهو الذي جعلها في صدارة المدن, قالها المدرس المصري التابع للبعثة المصرية قديما، وهو يداعب طلابه.. “جالكعيو مدينة زراعية فقال أحد الطلاب مستغربا يا أستاذ ممكن أخطأت الاسم، رد عليه الأستاذ لا بل هي مدينة زراعية تنتج الرجال وغيرها تنتج الثمار والفواكه! كانت الشاحنات تصلنا من الجنوب محملة بالموز والمانجا والباباي وترجع إلى مقديشو محملة بالرجال إلا أن الوضع تغير نسبيا هذه الأيام؛ فالشاحنات تصلنا بعد الحرب الأهلية محملة بالفواكه والرجال الذين يبحثون عن فرص عمل أو الذين يستكملون رحلتهم إلى السعودية, هل يعقل أن تكون جالكعيو حاضرة محافظة المدج بوسط الصومال مقسمة إلى نصفين وإلى إدارتين تقسم الشعب إلى شعبين؟ هذا مالا يرضاه العاقل فالإسلام دعانا إلى الوحدة وجمع الكلمة وإلى الجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف.

لقد ولدنا وترعرعنا فيها حتى كملنا الثانوية، وكان أهل جالكعيو مثالا للوحدة والإخاء؛ فلم يكن ينقص حياتهم ويعكر صفوها إلا حكايات آكل لحوم البشر الساكن في قلب المدينة، وحروب دجر وباستا وأغلب الطن أنها كانت من نسج خيالهم أو كانت للاستهلاك المحلي، أما السيد قلفي الصحفي المتجول الذي كان ينتظر أهل جالكعيو بشغف كل صباح؛ فقد كان ينشر أخبارا يوميا لا تقل وزنا عن أخبار واشنطن بوست، كما أن السيد بادي كانت له حكم يُصغى إليها بتقدير, كنا نسبح جميعا في بحيرة يمييسكا وبحيرة عرجيفي ونلعب الكرة في أستاد يولكدود نهاية بَرَحْلَي سابقا (جلمودج حاليا) ونصلي الفجر في بعض الأحيان في مسجد عبدله وعوريره في أقصى برحلي، وكنا نتناول القهوة والشاي مع جموع المصلين؛ ذكريات الصبا كما قال الشاعر ابن الرومي: إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنو لذلك, حياة بسيطة وآمنه وأناس هنا وهناك، وأكثر أهل جالكعيو القدامى لهم بيوت في الجنوب والشمال؛ فقد كان لعائلتي بيتين بيت في الشمال وبيت في الجنوب (جلمدج حاليا) مثلا فندق عبدا لرحمن وهليه كان من أشهر فنادق جالكعيو في الشمال أمام إدارة العامة للشرطة وصاحبه من سكان جنوب المدينة، والمرحوم إسلان عبدله شيخ القبيلة من شمال المدينة كان بيته على ضفاف بَرَحْلَي(جلمدج حاليا) مجتمع متداخل وعوائل متصاهرة هذا ما لا يعرفه الكثير عن جالكعيو، ويتبادر إلى أذهانهم صورة أكثر قتامه عن المدينة.

 ستطل جالكعيو شوكة في حلق الفيدراليين ولو أستفتى أهل جالكعيو لاختاروا أن تكون مدينة موحدة بإدارة واحدة تماما مثلما كانت قديما ولطالبوا بترك مصيرها لأهلها الأصليين غير الدخلاء الذين يجيؤون من القرى والبادية مع ما يحملون معهم من بضائع فاسدة، والتي دائما كان زبونها السياسي الفاشل الذي يحب أن يتسلق إلى الكرسي بالضحك على هؤلاء البسطاء، ويعطيهم آمالا بأن ينزل القبيلة في جنة العدن ويحجز لهم أماكن فوق القمر مثل هؤلاء هم الذين خربوا البلد وليست جالكعيو فقط.

لا يحتاج الموضوع إلى حلول سحرية وإلى مبعوث دولي بل إلى إرادة صادقة توحد المدينة من جديد, غير أن البعض يفضلها مقسمة ولكن ماذا في جعبة هؤلاء غير التقسيم؟ هل يريدون أن يقنعوننا ببضاعتهم الفاسدة النتنة، وماذا عساهم يقولوا؟ أعرف جيدا أن بعضهم أشرب في قلوبهم القبلية فلا ينظرون الأشياء إلا من خلالها ولا يسمعون إلا ما يخرج من أفواه أبناء العشيرة شرا كان أو خيرا؛ فالأنف المزكوم لا يفرق بين رائحة الطيب ورائحة الجيفة، كما أعلم جيدا أن كثيرا من البسطاء يصفقون لمشروع التقسيم تحت شعارات براقة لم تبن مدرسة واحدة ولم تغن أحدا من جوع.

لم تكن بهذا الصورة الجميلة دائما فقد وقع فيها أبان الحرب الأهلية حروبا متعددة كانت جلها بفعل فاعل اسمه سياسي ضحك من جهلنا وتغنى على جرحنا النازف ووجد من بيننا أناس يطبّلون له ولمشروعه التقسيمي ولعمالته في وضح النهار، وبعض الأحيان عمالة لتدمير البلد وتمزيقه وزرع فتنة بين أهل البلدة الواحدة مستفيدا من جهلنا وتعصبنا .

كثير من المثقفين والعلماء وأصحاب الفكر المستنير فضلوا الإنحاء أمام العاصفة الهوجاء ريثما تهدأ، وينتظرون أن يستفيق البعض من سكرتهم، والبعض الآخر فضَّل البقاء في مدن أخرى طلبا للنجاة؛ لكن الحل يبقى حلا جالكعيا، وفي يد أهل الحل والعقد من أهلها غير مستورد من هنا وهناك؛ فأهل مكة أدرى بشعابها، كما يكمن الحل أن لا نستسلم للواقع المرير الذي نراه أمامنا فلقد توحدت بيروت وأزيل الخط الأخضر الذي كان يفصلها إلى نصفين وعادت إليها الحياة في بهجة وسرور، وتوحدت برلين وكُسر الجدار الفاصل بسواعد الألمان، ولم يعد هناك برلين الشرقية وبرلين الغربية ؛ فالإرادة الصادقة الهادفة تفعل المستحيل وتبني البيت من جديد.

لابد من وقفة صادقة أمام هذا التيار وهذا الفكر الظلامي الذي يعيش أصحابه في زمن الجاهلية الأولى زمن عنترة العبسي وعمرو ابن كلثوم صاحب البيت الشهير:

 ونشرب إن وردنا الماء صفوا *** ويشرب غيرنا كدرا وطينا.

 نحن نعيش يا سادة عصر العولمة وتكنولوجيا الرقمية عصر التكتلات والاتحادات؛ لذا لابد من الأخذ بأيدي هؤلاء وإخراجهم من هذه الهاوية وتذكيرهم بأن القوة في وحدتهم وتكاتفهم، وأن نمنح للعلم والعلماء دورهم لنتجاوز معا الظروف والعقبات الناشئة عن تراكمات الحرب الأهلية.

زغردي يا جالكعيو فالقادم أفضل، ولن يمسح العار والذل الذي حل بك إلا أبناؤك البررة، ولن تكوني أقل حظا من مقديشو التي تعافت وتزينت، وسترجعين كما كنت دوما واحة للإخاء والمحبة، وستجمع الجميع في حضنك الكبير يلعبون معا ويرقصون ويشربون من مائك العذب عين بردعد الشهيرة.

2 تعليقان

  1. هذا الموضوع الذي تطرق إليه الكاتب الأستاذ/ أحمد حسين عيد في غاية الأهمية بمكان لأنه يحاول أن يداوي جرحا ينزف لفترة طويلة وفي مدينة من أعرق المدن في الصومال، ولا أشك أنني سأرى هو الموحدة وآمنة أن شاء الله تؤذي دورها الوطني وتنتج الرجال.

  2. اشكر الشيخ ابوشيبة علي مشاعره النبيلة وأرجو أن تتبلور الافكار الي أفعال في ارض الواقع بقيادة العقلاء والعلماء امثالكم.

%d مدونون معجبون بهذه: