الإرهابيون… من هم ولماذا وكيف؟

يتساءل الأستاذ أنور مالك تساؤلا وجيها، يجب أن يطرحه كل مفكر وعالم وداعية على نفسه، ويضع خبرته وعلمه لإيجاد الجواب لهذا التساؤل.

يتساءل: لماذا كلما تتم صناعة جيل ملتزم تظهر تنظيمات مشبوهة تسهل لها جهات استخباراتية فتح مستنقع باسم الجهاد للقضاء عليهم؟

سأحاول الإجابة على هذا التساؤل الكبير والعميق.

من هم؟

يجب علينا أولا أن نتعرف على نوعية الشباب الذي يستجيب لهذه الدعوات والوقوع في هذا المستنقع الذي وصفت، فيخطئ بعض المحللون عندما يتناولون موضوع الشباب الذين ينساقون وراء التطرف.

فالبعض يعزي انسياق هؤلاء إلى “الفقر والحاجة“، وهذا غير صحيح، ففيهم الكثير والكثير جدا ممن هم فوق المتوسط دخلا، بل وفيهم ممن نستطيع ضمهم إلى الأغنياء وممن تجب عليه الزكاة.

والآخر يعزي انسياقهم وراء دعوات التطرف إلى “ضعف الذكاء وقلّته” وهذا أيضا غير صحيح، فنرى فيهم المتعلمين وخريجي الجامعات وممن حصل على مستوى طيب من الثقافة والتعليم.

وآخرون يعزون الاستجابة إلى دعوات الإرهاب إلى كون المستجيب يعاني من “عقد نفسية وانفصام وانفصال عن المجتمع” وهذا أيضا غير صحيح، فأعدادهم ليست بالقليلة ويتعاونون مع أمثالهم ويتجاوبون معهم بل وبعضهم يعتبر من المتميزين في مجتمعاتهم ولهم حظوة طيبة بين أقرانهم.

البعض يقول إن “علمهم بالدين قليل“، وقد قرأت لهم فوجدت علمهم بالدين يفوق الكثيرين من عامة الشعب. يروون الأحاديث ويستشهدون بالآيات، ولهذا نشأت لجنة في المملكة العربية السعودية تسمى لجنة المناصحة من بعض العلماء والدعاة لنقاشهم ومناصحتهم.

إذا أردنا أن نحلل شخصيات هؤلاء يجب التعمق أكثر، لا أن نسوق ما خطر في البال من أعذار واهية.

ما هي المشكلة إذا؟

المشكلة الحقيقية هي في “نقص” الدعوة الدينية لدينا، فدعاتنا لا يتناولون ما يدور في عقول هؤلاء الشباب “حقا”، الدعوة الدينية لدينا منبترة, تتناول جزء محددا من حياتنا وتوسعه شرحا وتوعية ودعوة و وعظا. بينما هنالك أجزاء يسكتون عنها، لا يتناولونها. أما رغبة منهم بالسلامة، أو أنهم أصبحوا وعاظ سلاطين لا يقتربون من مواضع الخطر السياسي والاجتماعي.

تجد وعاظنا ينغمسون في الحديث عن العبادات، أهميتها وفضائلها وشروطها ولذتها وما كان السلف الصالح ينعمون به من انغماس في العبادة يضربون الأمثال والحكايات والروايات ولا مانع من ذكر أمثلة من هذا الزمن.

تجد دعاتنا يسعدون بالحديث عن الحزن والاكتئاب والوسوسة وغيرها مما يصاب الإنسان به من ظواهر ومشاكل نفسية،

ونوع يطيب له وصم مجتمعاتنا بالتقصير والإهمال ومقارنته بالأمم الأخرى وكيف تقدموا وتأخرنا؟ كيف صنعوا واستهلكنا؟ كم شوارعهم نظيفة وشوارعنا قذرة؟ يستعين بقول محمد عبده (العالم وليس المغني) عن الغرب: “وجدت مسلمين ولم أجد إسلاما، وفي الشرق وجدت إسلاما ولم أجد مسلمين”.

هذا النوع من الوعظ قد يحلو للبعض بل دعني أقول هو يحلو للأكثرية ولا نختلف على هذا، ودليل قولي هو كثرة المريدين والمتابعين لهم. ولله الحمد والمنة.

بماذا يفكر الشباب المنساق وراء التطرف؟

نحن نتكلم عن “قلة” لديها حماس ورغبة في العمل، وتنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة عن مجموع من الأمة، هؤلاء لم تجد من يتحدث إليهم, من يبين لهم كيف يجب أن ترى الأمور في الشرع. وأضرب أمثلة ليسهل المعنى.

  • يسمع العلماء يفتون بحرمة البنوك الربوية، ويسمع منهم الحديث (“لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ”)، وهو يرى إعلانات البنوك تملأ الشوارع والصحف، بل وراتبه أو راتب والده يستلمه من بنك. فيحتار ماذا يفعل وكيف يصنع، وهل دخل هو أو أبوه أو الدولة في دائرة اللعن؟ وهل سيتعرضون للآية الكريمة التي تهدد بالحرب من الله ورسوله؟
  • يسمع بحرمة التأمين بأنواعه، على العربات أو على الصحة أو على البضائع، وفي نفس الوقت يرى القوانين تسن لإجبار الناس على التأمين على المركبات، والصحة، ويرى التجار يؤمنون على بضائعهم، فهو يركب ويتعالج ويستعمل بضائع ويأكل طعاما دخلت فيه شبهة الحرام كما يرى.
  • يسمع الآيات تقول إنما المؤمنون إخوة، والأحاديث تقول إن المسلمين كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وفي نفس الوقت يسمع عن الدواهي والنوازل بالمسلمين في فلسطين وماينمار والصين وسوريا والعراق والصومال وغيرها من بلاد المسلمين، ويرى ضعف ردة فعل الحكومات الإسلامية على ما يحدث للمسلمين في كل هذه البقاع. فيحتار، هل إذا لم يفعل شيئا سوف لن يكون مسلما؟ هل يخرج من ربقة الإسلام إذا سكت؟
  • يسمع أن خير الجهاد “كلمة” حق عند سلطان جائر، ويرى أن بعض الدعاة والعلماء أودعوا السجن لأنهم “كما يسمع” نصحوا وبينوا، فهل ولي الآمر سلطان جائر؟
  • يسمع من البعض عن كفر الآخرين ممن يخالفوننا الدين أو المذهب، وأنهم يعادون الله ورسوله، وان المؤامرات تحاك ضد الأمة، حتى الصور المتحركة وميكي ماوس والبوكيمون قصد منها الصد عن سبيل الله، وان كل مخالف لا يهمه إلا هدم الدين الإسلامي. بينما يراهم في بلاد المسلمين، خبراء ومستشارين وجيوش. فكيف يسمح لمن يعادي الدين بالوجود في ارض الإسلام؟
  • تعلم ودرس “الولاء والبراء” و أن على المسلم أن يتبرأ من الكفار والمخالفين، ويجدهم حوله وعلى أرضه، بعضهم يخالفه في الدين وآخرون يخالفونه في العقيدة والمذهب، فكيف تتعامل معهم الحكومة والشركات والمجتمع ولم يتبرؤوا منهم ويخرجوهم من ديار الإسلام

عواصف هوجاء تتقاذفهم، تطيح بهم الدعوات، والنداءات من كل جانب، يبحث عمن يجيب على ما ذكرت من تساؤلات في عقولهم، فلا يجد العالم الفقيه الذي يبيّن له ويوضح فقه الضرورات، وفقه البناء، وفقه الواقع. بل وجد دعوات تقول له إن من رأى منكرا فليغيره بيده.

والتغيير باليد يتحول إلى انضمام إلى جماعات متشددة متطرفة ويعلن الحرب على مجتمعه، أو يفجر نفسه في مسجد يعتقد كفر المصلين فيه.

لم نعي الأسئلة التي تدور في عقولهم، ولم نستجب لها.

ما هو الحل؟

إذا استمرت الدعوة والخطاب الديني على نفس المنهج من تجاهل الإجابة على هذه الأسئلة، وتبيان حلولها، ومعرفة أن الولاء والبراء في الدين وليس في المعاملة. وأن المجتمع يحق له إتباع مبدأ الضرورات كما يباح للفرد. وان الكفر الوارد في الآيات والأحاديث ليس كله بمعنى واحد. فهناك كفر دون كفر، بل وهناك كفر لا يخرج من الملة.

  • يجب أن نقف عن التشدد في الفتاوى والمواعظ ونبحث عن الأيسر والأقرب لزماننا، الأيسر الذي لا يخرج عن الأصل، وليس التيسير الخارج عن الدليل.
  • يجب أن نعلم شبابنا أن بناء الأمة والمجتمع وإصلاح العيوب نوع من الجهاد
  • يجب أن نعلم أبناءنا أن زراعة طعامنا وغزل ملابسنا وتصنيع أدواتنا من أعظم الجهاد. بل هو الجهاد الحق في يومنا هذا.
  • يجب أن نحض حكوماتنا وولاة أمورنا على فتح قلوبهم للنقد والرد عليها إما بالإصلاح أو بشرح العوائق التي تحول دونه والخطط التي تجري لسد النقص.

هكذا أستاذي أنور سنجد أن الشباب الملتزم سيصبحون آباء واجدا ينقلون الدين الحق لآبائهم. وهكذا سنحافظ عليهم ولن يستجيبوا للناعق من كل جهة ولا للدعوات الهدامة المشبوهة المدفوعة من مخابرات همها الأول السيطرة على الأوطان بعد إضعافها وتمزيق نسيجها الاجتماعي.

%d مدونون معجبون بهذه: