بين الإسلام والعربية والإرهاب

يتساءل الكثير ويحق لهم التساؤل، ما الذي يجعل العربي يحارب العربي؟

ما الذي يجعل بعض أهل السنّة ينظْم إلى داعش ويقتل ويفجر في وطنه وأهله؟

وبعض الشيعة ينظّم إلى مليشيات إيرانية يقتل السنة في العراق وسوريا، يقتل جارة ونسيبه وقريبه وابن بلده، بل ويقتل من الشيعة من لا يوافق مبدأ ولاية الفقيه الإيراني الفارسي؟

يتقاتلون ويتذابحون، وهم عرب وأبناء عم، فكثير من الشيعة عربا اقحاح ومن قبائل عربية معروفة منها بنو تميم أو شمر أو غيرها من القبائل العربية، انتصروا لإيران على أهلهم.

من الجانب الآخر، أبنائنا يقاتلون إلى جانب داعش، يفجرون في المباني ويقتلون أهلهم كحالة أحدهم الذي قتل خاله شقيق أمه قبل أن يفجر نفسه عند نقطة شرطة.

أمثلة كثيرة لا مجال للاسترسال بها، فيكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، السبب أن هؤلاء فقدوا هويتهم. ضاعت الهوية فلا يعرفون من هم؟ أصبحوا بلا هوية. فبحثوا عن هوية، وكانت حبائل المغرضين والطامعين جاهزة لهم بوسائل إعلام واتصال وتواصل.

نحن عرب، هويتنا عربية، لساننا عربي، أصولنا عربية، هذه هي الحقيقة التي حاربها الكثير من الدعاة والوعاظ بل والعلماء، وفسقوا القائل بها، وبعضهم أخرجه من الملة، حاولوا خلال العقدين الماضيين ترسيخ رأيهم أن هويتنا إسلاميه، أضاعوا البوصلة، فضاع شبابنا، وضاعت الأمة معهم.

لا ينقص الإسلام إذا لم يكن هوية، وهو أعلى وأجلّ وأكرم وأوسع من أن يكون هوية لقوم أو مجموعة، هو إنقاص من قيمة الإسلام إذا حصرناه في هوية.

الإسلام منهج حياة ودستور نجاة لكل من اتبع تعاليمه الحنيفة، أبيض كان أو أسود، عربي أو أمريكي أو صيني، نعيش بهذا ونموت عليه إن شاء الله.

يسوق البعض قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نتلمس العز بغيره) حتى يثبتوا ان الهوية هي الإسلام وهي النجاة والعزة، أقول صدقتم وأخطأتم، أخذتم أخر القول ولم تأخذوا أوله، لقد فعلتم بهذا كمن يأخذ بنصف الآية في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) ويتمثل بها كالشاعر الذي قال

دع المساجد للــعباد تسكنها***وطف بنا حول خمار ليسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا***ولكن قال ويل للمـصلينا

قال رضي الله عنه ” نحن قوم”، فمن هؤلاء القوم الذين كانوا أذلة فأعزهم الله بالإسلام؟  هل هم الروم أم الفرس أم الأقباط؟

دعوني أعيد صياغة العبارة حتى يسهل عليكم فهم مقصدي، يقصد رضى الله عنه (نحن العرب أعزنا الله بالإسلام فلن نلتمس العز بغيره) إذن هي قومية عربية ذات منهج إسلامي رباني، فإذا تخلينا عن القومية سنصبح أفراد متفرقون نستجيب لكل ناعق وكل حامل شعار.

هذا ما حدث، شبابنا فقد هويته واستجاب لنداء الأعلى صوتا، لنداء يحرك مشاعره، فهو لا هوية له تحميه وتجعله يتوقف ويحسب، ويرى اهو داعية حق ام داعية باطل

والشيعة أيضا، استجابوا للأقوى والأعلى صوتا ويصرخ فيهم يا لثارات الحسين. فقاتلوا تحت هذه الراية؟

نحن عرب، ويؤكده اسم وطني فوطني أسمة المملكة ” العربية ” السعودية. أنا عربي سعودي، أنا مسلم عربي سعودي.

سؤال آخر اسأله لهؤلاء الذين يحاربون قوميتنا، لماذا أبحتم لأنفسكم الانتساب للقطر (مصري سوري عراقي سعودي ليبي … الخ) ولم تبيحوا الانتساب للقوم الذين تكلم عنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟

القرآن لم يأت أبدا لإلغاء القوميات والقطريات والشعوب والقبائل، بل جعلها من سنن الله في خلقه وتابعة للخلق الذي خلق الله به الإنسان لقوله تعالى “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”

أسأل هؤلاء الذين جعلوا القومية العربية من المحرمات، هل هذه الآية تخص جميع الشعوب أم هي خاصة بالروم والصين وإفريقيا؟

 وهنا يأتي السؤال هل للإنسان انتماءات غير الدين؟

نعم، للإنسان شبكة معقدة من الانتماءات نقص أي عنصر منها تجعل الإنسان غير سوي ويلزمه تعويض الانتماء الناقص. فهو ينتمي إلى أسرة وإلى عائلة وإلى مدينة أو قرية وإلى عشيرة وإلى قبيلة وإلى دولة وإلى قومية. وانتماءات أخرى جانبية ثانوية في الرياضة والسياسة والفن والمدرسة والجامعة وغيرها.

هذه الانتماءات كلها وأكثر منها موجود عند كل إنسان، كلها تؤثر في حياته وسلوكه، وهنا يأتي دور قول سيدنا عمر بن الخطاب ويظهر واضحا جليا، يحدد لنا المنهج والدستور الذي يجب ان تسير عليه كل انتماءاتنا، (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نتلمس العز بغيره) أصبح قوله رضي الله عنه واضحا جليا، حدد طرفي المعادلة في حياتنا، ” انتماء ومنهج”

فقد هذا الانتماء هو ما أعطى إيران الفرصة للعب على شركائنا في الوطن، وهو ما أعطى لجماعة البغدادي الفرصة لاستقطاب أبناءنا. ولن ينجوا أبنائنا منها سواء شيعة أو سنة إلا بالعودة إلى “الانتماء” وإتباع “المنهج”.

قد يأتي البعض ببعض آيات القرآن ليبين خطأي ولكن أقول لهؤلاء قول الصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: (لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة)، فلفظ أمة أتى بالقران الكريم على كثير من المعاني، فابحثوا في المعاني ستجدون ان ما أقوله هو الأقرب للصواب.

لنتوقف عن كره قوميتنا، لا نتفاخر على الناس فيها بل لنحاول ان نكون أكرمهم عند الله باتباع المنهج، وإتباع المنهج القويم لا ينافي القومية، ولا ينافي الحفاظ عليها كدرع يقي الإنسان من الأصوات المتطرفة التي تجعل الأخ يقتل أخاه والابن يقتل أباه،

حاربنا هويتنا والنتيجة ما ترون، إما قطرية موغلة في التشدد ترى بلدها الأفضل والأحسن ولا ترى فيه عيوب، تحتقر ما عداه من الأقطار، أو إسلامية متشددة تحتقر الجميع وتقاتل وتقتل الجميع.

أقولها مرة أخرى وليعيها الجميع، أنا مسلم عربي سعودي، افتخر بهذا ولا أتفاخر به، هذه هي حلقة انتماءاتي وهي هويتي. عربي سعودي على منهج الإسلام.

لا يتصور البعض أنني أنادي بما يسمى الحركة القومية، وسبيل ساطع الحصري او شكيب أرسلان، لا والله فهم زائغون عن الدرب.

ولا أدافع عن بغض الحكام والطغاة الذين كانوا ينادون بالقومية العربية كشعار يستغفلون فيه الشعوب أمثال القذافي وبشار الأسد وغيرهم، ولا أدافع عن أحزاب ساقطة مثل حزب البعث العربي الاشتراكي أو الحزب القومي الديمقراطي وغيرهم، كلهم ساقطون، ساقطون.

أتكلم عن هوية، يجب أن لا نحاربها، فقط أتمنى أن لا نجعل القومية مخالفة للإسلام، فلا تعارض بينهما، فنحن قوم مسلمون. فقط أريد أن تتفكروا في هذه الجملة، نحن قوم مسلمون، من يخالفني؟

ومتى ما استطعنا إيقاظ الهوية والمنهج سنستطيع قطع الطريق على التطرف، ولكن لن ينقطع أبدا إذا استمرينا على المسار الذي نحن فيه.

%d مدونون معجبون بهذه: