دعاتنا وأثرهم في التطرف

يستغرب الكثير، ويتساءل الجميع، لماذا ينحاز بعض شبابنا إلى الجماعات الإرهابية؟ رغم الكم الكبير والهائل من الدعاة والوعاظ الذين يملئون فضاء الانترنت والكثير من ساعات البث التلفزيوني والإذاعي، ورغم وجود قنوات تلفزيونية وإذاعية كثيرة تعظ الشباب وتحاول توجيههم، ولا ننسى خطب منابر الجمعة في كل حي في كل قرية ومدينة، كلها تعظ وتنصح وتتحدث في الدين، ودروس العلماء في المساجد والأندية والتجمعات كثيرة ونقرأ إعلاناتها، لا ننسى المدارس ودروس التربية الإسلامية بما يعادل ساعة يوميا إذا لم تخني الذاكرة. ناهيك عن أشرطة وتسجيلات وفيديوهات ومواقع.

مما يعني أن كل شاب مهتم بأمر من أمور الدين لا بد وأن يجد عالما أو داعية، إلى جانبه ليسأله أو يسمع منه ويتعلم.

رغم هذا الكم الهائل نجد الكثير من شبابنا أما ابتعد عن الدين أو تبنى فكرا متطرفا، تطرفا يبدأ بتحريم التلفزيون والتشدد على أهله وأخواته، ثم يتحول إلى داعشيا، إما داعشيا عاملا مهاجرا كما يسمونه أو مؤيد للفكر الداعشي المتطرف.

ولأن التطرف كالمنزلق، ما أن يسقط فيه الإنسان حتى ينحدر ثم ينحدر إلى أن يصل إلى مستنقع تكفير الأمة واستحلال دمها، لا توقف ولا تهدئة بل انزلاق يتلوه سقوط. إلا من رحم ربي.

السؤال هنا : لماذا لا يؤثر هذا الكم الكبير من الوعاظ والدعاة والعلماء على اختلاف أنواعهم، فمنهم الإخباريون ومنهم المتفقهون ومنهم الدعاة الجدد والذين ادعوهم ” المحترفون” إذ لا حرفة أخرى لهم يسترزقون منها غير مهنة الدعوة والوعظ، وكما يقال في أحد الأفلام “الساعة بكذا والحسابة بتحسب”.

أضف إليه الكم الهائل من الإمكانات المتاحة من فضائيات وإذاعات ومساجد وقاعات، لماذا لا تؤثر في الشباب؟

السبب هو ابتعاد الخطاب الديني عن الحياة، ولأضرب لكم أمثلة بسيطة، تسهل فهم المقصود.

خطيب بعد صلاة المغرب في أحد المساجد يتحدث للحاضرين عن أهمية صلاة الجماعة، كأنه يحدثهم في نادي أو مكان آخر، لم ينتبه أن الحاضرين هم في مسجد وانهوا صلاة وينتظرون صلاة أخرى.

حضرت درسا في مسجد في مدينة الظهران، عاصمة البترول في العالم، كان الخطيب يتكلم عن زكاة بهيمة الأنعام، وكل الموجودين لا أنعام لديهم إلا اللحم الموجود في ثلاجاتهم.

تجد معظم الخطب تخويف من النار، وترهيب من غضب الله والعياذ بالله، حديث لا رفق فيه ولا حلم ولا لين.

ونوع آخر تحده يسرد القصص، فلان فعل وفلان فعل، أخبار وقصص لا يعطي السامع ما الحكمة المستفادة منها في حياتنا اليوم.

ونوع يجلد المجتمع جلدا، ويظهر أسوأ ما فيه وينتقده نقدا لاذعا، كأن المجتمع أصيب بطاعون هو يستحقه، يستمرئ جلد الذات وجلد المجتمع،

وما يحدث من كوارث في الوطن أو في العالم فهو بسبب غضب الله، فلا زلزال ولا بركان ولا تسونامي ولا حادثة قتل إلا بسبب غضب الله على هذا المجتمع أو ذاك.

لم نجد الداعية الذي يهتم بأخلاق القيادة، أو بربط حزام الأمان، أو بضرورة اهتمام الموظف بعمله ومراجعيه.

لم نجد داعية يتكلم عن حقوق الإنسان وحقوق المواطن ما هي؟ وكيف يطالب بها وكيف يحترمها.

لم نجد داعية يتكلم عن واجبات المسلم تجاه أخيه المسلم وكيف يدخل هذا في مجال الوظيفة أو التعليم

لم نجد داعية يتكلم عن المشاكل التي تتناهب امتنا في العراق وسوريا وليبيا ومصر وكيف نتعامل معها

لم نجد داعية يتكلم عن حقوق المرأة الاجتماعية والمالية والنفسية،

لم نجد داعية يتكلم عن الإنترنت وكيف نتعامل معه بحكمة

كلهم يتكلم عن المثاليات، وكل من خالف المثاليات فهو مخطئ على اقل تقدير إن لم يكن فاسقا أو كافرا والعياذ بالله. علمائنا يدفعون الشباب دفعا إلى أحد النقيضين، إما تارك لدينه وأما متشدد، فالذي لا يتحمل المثالية التي يتكلمون عنها سيهجر الدين ويرى انه لا يستطيع تحمل تكاليفه وأعباءه، ومن يحاول أن يكون مثاليا في التدين سيتحول مع الوقت من متدين إلى متشدد إلى متطرف أو داعم للتطرف.

نسو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه، فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). (رواه البخاري ومسلم).

يدفع هؤلاء عدم المستطيع على المثالية إلى ترك الدين والمتمسك إلى التشدد.

أين هم من أحاديث الرحمة؟

كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل فيه (فقال يا أبا هريرة وأعطاني نعليه قال اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة).

وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير قال فقال (يا معاذ تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله) قال قلت الله ورسوله أعلم قال (فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا) قال قلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال (لا تبشرهم فيتكلوا).

كثير من العلماء والوعاظ يأخذون بمبدأ (الأحوط) ويعتبرونه من التقوى في كل الأمور، يأخذون بالرأي المتشدد والتفسير المتشدد ويعتبرونه هو الصحيح لأنه الأحوط، ونسوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا) بل وفسروا اليسر فيه إلى أن الإسلام يسر بالنسبة لبقية الأديان، فهم يقارنون الإسلام بغيره وليس يسر بنفسه وبتعاليمه،

كما نسوا قوله صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا..) لقد شددوا على الأمة فتشددت الأمة.

والأدهى والأمر أنهم يستسيغون القدح فيمن يخالفهم الرأي من العلماء، ويحاولون تنفير الناس منه، هذا التنفير يسقط هيبة العلماء كلهم بما فيهم هو نفسه، ينسون قول الشافعي رحمه [قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، بل هم الصواب المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه. وقول غيرهم الإفك والبهتان والظلال، تصارع أدى إلى سقوط هيبتهم جميعا. يختمون فتواهم بكلمة (والله اعلم) بينما داخلها محشو بالقدح والذم على مخالفيهم.

لقد قتلت المثالية امتنا، وقتلت شبابنا، ودمرت علاقتنا بربنا،

ثم أن مفهوم الكفر كله لديهم واحدا، وكل كافر مستباح الدم والمال، ويجب أن نضطر المخالف لنا إلى أضيق الطريق.

وعاظنا ودعاتنا ومدارسنا لم تعلم مجتمعنا أدب الحوار مع الآخر والمعايشة معه، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، إذا كان يبيع لهم ويشتري منهم بل ويقترض منهم ويساكنهم، وأحل الله لنا الزواج بالنصرانية واليهودية رغم أن القران قال عنهم كفارا. والزوجة سكنا ومودة ورحمة فكيف يكون بين مسلم وكافر مودة ورحمة ويكون سكنا؟

أغفل وعاظنا أمور حياتنا، من أدب المرور، وقيادة العربات، واستعمال وسائل التواصل، وحق الطريق، وحماية البيئة، وبناء الوطن، والإخلاص في العمل وإجادته، وحقوق الإنسان، وحقوق المواطن، وكيف يطالب بها، وحقوق الوطن، وكيف ندافع عن المظلومين، وكيف نعمل على إعادة الحق إلى أصحابه، وكيف نعامل مع شركائنا في الوطن من المخالفين لنا في الدين أو المعتقد، وكيف نحترم رأي الآخرين، وكيف نناقشهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وكيف نتفاعل مع ما يجري في بلاد المسلمين من نوازل ومصائب.

أمور في حياتنا اليوم، في صميم قلوبنا. لا أحد يخاطبها، تركوا بناء المواطن السليم الواعي المدرك للحياة وأصبحوا يتكلمون فقط عما بعد الموت والجنة والنار وعذاب القبر، نعم نحتاج لهذه العلوم ولكننا والله لغيرها الآن أحوج.

نحتاج إلى دعاة وعلماء ووعاظ يعلموننا كيف نحيا لا كيف نموت.

نحتاج وعاظ يعلمون النشء كيف يعيش لا كيف ينتحر.

نحتاج إلى وعاظ يعيشون واقعنا لا يعيشون في أبراج فكرية بنوها داخل رؤوسهم.

نحتاج إلى علماء يتعلمون ويعلمون فقه الواقع اليوم لا فقه الواقع قبل عشرة قرون.

نحتاج إلى وعاظ يعلمون النشء فقه الأخلاق وان الأخلاق ليست في فقط في عدم الكذب ورد السلام، بل في احترام الغير بالقول والفعل، واحترام المخالف وكيف نتعايش معهم، واختلافنا لا يعني أن نسلبهم حقوقهم ونقتلهم كما تفعل داعش اليوم. فهم تعلموا وهم صغار أن المخالف لا احترام له ولا قيمة له، تعلموها من وعاظ نعرفهم ونقرأ لهم.

وحين يعترض الوعاظ والعلماء على ما يحدث اليوم من ظهور للحركات الإرهابية، أقول لهم يداك اوكتا وفوك نفخ. وكما يقول المثل الشعبي (خبز خبزتيه يا الرفلة أكليه)

حينما ينجح الدعاة في شرح الحياة لن نجد أي شاب يقتل نفسه مفجرا في غيره يبحث عن الموت والجنة وحور العين والجهاد.

%d مدونون معجبون بهذه: