رؤساء من القصور إلى القبور

 استطاع الغرب بعد الاستعمار في القرن المنصرم أن يقسم دول العالم إلى ثلاثة أقسام ، وهي :

  • الدول المتقدمة: وهي دول أوروبا الغربية، وروسيا، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائهم في آسيا مثل اليابان، وكوريا الجنوبية.
  • الدول النامية: وهي أكثر دول آسيا، وبعض دول أفريقيا، وبعض دول أمريكا اللاتينية.
  • دول العالم الثالث : وهي الدول الفقيرة التي تعتمد دائما على المساعدات الأجنبية، ومعظم هذه الدول تقع في إفريقيا، وآسيا وأمريكا اللاتينية، وسبب فقرها ليس بأراضيها الخصبة ومواردها الربانية بل يعود إلى سببين آخرين هما :
  • أسباب خارجية : وهي تدخل دول الغرب في شئونهم الداخلية، وخاصة النظامين السياسي والاقتصادي؛ لأنهم يخلقون فوضى وعدم الاستقرار، تارة يدعمون الحكومات ويعارضون الجبهات، وتارة يدعمون الجبهات ويعارضون الحكومات، لكي ينهبوا ويستفيدوا من ثرواتهم الربانية من معادن، ونفط، وأراضى زراعية التي منَّ الله على هذه الدول.
  • أسباب داخلية : ومنها فساد إداري، وسوء تدبير السياسات الداخلية للحكومات، وهذه المشكلة سببها رؤساء هذه الدول الذين يعتقدون إذا صلحت سياسة الحكومة وانتهى الفساد سيفقدون مناصبهم أو كراسيهم التي يظنوها إرث آبائهم؛ لأنهم لا يتمتعون بثقة شعوبهم، لذلك يحاول الواحد منهم أن يكون كل شيء على ما يريد هو ؛ حتى يبقى منصبه، ويعيش الناس بفقر مذل، وبطالة لا تنتهي إلى الأبد، وهذه العقبات أصبحت آفة لا تتجاوزها شعوب هذه الدول.

وإليكم نماذج من هذه الدول:-

العراق دولة عربية تقع في الشرق الأوسط، وهي من الدول التي نالت استقلالها من المستعمر البريطاني، وفي السبعينيات من القرن الماضي قام صدام حسين ومجموعة من الضباط بانقلاب عسكري، وأخذ العراق بيد من حديد، وكان حليفا لروسيا، وفي عام 1991م هاجم صدام الكويت واحتلها بعد ساعات من الغزو، وبعد طلب من الأمم المتحدة رفض الخروج من الكويت بسبب عناده وديكتاتوريته حتى بدأ الغزو المعروف بغزو العاصفة بقيادة أمريكا، وبعد هذا الغزو ضعفت قوة العراق بسبب العقوبات التي فرضها الغرب حتى بدأت الأمم المتحدة برنامج النفط مقابل الغذاء، وفي عام 2003 بدأ الأمريكان الغزو على العراق بسبب امتلاكها أسلحة الدمار الشامل، والتي أصبحت فيما بعد مزيفة ، ولكن الهدف من الغزو كان نهب ثروات العراق فقط ، وبعد سنوات من الغزو تم القبض على صدام، وبعد محاكمات مارثونية حكم عليه بالإعدام شنقا، ونفذ هذا الحكم بيوم العيد الأضحى المبارك؛ وهكذا من القصور إلى القبور.

ليبيا دولة عربية تقع شمال إفريقيا، وهي عضو في كل من الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، نالت استقلالها من المستعمر الإيطالي، وبعد حكم ملكي ضعيف، حدث انقلاب في عام 1969 بقيادة شاب من الجيش اسمه معمر القذافي الذي حكم البلاد أكثر من 40 عاما، وبنى الوطن، وأعاد الأمن والاستقرار، وحكم البلاد بالكتاب الأخضر، وكان يساند الجبهات الإفريقية ضد حكوماتهم، وكان يعارض الشرق والغرب، ولكنه لم يكتسب قلوب شعبه بل زرع فيها الحقد والكراهية بسبب تصرفاته السياسية الغليظة،

 وكان له نموذج خاص به. وفي عام 2011 عندما هبت رياح الثورات العربية التي سميت بالربيع العربي، هز كرسي القدافي، ودخل بلده حربا أهلية، ودمر كل شيء، وهذا ما كان يريده القذافي، إذا لم أحكم أنا ليس بعدى شيء، وهناك قاعدة شيطانية تقول أنا ومن بعدى طوفان، ، ورفض تسليم الحكم، ولم يسمع طلب أصدقائه مغادرة بلاده إلى الخارج؛ لينقذ نفسه وبلده، ولكنه أبى إلا أن يقاتل فقتل، وهكذا من القصور إلى القبور.

وفي القارة السمراء هناك العديد من الرؤساء الذين تم قتلهم أثناء الحكم بأساليب منها : انقلاب عسكري يقوده ضباط من الجيش، وبعد سيطرة الجيش على السلطة يلغون الدستور ويحكمون على الرئيس بالإعدام، أو ثورة جبهات غاضبة تسيطر المنشئات الحكومية وتحمل السلاح في وجه الشرطة والجيش، وبعد هذه الفوضى يهرب الرئيس أو يتم قبضه من قبل الجبهة، وبعد إلقاء القبض عليه تتم تصفيته كما حدث في دول من شرق، ووسط، وغرب إفريقيا.

والمشكلة الأساسية هي أن بعض الرؤساء يعتقدون أنه لا يستحق أحد أن يحكم البلد بدونه؛ كما أنه رسول إلى الأمة، وهذا ما نراه في العالم العربي، مثل مصر التي لم تر حكما مدنيا قط إلا حكم محمد مرسي الذي تم الانقلاب عليه من قبل الجيش بقيادة السيسي، واليمن التي تم تدميرها من قبل صالح ونظامه ، وسوريا التي يحكمها بشار الذي ينتظر الموت أو الرحيل، وكذلك دول النظام الملكي مثل والأردن، والخليج العربي و التي يتجاوز ملكها من الشخص إلى الأسرة.

 معظم دساتير الدول تمنح للرئيس الترشح لولايتين فقط، ولكن في السنوات الأخيرة نرى رؤساء يعدلون الدستور لكي يتمكنوا الترشح لولاية ثالثة، وينادون بانتخابات عامة، وبعد فرز الأصوات تشير النتائج إلى فوز الرئيس نفسه، والمجالس البرلمانية يفوز بها حزبه، وهذه ليست انتخابات نزيهة، وهذا يؤدي إلى اضطرابات سياسية واقتصادية كما نرى في الجزائر، وجيبوتي، وبوروندى، ورواندا، وإثيوبيا، وإريتريا، وأوغندا، وكونغو، وزيمبابوي، وكما رأينا الصومال الحبيب التي أكلتها ثورتها قبل عقدين .

والسبب في ذلك أن معظم الرؤساء يرون الكرسي فقط، ولا يعطون خصمهم فرصة، ولا يفهمون معنى المعارضة، وإذا فهموها يفهمون أنها عصابة من المخربين، وخونة لا يليق بهم أن يحكموا الوطن، وهذا خطأ فادح.

إن جوهر الديمقراطية أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم ، وألا يفرض عليهم حاكم أو نظام يكرهونه ، ومن أساليب الديمقراطية أن يدلي أفراد الشعب أصواتهم بانتخابات عامة أو استفتاء عام، وأيضا تعدد الأحزاب السياسية، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، واحترام حقوق الإنسان، وهذا يتفق جوهر الإسلام، والإسلام ينكر أن يؤم الناس في الصلاة من يكرهونه كما في الحديث النبوي الشريف ( ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤؤسهم شبرا؛ وذكر أولهم رجل أمَّ قوما وهم له كارهون….)، وإذا كان هذا في الصلاة فكيف في أمور الحياة السياسية ؟، كما يقول الإمام يوسف القرضاوي.

 وأخيرا؛ تأملوا المقولة الشهيرة لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ( تدوم دولة العدل ولو كانت كافرة )، لذلك لا غرو أن نرى اليوم دول غير مسلمة مثل النرويج، وفنلندا، والسويد، والدنمارك تتمتع بأمن وأمان، ورفاهية، وقلة الفساد، واستقرار، واحترام حقوق الإنسان بسبب العدل، وتداول السلطة بسلمية عبر صناديق الاقتراع، مع وجود بعض الأمور التي نختلف معهم فيها كالعلمانية والحرية المطلقة، والزواج المثلي، وغيرها.

%d مدونون معجبون بهذه: