جلسات المصارحة [1]

 المقدمة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد:

لقد دار هذا الحوار الهادئ بيني وبين زميلي في الدراسة في جلسات عدّة، تجاذبنا فيها أطراف الحديث.

الجلسة الأولى :

فقال لي صاحبي: ما رأيتُك فترةً من الزمن ، لكن وصلني عنك أنك صرتَ وهابيا، مبتدعا ، قد خرجت عن الطريقة القادرية العلية، ونسيتَ شيوخك وما غمروك من العلوم المتنوعة، وما عقدوا لك من الدروس المتنوعة.!

فقلتُ له : لا أنكر فضل أساتذتي عليّ ، فليس من دأب المسلم كفران النعم التي أُسديت إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم علمنا أنه َ”من لم يشكر الناس لا يشكر الله،” ومِنْ شُكر الناس الاعتراف لصاحب الفضل فضله، وهل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان.!

ولكن يا أخي : هل فكرتَ في نسبة الناس إليَّ بالوهابية؟ إنه أمر إن استقام لغة، لا يستقيم واقعا، وأما لغة ، فالوهاب :هو اسم من أسماء ربنا ، فلا ضير أن ينسب الناس إليه ، وأما واقعا: فلأنك تريد أن تنسبني إلى محمد بن عبد الوهاب ، الذي دارت بينه وبين أهل الطريق وعبّاد الأضرحة ، خاصة القادرية منهم جولات وصولات ، وحروب وإحن ولذا ردَّ بعضهم بعضا، حتى أن الشيخ عبد الله معلم يوسف الصومالي زعم: الإجماع على كفرهم .

قال صاحبي : في أي كتاب كفَّرهم ؟

قلت : وهل تَعرف للشيخ عبد الله كتابا صنَّفه ، إلاّ ذلك الكتاب الذي ألفه إثر مقتل شيخه: الشيخِ أويس البراوي ، فصنفه للرد على الطريقة الصالحية ، بل لتكفيرهم وإخراجهم عن الملّة، وتفضيل الكفرة الصرحاء عليهم ، وأنت تدري – أيها الزميل – كيف كنا في غبطة وحبور عندما حصَّلنا نسخة من هذا الكتاب ، وأعتقد بأنك فهمتَ الكتاب المعنيَّ ألا وهو :’’ نَصرُ المؤمنين على المردة الملحدين مع بقية أحكام الدين ‘‘.

قال زميلي : كنتُ أحبُّ دائما أن أسألك من كان الشيخ عبد الله يعنى من المؤمنين والملحدين .؟

قلتُ: لا يساور أدني شك من قرأ فصولَ الكتاب أن مقصد الشيخ من المؤمنين المنصورين أنّهم المنتسبون إلى سلك القادرية، وأنَّ المردة الملحدين هم أهلُ الطريقة الصالحية، الذين يسمِّيهم الشيخُ أحيانا بالطالحية، ويشبههم مرّة بالكلاب، وتارة بالأفاعي، وكما تعرف – يا صاحبي- تضمَّنت المجموعة القلنقولية رسالةً عنونها الشيخ ” بالسكين الذابحة على الكلاب النابحة ” وزعم فيها ” أن قتل صالحي واحد أفضل من قتل ألف كافر عادي ” ومما جاء في الرسالة ” لهم ضجيج لهم أنين، لهم فحيح، كالكلاب النابحة، وقتل واحد منهم أفضل من مائة كافر عادي “

هم صالحية و طالحية **** أزل إلهي لهم فحيح

لهم ضجيج لهم أنين **** لهم حنين من ذاك فحيح([1])

وله قصيدة طويلة سمّاها ” السيوف الصارمة على الرقاب الظالمة”، ومما جاء فيها

هكذا المنكرون في كل عصر **** قبّح الله كلهم كالسواحر

كالدراويش منهم صالحية *** خربوا أرضنا بكل الكبائر([2])

وقال: ” فنقول: إن هذا القول ـ انقطع تصرف الأولياء بالموت ـ من كذب أفواههم ، ونتن أدبارهم، وتسويل آرائهم، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أزالهم الله عن البلاد، وأماط خضرائهم، وأماكنهم عن العباد .. ” ([3] ).

 واجتماع الصالحية على زوال كرامة الولي الحي إجماع على الضلال قبحمهم الله.

قال: ” لقد وقع بيننا وبينهم ما لا يدخل تحت الحصر من المضاربة والنزاع في أمر الدين .. “

وكما تعلم أخي انتدب أربعة من الشيوخ الكرام لينصحو الشيخ وهم:

1- الشيخ إسماعيل بن الشيخ اسحاق شيخ الصالحية. الأورويني

2- الشيخ علي نيروبي

3- الشيخ عبد الله بن شجر

4- الشيخ محمد بن حاج صالح

ولكن كانت النتيجة أن دعا عليهم بالنار قائلا:

خذ إلهي ابن شجر وأدخلنه في سقر **** خذ علينا نيروبيا وأدخلنه هاويا

خذ ابن صالح عمى وأدخلنه حطما **** خذ أورينيا جظا وأدخلنه في لظا.

تبا للأورويني **** معين كفر هو الوقيح

شتت إلهي شمل الأعادي **** سهل مرادي فلا أريح

أوروينا وقيحا خذ إلهي **** وبطينا فارمهم فوق الأكام.

يقول: ” أولئك ـ الصالحية ـ حبطت أعمالهم في الدنيا والآخر وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .. “

” اللهم طهر الأرض عن نجاساتهم ” ” أذلهم الله في الدارين ” ” قبحهم الله في الدارين .. ” ” قاتلهم الله أنى يؤفكون” “هم أراذل الأحياء وأشد الأغبياء … ” .

ويقول: ” هذا القول ـ عدم تصرف الأولياء في الكون ـ من فساء أدبارهم، وتختم أفواههم عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين” ” الفرقة الضالة الصالحية قبحهم الله”

” قبح الإله به فرقة تقاتلنا **** واقطع أصلهم وانفهم عن بلادنا ربنا “([4])

قال صاحبي: بقيت قضية لم تجب عنها وهي : ما زعمتَ أن الشيخ: كفَّر الوهابية وأسند ذلك إلى الإجماع.

قلتُ : نعم ، ذَكَر ذلك في طيَّات نقده على الصالحية حيث قال : ” لا يقتدون خلف من له عمامة سيماهم التحليق كالوهابية ، وكفر الوهابية إجماع “.

قال صاحبي : أيُّ إجماع عنى الشيخ؟ قلتُ : إجماع مَن على شاكلته.

قال رفيقي : أفهم من كلامك أن الشيخ كان شديدا على خصمه، فقبل تكفيره من يسميهم الوهابية كفّر أتباع الطريقة الصالحية! لكن أودُّ أن أسألك وتكون صريحا معي في جوابك ، نسمع أنَّكم تنكرون الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم فهل هذا صحيح؟

فقلتُ : – يا صاحبي- أين ذهب عقلك ، عشنا معا عمرا مديدا ، وكنتَ تسمعني دائما وأنا أصلي وأسلم على النبي المبعوث رحمة للعالمين، كيف لا، وقد أمرنا الله سبحانه في كتابه أن نصلي ونسلم عليه ، وأمره للوجوب ، إذن الصلاة والسلام عليه- بأبي هو وأمي- واجب حتمي علينا.ثم هل تدري أن أكثر المسلمين صلاة عليه الصلاة والسلام هم أهل الحديث ، رواة السنة المطهرة ، فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف التصلية عليه أمام كل حديث ، ولا يزال لسانهم رطبا بذكره صلى الله عليه وسلم ، فهذه العصابة الناجية والجماعة الحديثية أولى الناس برسول الله يوم القيامة ، وأسعدهم بشفاعته، ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحد من الناس إلاّ من جاء بأفضل مما جاءوا به ، ودونه خرط القتاد. ولكن- يا صاحبي – أُدرك تام الإدراك قصد المشاغبين ، والمفترين علينا بأننا ننكر الصلاة على الرسول عليه وآله أفضل الصلاة و السلام ؛ لأن الصلاة عندهم بدعيات ابتدعوها، واستغاثات يسمونها صليات، وزيادات أحدثوها في دين الله جل وعلا ، ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي إرث عن آبائهم وأجدادهم وإذا أنكرنا عليهم ذلك فيتقوَّلون علينا: أننا ننكر الصلاة على سيد ولد آدم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

قال صاحبي : كنتُ أنا وأنتَ على السلك القادرية، وحضرنا كثيرا في حلقاتِ الزيلعية والأويسية، وسمعنا قصصا عجيبة من كرامات الأولياء، وشطحاتِ القوم ، وخوارق العادات. من تلك القَصص ما هو مدون في الكتب ، ومنها ما هو مشتهر بين المريدين ، ومنها ما هو مروي شفهيا، فهل ما زلت على العهد وتؤمن بتلك القَصص؟

قلت: سأجيب عن هذا السؤال في جلستنا القادمة – إن شاء الله.

……………….

الهوامش :

[1]  السكين الذابحة، صـ 81.

[2] السكين، صـ 85.

[3] ـ نفس المصدر السابق

[4] ـ مجموعة القلنقولي ، صـ 80، 81، 90، 139.

2 تعليقان

  1. أولا:أشكر فضيلة أستاذ أبا الحسن بتعليقه الهادئ، وبمروره بالمقال.
    ثانيا: كما قلت” كان الواجب أن تنصب جهودنا في معالجة أمرض أمتنا” هذا المقال هو جزئ من معالجة تلك الأمرض، ولا يعالج المرض من لايعرف أسبابه، ولا يعالج أمرضا اجتماعية من لا يعرف تاريخ الأمة، ماضيها وحاضرها..ثم ما هو أعظم مرض الذي تعاني به أمتنا، ما هو أساس أمراض أمتنا حتى نبدأ به؟ سؤال مفتوح قد نخلتف فيه.
    ثالثا:قولك ” الكاتب الوحيد الذي تناول ……” هل أنت متأكد بأن الشيخ عبد الله هو الوحيد ـ من السادة الزيلعية أو الأويسية ـ الذي تطرق لهذا الموضوع ؟ هل كتبت ذلك عن دراسة أم بمجرد الانفعال؟..ثم هل تعرف منزلة الشيخ عبد الله عند القوم؟هل تعرف بأن كتابه مجموعة القلنقوقي هو مرجع رقم أول.. حتى لا يصح كلامك ” وكل المتعصبين موجودون في كل الطوائف..” يا أخي هذا قائد ومرجع،!! ثم من قال”Niikii doonaa hadoono, Nikii diidaa hadiido, Dawlad Qaadiriyaa leh, dufna Saaliyaa leh”
    أظن أنك تعرف هذه الأغنية المشهوره، وأعتقد بأنك تعرف قائلها الأول إن كانت عندك دراية بتاريخ القوم، هذا بالتالي ينقض قولك بأن جميع أدبيات القوم باللغة العربية،مع أني لا أشاطرك بأن الصوماليين لا يقرؤن العربية.
    رابعا: قولك بأن “جمهور السادة القادرية لا يشاطرونه فيما ذهب إليه” كلام فيه نظر لا أطيل الوقوف عنده، لكن تكفيك قصائد الشيخ قاسم البراوي رحمه الله تعالى، والشيخ أويس منها قول الشيخ أويس:
    “كل من تراه على رأسه قبة ( *) ويحبون العمامة ليس فيه مسائل “أنظرجلاء العينين صـ (51). المقصود من القبة العمامة الكبيرة التي كانت الدراويش تلفها على رؤوسها تشبها بأنصار المهدي في السودان.

  2. الصراع بين القادرية والصالحية مثل الصراع بين أتباع المذاهب الفقهية ، ولا أعتقد بأنه وصل إلى حد يخشى منه سوء عاقبته، والكتاب الوحيد الذي تناول موضوع الخلاف أو هاجم الصالحية وانعتها باوصاف خارجة عن الذوق هو كتابي الشيخ القطبي رحمه الله تعالى ، ولا أظن بأن جمهور سادة القادرية الصومالية يشاطرونه فيما ذهب إليه ، والكتاب مؤلف بالعربية، وغالبية الصوماليين لا يقرءون بالعربية، وقد عاش أهل الطريقتين بوفاق ووئام في ربوع الصومال، ولكن المتعصبون موجودون في كل الطوائف ولا يمثلون رأي الأغلبية.
    وكان الواجب أن ينصب جهودنا في معالجة أمراض أمتنا والبحث عن مسبباتها وتوصيف العلاج المناسب لها، وأن لا نعيش بما مضى وذهب، ولا نعطي المتعصبين معاول الهدم والانتقام.
    وشكرا.

%d مدونون معجبون بهذه: