الصومالي الصائم

إن التجوال في أحد المدن الصومالية في الساعات الأولى من نهار يوم رمضاني له طعم مختلف ، و مذاق خاص ، وجربت ذلك بنفسي ، ورأيت السكينة تطغى على الشجر والحجر ، والإيمان يرسم لوحة متجذرةً في عمق روح الصومالي ، إنه لأمر في قمة الروعة ، فذلك الشعب الذي يوصف دائماً بأنه شعب بدوي وجاف، ومن السهل -حسب ما كان – أن يتقاتل ويشعل الفتنة فيما بينه، هو نفس الشعب الذي توشح بسكينة المكان وقدسية الزمان وتجرع عبق الإيمان في شهر رمضان ، وذهب يسعى منادياً لإغاثة المسكن والفقير والمحتاج من أبناء البلد، ولم يكتف بذلك بل رحب بلاجئي اليمن ترحيباً يليق بطباع شعبي الكريم؛ فلبَّى مجيباً لوصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في صيانة حق الجار ؛ ففتح للجار الديار وفرش له البساط ، وسبق الجميع وانفق الشلن والدولار على ضيف عزيز وقريب له؛ كنا في الأمس القريب ضيوفاً في داره، واليوم تتبارك ديارنا بقدومه، “وطئتم سهلا وفرج الله كربكم” هذه هي دعوة الصومالي الصائم .

” اللهم إني صائم ” كثيراً ما تقال، وكثيراً ما تُستحضر في لحظات الغضب لكبح جماح الهوى ، و تهدئة خواطر النفس الأمارة بالسوء ، فيتذكر الإنسان الصيام فتستقيم له الأمور ، ولكن ما أروعها حينما يقولها الصومالي قولاً ويطبقها فعلاً ، فهذا الوطن يحتاج إلى أفعال صائمة من العنف والتفريق والتهجير والتشتيت والتهديم ، و إلى أقوال صائمة من العنصرية والقبلية والمناطقية ، وأن هذا المجتمع أحوج ما يكون إلى أفعال الحب، وأقوال الحب، ونفوس تنمو بالحب، وقلوب تجمع المتضادات بالحب، وتعزم على نشر دعوة “أحبّ لأخيك ما تحب لنفسك” . فأحبّ للجنوبي الأمن وسلام ، وللشمالي التمكين وتحقيق الأحلام ، وللشرقي التطوير ومزيد من الأعمال ، وللغربي القوة و الحنكة و الحكمة فأنتم موطن الأخيار ، هذه هي روح الصومالي الصائم .

 “اللهم إني صائم” يتمثل لها المسلم الصومالي في كل ساعاته يومه الرمضاني من بزوغ الخيط الأبيض مروراً بالساعات احتقان السماء بحرارة الشمس وانغماس الجسد بالعرق والتعب؛ ووصولاً للحظات ذروة العطش و الجوع واقتراب الفطور؛ ومع ذلك يردد “اللهم إني الصائم” وبها يدخل مدرسة رمضان الكبرى؛ فيتعلم التوحيد الحق من القران وتربية النفس والجسد من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويتعلم بأنه لا شيء مستحيل من غزوة بدر، ويعقد الأمل والنجاة بالله في ليلة القدر، ويشعر بتلك العلاقة الخاصة التي تربطه بالله عز وجل؛ لأنه يعلم أن الصوم لله، والله يجزي عباده به . هذا هو إيمان الصومالي الصائم .

 يا شهر التنزيل ها أنت تأتي إلينا كل عام، وفي كل زيارة لك نعقد الأمل عليك بعد الله عز وجل في تطهير قلوبنا من الحقد والحسد، و أن تزرع في نفوسنا حب الخير للنفس وللغير، ويا شهر القرآن خذ بيد الصومالي الصائم وعلِّمه التسامح والأخذ بالعفو والإعراض عن أبواق الفتن ودعاة الضلالة ، وعلِّمه وعلِّمنا كيف تكون الوحدة والاعتصام بحبل الله ، وكيف يكون التغيير حتى نغير أنفسنا لما هو خير لنا ، وكيف نحقق الخلافة والتعمير في أوطاننا .

إلى كل صومالي صائم نقول كن صائماً في كل الشهور عن كل ما يحبطك ويقلل من شأنك ويغتال أحلامك.

إلى كل صومالي صائم نقول له ارفع راسك عالياً وتعال نبني البلد؛ وتذكر أنه لا القتل محانا، ولا التهريب أنقصنا والهجرة أنستنا حب تراب الوطن؛ وما أجمل أن تصوم في وطنك هادئا مطمئا آمنا من الآفات ما ظهر منها وما بطن، بل ما أجمل من أن نتعلم من مدرسة الصوم نفسها الهدوء والسكينة وحب الخير للآخرين؛ حتى نكون أوفياء أمناء أتقياء مسالمين من رمضان إلى رمضان، فنعم الصوم مدرسة وأي مدرسة؛ ففيه نتعلم الكثير الكثير؛ إذ نستطيع تغيير أوضاعنا إلى أفضل حال.

وأخيرا… نسأل الله تعالى أن يلهم الصومالي الصائم بأن يتخلق بأخلاق الصيام طوال العام، وتقبل الله منا منكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.

%d مدونون معجبون بهذه: