التصوف الجامع..!

من ينظر إلى حال الأمة، يجدْها قد انقسمت فرقا متناحرة، لا ترى الواحدة منها الخير والفلاح إلا في فناء نظيراتها. وهذا يعني أن الحبل بينها قد انقطع، رغم المشترَكات التي تجمع بينها في الظاهر. والسبب في هذا، هو أن كل واحدة قد فقدت حسن الظن بغيرها، فقدا يكاد يكون تاما.

 ونحن لا نرى إزاء هذا الوضع، ما يمكن أن يكون جامعا بين جميع الفرق إلا التصوف الحق، الذي يسَع الجميع، ويحسن الظن بالجميع، ويضِن بسلامة الجميع..

 إن الصوفية أوسع صدرا من غيرهم، وأولى أن يسَعوا كل الفرق من سواهم، بسبب معرفتهم بالحق الذي مع كل فرقة. إنهم بخلاف غيرهم، لا يحتكرون الحقيقة، ولا يزعمون أنهم أحق بها. إنهم يشهدون مدد الله لكل الأفرقاء، مصيبِهم ومخطئِهم، فيكونون مع الله فيما يشهدون، لا مع الخطأ والصواب. وهذا هو سر كونهم لُحمة هذه الأمة، والوسيط المأمون بين مختلف مكوناتها.

 نحن اليوم، في هذا الزمن العصيب، أحوج إلى التصوف من كل زمن مضى. لا نقول هذا تعصبا لفئة دون أخرى، وإنما نقوله لعلمنا بما يجري، وبما سيترتب عليه. لم يعد في الوقت متسع ننتصر فيه لميول فردية أو جماعية؛ بل الأمر متعلق بأمن الأمة جمعاء، إن عقلنا.

 إن كل من ينتصر لفرقة على أخرى، كما كان الشأن في الأزمنة الماضية، فليعلم أنه غير مدرك لحقيقة الحال؛ وليعلم أنه متخلف عن الركب بمسافة فارقة. ومنطق “أنا المحق”، وسواي مبطلون، صار جنونا يأباه الواقع، وتتأفف منه العقول. لا بد أن ينظر عقلاء كل فرقة بروية إلى ما نحن مقبلون عليه. ولا بد أن يوطّنوا أنفسهم على طلب مرضاة الله فيما سينتهون إليه من رأي. ولا بد أن يصدُقوا قومهم النصيحة، وإن كانت ستخالف الموروث من مذهبهم، وأهواءَ العامة. هذا، وإلا فلينتظروا أن يعمّهم الله بعذاب!..

 نعم، إن التصوف الذي يعرفه جل الناس، والذي قُصد أن يُقدَّم على أنه هو، ليس من التصوف الذي نتكلم عنه في شيء؛ بل هو فرقة من الفرق التي لا يمكن أن تتجاوز حدود أقفاصها الموروثة. وإن هيمنة الحمقى من عوام الناس على هذا التصوف، لا تبشر بخير؛ بل تجعلنا نقف على موطن من مواطن الداء العامل في جسد الأمة.

 نحن نتكلم عن التصوف، الذي هو الإسلام الكامل عينه؛ الكامل، بجمعه بين ظاهر الدين وباطنه، في نقاء وصفاء، لم ينحرفا عما كان عليه الأمر في القرن الأول. ولا ينبغي أن تحجبنا هنا تفاصيل الصورة الذهنية، عن حقائقها؛ لأن الزمان غير الزمان، والقوم غير القوم. لكن مع ذلك، فإن الدين هو الدين عينه، لا يُمكن أن يتغير أو يتبدل، ولا ينبغي ذلك.

 لقد عرف التاريخ صورة ناصعة مما ندل عليه هنا، سنة 1860م، عندما قامت فتنة الشام بين النصارى والمسلمين، وتعرّض إبانها إخواننا النصارى للقتل على أيدي الجهلة من إخواننا المسلمين، فقام لها الولي الهمام الأمير عبد القادر الجزائري رضي الله عنه بعلمه ونوره، وفتح بيته للنصارى يُؤويهم ويجيرهم، وسعى في إصلاح ذات البين، وتم له ذلك. وقد بلغ عدد من نجا من النصارى على يديه 15000 فرد؛ وهو ما أدى إلى إثبات الكنيسة في الشام لعرفانها بجميل هذا السيد في وثائقها الدينية، حتى يُتوارث هذا الذكر الطيب لديهم عبر الأجيال.

 هذا هو التصوف، بل الإسلام الحق، الذي نريد أن يعم نوره العالم؛ فهل من مجيب؟!..

5 تعليقات

  1. ابن تيميه يراجع نفسه ويوقع وثيقة عودته الى المذهب الاشعري بعد 5 سنوات من المناظره مع علماء الازهر…. ويرلف كتابان في التصوف يسمى مشائخ الصوفيه بأنهم “صديقوا الامه” ولا يذكر الشيخ الجيلاني الا ويقول”قدس الله سره”
    http://www.azahera.net/showthread.php?t=1167

  2. د/ أحمد البغدادي

    كيف يسكت ولا تسكن أنت ؟ هل أنت في شك في علم من ذكر من الجهابذة ؟ الذين فيهم من هو امير المؤمنين في الحديث كالحافظ ابن حجر وغيره ، وهل ذكرهؤلاء العلماء ينقص من قدر الصحابة رضي الله عنهم ؟ فالحط من قدر هؤلاء فيه حط من قيمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يلتجئ إلى مثله الا المتكبرون الذين أعماهم الغرور والهوى والجهل أمثال ذي الخوصرة الذي قال لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم

  3. زد على ذلك قول الله عزّ وجلّ: ” إنّما المؤمنون إخوة” الآية فيها أسلوب القصر البلاغي، يعني أن الأخوّة محصورة بين المسلمين، أمّا غيرهم فليسوا إخوة لك

  4. كلمة التصوّف لم تأت في الكتاب والسنّة، وإنّما جاء الزّهد والورع.

    وإذا كان التّصوف الّذي تدعو إليه يرى أنّ النّصارى إخوانا لكم! فهو والإسلام في شقاق،
    الله يقول: قاتلهم الله أنّى يؤفكون!
    وأنت تقول: إخواننا النّصارى!

    والله يحكي عن إمام الحنفاء أنّه قال لقومه – وقد كانوا كفّارا كالنّصارى-: وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداَ حتّى تؤمنوا بالله وحده

    وأمر نبيّنا محمّداً صلّى الله عليه وسلمّ باتّباع ملّة إبراهيم وطريقته في التّوحيد، ونحن مأمورون باتّباع النبيّ صلى الله عليه وسلّم، وأنت خالفت طريقته حيث جعلتهم إخوانا لك!

    • كيف يسكت ولا تسكن أنت ؟ هل أنت في شك في علم من ذكر من الجهابذة ؟ الذين فيهم من هو امير المؤمنين في الحديث كالحافظ ابن حجر وغيره ، وهل ذكرهؤلاء العلماء ينقص من قدر الصحابة رضي الله عنهم ؟ فالحط من قدر هؤلاء فيه حط من قيمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يلتجئ إلى مثله الا المتكبرون الذين أعماهم الغرور والهوى والجهل أمثال ذي الخوصرة الذي قال لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم

%d مدونون معجبون بهذه: